حرب إيران تعيد أوروبا إلى الفحم.. "دعاة التحضر" يتجاهلون الانبعاثات
محمد عبد السند

أجبرت حرب إيران العديد من الدول الصناعية المتقدمة في أوروبا والعالم على الاعتماد مجددًا على الفحم في توليد الكهرباء في ضوء نقص إمدادات النفط والغاز، وانعكاسات ذلك على الأسعار.
وصار الفحم الملاذ الآمن لعدد من الدول التي تتبنّى سياسات مناخية تستهدف تحقيق الحياد الكربوني، عبر خفض الانبعاثات، قبل أن تضع قضية أمن الطاقة على رأس أولوياتها في ظل اضطراب أسواق الطاقة العالمية نتيجة التحديات الجيوسياسية الراهنة.
ولطالما ضغطت الدول المتقدمة المؤيدة للأهداف المناخية باتجاه التخلص التدريجي من الفحم في توليد الكهرباء وتقليص استثماراته بوصفه أشد مصادر الوقود الأحفوري تلويثًا للبيئة، واصفةً إياه بأنه السبب الرئيس في تزايد الاحترار العالمي.
لكن تعرُّض تلك الدول لصدمات طاقة جراء حرب إيران جعلها تضرب بمبادئها عُرض الحائط وتسرِّع حرق الفحم لتوليد الكهرباء؛ ما يعكس براغماتية واضحة في التعامل مع المستجدات التي تطرأ على الساحة.
وأدت الحرب الأميركية-الإيرانية التي انطلقت شرارتها في 28 فبراير/شباط الماضي إلى غلق مضيق هرمز؛ ما نتَج عنه شُح في إمدادات الوقود الأحفوري واضطرابات في سلسلة الإمدادات العالمية.
ويُعدّ مضيق هرمز أحد أهم مسارات الشحن البحري في العالم؛ إذ يمر خلاله خُمْس إمدادات الطاقة عالميًا، وفق قواعد البيانات لدى منصة الطاقة المتخصصة.
إطالة أمد محطات الفحم في ألمانيا
أكّد المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، أن بلاده ربما تحتاج إلى مواصلة ربط محطات الكهرباء العاملة بالفحم بالشبكة لمدة أطول من الفترات المخطَّط لها حاليًا، إذا استمرت أزمة الطاقة في ضوء نقص الكهرباء، وفق تصريحات أدلى بها خلال مؤتمر نظمته صحيفة "فرانكفورتر ألجماينه تسايتونج".
وقال إنه غير مستعد للمخاطرة بجوهر الصناعة الألمانية، من أجل خطط التخلص من الفحم إذا "صارت تلك الخطط غير واقعية".
وتخطّط ألمانيا للتخلص من محطات الكهرباء العاملة بالفحم بصورة كاملة بحلول عام 2038 عبر قانون ذي صلة يستهدف خفض سعة توليد الكهرباء المولَّدة بالفحم والفحم البني (اللغنيت) بصورة متزايدة سنويًا.
وتستهدف ولاية شمال الراين-وستفاليا الفيدرالية التخلص التدريجي من الفحم واللغنيت بحلول عام 2030.
وعلى الرغم من أن ميرتس لم يُشِر صراحةً إلى أي تغييرات في أهداف التخلص من محطات الكهرباء العاملة بالفحم، فإنه أكد أهمية ضمان أمن إمدادات الطاقة في البلاد.
وشدَّد كذلك على أهمية بناء محطات كهرباء عاملة بالغاز جديدة بسرعة بموجب إستراتيجية محطات الطاقة المعمول بها في البلاد.
وستُبنى محطات الطاقة الجديدة في مواقع محطات حرارية سابقة، وستُربَط بالبنية التحتية للشبكة الحالية.
من ناحية أخرى، قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن ثمة إمكانًا لاستعمال تقنية الاندماج النووي، إلى جانب المفاعلات المعيارية الصغيرة بوصفها حلولًا محتملة لتوليد الكهرباء في المستقبل.
وفي هذا الصدد لفت إلى أن حكومة بلاده تستهدف توصيل أكبر محطة طاقة عاملة بتقنية الاندماج النووي في العالم بالشبكة في ألمانيا، مبرزًا قدرات بلاده في هذا المجال.

