تخزين الغاز في أوروبا.. حل إستراتيجي قد ينقذ الأسواق العالمية مستقبلًا
نوار صبح
- سعة تخزين الغاز في المملكة المتحدة تزيد قليلًا على 3 مليارات متر مكعب
- في الاتحاد الأوروبي تتجاوز السعة التشغيلية الإجمالية لمرافق تخزين الغاز 100 مليار متر مكعب
- مرافق تخزين الغاز كانت تعاني أصلًا من نقص في المخزون بعد فصل الشتاء
- أهمية تخزين الغاز تزايدت بشكل ملحوظ بصفتها أداة للمساعدة في تخفيف الاعتماد على الاستيراد
يمثّل تخزين الغاز في أوروبا أحد الخيارات المتاحة الرامية إلى التخفيف من تداعيات تقلبات السوق العالمية والأزمات الجيوسياسية التي تتسبب في ارتفاع الأسعار واضطرابات كبيرة في الإمدادات.
في هذا الإطار، يُمكن للكهوف الاصطناعية -التي تديرها شركة ستورينجي يو كيه التابعة لشركة إنجي الفرنسية (Engie)- تخزين كميات كافية من الغاز لتلبية احتياجات المملكة المتحدة لمدة يومين، وتؤدي دورًا مهمًا في توفير إمدادات مرنة في ظل الظروف المضطربة التي تشهدها سوق الغاز العالمية.
وقد أدت الحرب المستمرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إلى تجميد 20% من إمدادات الغاز المسال العالمية فعليًا منذ أواخر فبراير/شباط المنصرم، وفق ما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.
ويرى محللون أن مرافق تخزين الغاز في أوروبا -سواءً على البر أو في البحر- تُعدّ في طليعة إستراتيجية أمن الطاقة في المنطقة مع تزايد احتمال نشوب أزمة جديدة.
تخزين الغاز في المملكة المتحدة
يقول المدير التجاري لموقع ستوبلاش لتخزين الغاز، الذي يقع على بُعد نحو 45 دقيقة بالسيارة جنوب مدينة مانشستر بالمملكة المتحدة، روبن كانينغز، إن هذا العام يختلف قليلًا عن الأعوام السابقة بالنظر إلى الكميات الكبيرة المخزّنة.
ويوضح أن العملاء يضخون الغاز في الوقت المتوقع فيه سحبه، ومن المرجّح أن يكون ذلك بسبب الوضع الجيوسياسي الراهن.
وتُعدّ سعة تخزين الغاز في المملكة المتحدة صغيرة نسبيًا، إذ تزيد قليلًا على 3 مليارات متر مكعب، وهي كافية لتغطية 12 يومًا شتويًا عاديًا.
أمّا في الاتحاد الأوروبي، فتتجاوز السعة التشغيلية الإجمالية لمرافق تخزين الغاز 100 مليار متر مكعب، ما يُوفّر ما بين 25 و30% من الغاز المُستهلك خلال فصل الشتاء.
ونظرًا لانخفاض متوسط مخزونات الغاز الأوروبية حاليًا إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات عديدة في هذا الوقت من العام، دفعت أزمة الشرق الأوسط صانعي السياسات ومشغّلي مرافق التخزين إلى بذل جهود حثيثة لضمان إمدادات كافية قبل حلول فصل الشتاء.

أهداف إعادة تعبئة مرافق تخزين الغاز
في الاتحاد الأوروبي، ستناقش المفوضية الأوروبية، يوم الخميس 26 مارس/آذار الجاري، أهداف إعادة تعبئة مرافق تخزين الغاز في أوروبا، وذلك بعد أن حثّ مفوض الطاقة، دان يورغنسن، الدول الأعضاء على تخفيف متطلبات التخزين واعتماد نهج أكثر تدريجًا.
ونصح دان يورغنسن دول الاتحاد الأوروبي بخفض أهداف تعبئة مرافق تخزين الغاز في أوروبا إلى 80%، أي أقل من النسبة الإلزامية البالغة 90%، قبل حلول فصل الشتاء المقبل، وذلك للمساعدة في تجنُّب ارتفاع الأسعار الناجم عن الطلب المتزايد في نهاية الصيف، حسب مصادر تابعتها منصة الطاقة المتخصصة.
واستنادًا إلى أسعار العقود الآجلة الحالية، حيث تُتداول أسعار الصيف أعلى من أسعار الشتاء، يقول المشاركون في السوق، إنه من غير المجدي اقتصاديًا إجبار الشركات على دفع علاوة لتخزين الغاز اليوم ثم بيعه بسعر أقل خلال موسم الطلب الشتوي.