خطط إيطالية
على غرار ألمانيا، تخطّط إيطاليا لتأجيل الموعد المقرَّر للتخلص من محطات الكهرباء العاملة بالفحم إلى عام 2038 من موعده الأصلي في عام 2025، بحسب قانون مطروح للمناقشة حاليًا في البرلمان.
وتُعدّ خطط إيطاليا بشأن التخلص من محطات الكهرباء العاملة بالفحم هي الأولى في سلسلة تعديلات على قرار حكومي يستهدف خفض فواتير الطاقة بالنسبة إلى المستهلكين الأفراد والشركات.
وحظي القرار المذكور بموافقة حكومية في أوائل العام الجاري، ويتعيّن تحويله إلى قانون بحلول 21 أبريل/نيسان المقبل.
وقال المسؤول في ائتلاف "ليغا" اليميني الحاكم الذي قاد التعديل، ريكاردو موليناري: "سيكون من الممكن الإبقاء على تشغيل محطات الكهرباء العاملة بالفحم بوصفها احتياطيًا إستراتيجيًا".
وتعهّدت إيطاليا في الأصل بالتخلص من عمليات توليد الكهرباء بالفحم بحلول نهاية العام الجاري، في إطار حزمة الالتزامات المناخية المطبَّقة داخل الاتحاد الأوروبي.
غير أن الحكومة ترغب في الإبقاء على بعض محطات الفحم في حالة تأهُّب لما بعد عام 2025 في حالات الطوارئ.
أصول إستراتيجية
تتطلّع روما إلى تصنيف محطات الكهرباء العاملة بالفحم بوصفها أصولًا إستراتيجية بهدف تأمين الحصول على إعفاء من القواعد المنظِّمة للمساعدات الحكومية ودفع التكاليف على المرافق للإبقاء على المحطات المتعطلة عن العمل.
وتطوِّر إيطاليا سعة توليد كهرباء بالفحم تلامس 4.65 غيغاواط، بما في ذلك محطتان كبريان تابعتان لشركة إنيل (Enel) في مدينتي تشيفيتافيكيا وبرينديزي.
وسبق أن صرّح وزير الطاقة الإيطالي، غلبرتو بيكيتو فراتين، أن محطتي تشيفيتافيكيا وبرينديسي يمكن تفعيلهما مجددًا حال تجاوز أسعار الغاز 70 يورو (81 دولارًا أميركيًا)/ميغاواط/ساعة.
*(اليورو = 1.15 دولارًا أميركيًا)
وطالب الحكومة بإجراء تصويت على الثقة بشأن حزمة التعديلات في الغرفة السفلى للبرلمان، قبل مناقشتها في مجلس الشيوخ.
كوريا الجنوبية
لم تقتصر خطط العودة إلى استعمال الفحم في توليد الكهرباء على البلدان الأوروبية فحسب، بل شملت كذلك دولًا آسيوية سعت إلى تعزيز أمن الطاقة والتحوط من أزمة إمدادات وشيكة بسبب الحرب الأميركية-الإيرانية.
وشملت القائمة كوريا الجنوبية التي من المقرر أن تغلق محطات الكهرباء العاملة بالفحم في وقت تكافح فيه الحكومة لتأمين إمدادات الكهرباء وسط أزمة طاقة متصاعدة جراء الصراع الحالي، وفق متابعات منصة الطاقة المتخصصة.
ويأتي الكشف عن الخطط الكورية في أعقاب إصدار الرئيس الكوري الجنوبي، لي جاي ميونغ، تعليماته إلى وزير المناخ والبيئة والطاقة، كيم سونغ هوان، بإعادة النظر في خطة غلق محطات الفحم، مؤكدًا الحاجة إلى اتخاذ "تدابير طارئة" لمنع انقطاع الكهرباء في أعقاب اندلاع حرب إيران.
وتمثّل الخطوة تعطيلًا للسياسات التي تنتهجها سول للتخلص من محطات الكهرباء العاملة بالفحم بحلول عام 2040.
ولطالما تعهّدت حكومة جاي ميونغ بتسريع جهود التحول الأخضر عبر التركيز على خفض الانبعاثات؛ ما يشير إلى تحول واضح في أولويات السياسة.

اليابان
لم تكن كوريا الجنوبية البلد الآسيوي الوحيد الذي يسير على درب العودة إلى محطات الفحم؛ إذ حذت اليابان حذوها معلنة مؤخرًا خططًا لتخفيف القيود المفروضة على توليد الكهرباء بالوقود الأحفوري شديد الحساسية للبيئة.
وتأتي خطط اليابان في ضوء مخاوف نقص إمدادات الوقود في البلاد، لا سيما الغاز الطبيعي المسال، بسبب حرب إيران.
وترتكز خطط طوكيو على تخفيف القواعد المفروضة على تشغيل محطات الفحم لمدة عام في العام المالي الذي سيبدأ في أبريل/نيسان المقبل، ضمن مساعٍ أكبر لزيادة الكهرباء المولَّدة من الفحم.
وتستورد اليابان قرابة 11% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط.
موضوعات متعلقة..
- النفط والغاز في بريطانيا بين تداعيات حرب إيران والالتزامات البيئية (تقرير)
- أوابك تكشف تأثيرات حرب إيران في اقتصادات الدول العربية.. و3 حلول لتفادي الأزمة
- منجم نحاس وذهب ضخم يتعثر بسبب حرب إيران.. استثماراته 9 مليارات دولار
اقرأ أيضًا..
- توقعات الطلب على الكهرباء في مصر وحصة الغاز بمزيج التوليد (تقرير)
- تكلفة تصدير الهيدروجين.. هذه أرخص المواني العربية (تقرير)
- مصافي النفط في السعودية.. قدرات عملاقة تدعم ريادة التكرير العالمية
المصادر:
1.خطط ألمانيا للعودة إلى توليد الكهرباء بالفحم بعد حرب إيران، من أرغوس ميديا.
2.خطط إيطاليا للعودة إلى توليد الكهرباء بالفحم بعد حرب إيران، من أرغوس ميديا.
3.خطط اليابان لتخفيف قيود استعمال الفحم في توليد الكهرباء، من رويترز.
4.كوريا الجنوبية تتجه نحو تأجيل غلق محطات الفحم، من كوريا تايمز.






يبدع الأستاذ محمد عبد السند في اختيار موضوعاته الشيقة المرتبطة بالأحداث الساخنة والجارية وخصوصا حرب إيران ضد ترامب وتل أبيب ، ويربطها بكل دقة بالطاقة التقليدية والطاقة الخضراء ، برافو بروفيسور عبد السند ! مع تحيات قراء الطاقة والنعجبين بها ومع مزيد من موضوعاتك المبتكرة خلال الأيام المقبلة التي لا يتوقع أحد نتائجها الغامضة.
يبدع الأستاذ محمد عبد السند في اختيار موضوعاته الشيقة المرتبطة بالأحداث الساخنة والجارية ويربطها بكل دقة بالطاقة التقليدية والطاقة الخضراء ، برافو بروفيسور عبد السند ! مع تحيات قراء الطاقة والنعجبين بها.