مهاجمة مواقع الطاقة الإقليمية
بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل غارات على إيران في 28 فبراير/شباط المنصرم، ما أسفر عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني وعشرات من كبار مسؤولي الاستخبارات والأمن.
وردّت إيران بهجمات على مواقع الطاقة الإقليمية، ولا سيما مركز رأس لفان للغاز المسال في قطر، الذي زوّد العالم العام الماضي بـ80 مليون طن (109 مليار متر مكعب)، ما يمثّل خُمس الإمدادات العالمية من هذا الوقود المبرد.
وعلّقت قطر إنتاج الغاز المسال في أوائل مارس/آذار الجاري، وتعرضت لاحقًا لأضرار قالت شركة قطر للطاقة، إنها قد تؤثّر في الإنتاج لمدة تصل إلى 5 سنوات.
الأمر الأهم بالنسبة للتجارة العالمية، أن إيران أغلقت فعليًا مضيق هرمز، الممر المائي الضيق الذي يمرّ عبره خُمس النفط والغاز المسال في العالم على متن ناقلات، معظمها للاستهلاك الآسيوي.
وما تزال آلاف السفن راسية على ضفتي المضيق، حيث يتردد مُؤمّنو السفن في المخاطرة بتعرُّض شحناتهم للهجوم، عقب تهديدات إيرانية باستهداف السفن الموالية للولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما.
ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا
أدت هذه التطورات إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بأكثر من الضعف، ما جعل مرافق تخزين الغاز، التي كانت تعاني أصلًا من نقص في المخزون بعد فصل الشتاء، أكثر أهمية، ولكن في الوقت نفسه، بات من الصعب ملؤها وسط ارتفاع التكاليف.
وبلغ سعر الغاز المرجعي في أوروبا -وفق مؤشر تي تي إف الهولندي (TTF) للشهر الأول- ذروته عند 74 يورو (85.62 دولارًا)/ميغاواط/ساعة في 19 مارس/آذار الجاري، وهو أعلى مستوى له منذ أكثر من 3 سنوات.
ويُعدّ هذا أقل بكثير من أعلى مستوياته في عام 2022 التي بلغت 345 يورو (399.17 دولارًا)/ميغاواط/ساعة، عقب الغزو الروسي لأوكرانيا.
وانخفضت أسعار الغاز الطبيعي منذ ذلك الحين إلى نحو 50 يورو (57.85 دولارًا)/ميغاواط/ساعة بعد أن صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنه يتفاوض مع طهران لإنهاء الحرب وضمان سلامة الملاحة عبر مضيق هرمز.

وقود انتقالي
منذ مطلع الألفية الثانية، شكّل الغاز الطبيعي وقودًا انتقاليًا أساسيًا لأهداف أوروبا في خفض انبعاثات الكربون، حيث دعم التحول إلى الطاقة المتجددة من خلال توفير مصدر احتياطي مرن للطاقة الشمسية وطاقة الرياح المتقطعة.
وتُصدر محطة توليد الكهرباء التي تعمل بالغاز الطبيعي عادةً نصف كمية ثاني أكسيد الكربون التي تُصدرها محطة تعمل بالفحم.
وأدى انخفاض إنتاج الغاز الطبيعي المحلي والصدمات الجيوسياسية الأخيرة -ولا سيما الغزو الروسي لأوكرانيا والأزمة الحالية في الشرق الأوسط- إلى زيادة اعتماد أوروبا على الواردات، خصوصًا الغاز المسال، الذي يُعاد تحويله إلى غاز طبيعي من خلال عملية تُسمى إعادة التغويز.
وتُجرى هذه العملية في محطات متخصصة أو وحدات تخزين عائمة.
نتيجة لذلك، تزايدت أهمية تخزين الغاز بشكل ملحوظ كأداة للمساعدة في تخفيف الاعتماد على الاستيراد، وتقطُّع مصادر الطاقة المتجددة، وانقطاع الإمدادات.
وفي المملكة المتحدة، يُنظَر إلى تخزين الغاز عمومًا على أنه يوفر مرونة في الإمداد، في حين في أوروبا القارية، تُعدّ هذه المواقع غالبًا مصادر كهرباء احتياطية طويلة الأجل.
استيراد الغاز المسال
اتجهت أوروبا إلى استيراد الغاز المسال، لا سيما من الولايات المتحدة وقطر، عقب انخفاض حادّ في إمدادات الغاز الطبيعي عبر الأنابيب من روسيا، التي كانت تُشكّل قبل الحرب الأوكرانية ما بين 40 و45% من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز.
ومنذ ذلك الحين، وافقت المفوضية الأوروبية على التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري الروسي، على أمل استيراد المزيد من الغاز المسال للمساعدة في سدّ النقص.
وبعد الغزو الروسي لأوكرانيا، فرض الاتحاد الأوروبي أهدافًا إلزامية لتخزين الغاز قبل حلول فصل الشتاء، ولم تفعل المملكة المتحدة ذلك، على الرغم من مواجهتها مخاطر مماثلة في الإمدادات.
وبموجب قوانين الاتحاد الأوروبي الحالية، يجب أن تصل سعة مواقع تخزين الغاز إلى 90% بين 1 أكتوبر/تشرين الأول و1 ديسمبر/كانون الأول.
من ناحية ثانية، كانت هذه المواقع تعمل بأقل من 30% من قدرتها، وهو أدنى مستوى لها منذ أبريل/نيسان 2022، وفقًا لأرقام مؤسسة البنية التحتية للغاز في أوروبا "جي آي إي" (GIE).
وعلى الرغم من أن الغاز الطبيعي في المملكة المتحدة يُستعمل لتدفئة معظم المنازل ويُمثّل أكثر من ثلث مزيج الطاقة في البلاد، تعتمد المملكة على سعة تخزين محدودة.
أمّا في البر الأوروبي، فمواقع تخزين الغاز عادةً ما تكون أكبر حجمًا وتعمل بشكل أكثر توافقًا مع الاتجاهات الموسمية.
وإذا كان هناك فائض من الغاز في شبكة المملكة المتحدة، فسيُنقَل إلى مواقع التخزين، وإذا كان هناك نقص في الغاز في الشبكة، فيمكن استخلاصه من مواقع التخزين.
ويُمكن للمملكة المتحدة الحصول على إمدادات قريبة الأجل من خطوط الربط مع أوروبا أو عبر محطات استيراد الغاز المسال الـ3 التابعة لها.

معلومات عن عن تخزين الغاز
يرى رئيس لجنة الغاز في جمعية تجار الطاقة الأوروبية، وهي جمعية لتجّار الطاقة بالجملة، باويل لونت، أن هناك سوء فهم مفاده أن التخزين مصدر إضافي للغاز.
ويقول، إنه مجرد وسيلة لتوفير المرونة، موضحًا أن تحديد أهداف أكثر صرامة لملء الخزانات أو أيّ شكل آخر من أشكال التدخل ليس هو الحل.
ويضيف أن مشكلة تحديد الأهداف تكمن في محاولة تحديد الكمية المطلوبة، وهو ما يُحدِث تشوهات في السوق.
ويشير باويل لونت إلى أن هذا يُولّد توقعًا بزيادة الطلب في الصيف، نظرًا للحاجة إلى ملء الخزانات، وإذا كان ذلك مطلوبًا ضمن إطار زمني محدد، فإنه يتحول إلى نبوءة تتحقق ذاتيًا، وقد يؤدي إلى انعكاس فروق الأسعار، مشيرًا إلى قيمة عقود الغاز الآجلة الصيفية والشتوية.
وحتى في السنوات العادية، قد تؤدي الحاجة إلى إعادة ملء الخزانات إلى ارتفاع أسعار الغاز الصيفية مقارنةً بأسعار الشتاء.
وتواجه سوق الغاز الأوروبية هذا العام صدمة في العرض، ما أدى إلى زيادة حدة ظاهرة التراجع السعري في أسعار الطاقة، حيث تُتداول العقود الفورية بعلاوة سعرية مقارنةً بالعقود الآجلة.
وقد ظلَّ سعر الغاز الصيفي في مركز تي تي إف (TTF) أعلى من سعر عقد الشتاء طوال معظم هذا العام، وهو ما تفاقم بسبب الحرب في الشرق الأوسط.
إزاء ذلك، يُثني هذا التراجع السعري المشاركين في السوق عن ملء مرافق تخزين الغاز في أوروبا.
موضوعات متعلقة..
- لا بديل عن تخزين الغاز.. 4 دول عربية مضطرة لمراجعة موقفها (تقرير)
- أكبر منشأة لتخزين الغاز في بريطانيا مُهددة بالتوقف قبل الشتاء
- سعة تخزين الغاز تحت الأرض ترتفع إلى 424 مليار متر مكعب
اقرأ أيضًا..
- الحرب على إيران - أسواق الطاقة تحت خط النار (تغطية خاصة)
- تقارير وحدة أبحاث الطاقة حول مستجدات الغاز المسال عربيًا وعالميًا
- قدرة توليد الكهرباء بالغاز.. قراءة في خطط 3 دول عربية (تقرير)
المصدر:





