الطاقة في موسم الحج.. نجاح مبهر لفريق لا ينام (مقال)
أحمد بدر

مع انطلاق موسم الحج 2026، تخطو قدما أول الحجيج على أرض المطار، هابطًا درج الطائرة.. تلتمع أمام ناظريه أضواء الممرات، قبل أن تقع عيناه على حافلة، تُقلّه إلى المكاتب الداخلية، ليُكمل إجراءات دخوله إلى الأراضي السعودية، قاصدًا بعدها بيت الله الحرام في "مكة" لأداء الفريضة.
لا يعرف هذا الحاجّ القادم من دولة أخرى، كم الجهد الذي بذله فريق كامل، يقوده وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، ليضيء له الطريق ذهابًا، وليوفر احتياجاته من الطاقة، من خطواته الأولى بالمملكة ثم إقامته داخل فندقه، ثم حجّه للكعبة المشرفة، ولاحقًا في طريق عودته مرة أخرى إلى المطار، بعدما يتمّ الشعائر.
فالوقود الذي استهلكته الطائرة، ثم وقود الحافلة، وإضاءة المطار، ومكاتب الجوازات، ثم الدَّرَج الكهربائي ولاحقًا السيارات والإضاءة على الطرق العامة.. كلّها أمور توفرت بخطط محكمة، تضافرت فيها جهود عشرات الآلاف من الأشخاص، بقيادة رجل الطاقة الأول في المملكة، ليخرج موسم الحج ناجحًا ككلّ عام، ولينعم ضيوف الرحمن بما يستحقّونه من رفاهية.
وتتجلى هذه المنظومة المتكاملة في قدرة الكفاءات الوطنية على إدارة أصعب التحديات اللوجستية والتقنية بكفاءة منقطعة النظير، إذ تتحول المشاعر المقدسة إلى خلية نحل تعمل بأعلى درجات التنسيق والجاهزية، لتؤكد المملكة مجددًا ريادتها العالمية في تنظيم الحشود المليونية وتأمين احتياجاتها الحيوية بكل سلاسة وأمان.
جهود وزير الطاقة السعودي
بجهود وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، تتكامل عملية إدارة تدفقات ملايين البشر إلى المملكة، ويغادرونها في وقت واحد تقريبًا، مما يتطلب توفير كميات هائلة من مصادر الطاقة المختلفة لتأمين رحلات الطيران الكثيفة وتوزيع وقود الطائرات بكفاءة عالية، عبر تنسيق لوجستي مُسبق بين شركة أرامكو والمصافي لضمان وصول الإمدادات للمطارات دون أيّ معوقات.
ويمتد هذا التنسيق الإداري الرفيع لضمان تشغيل مئات الآلاف من الحافلات والسيارات التي تستهلك البنزين والديزل وتعمل جميعها في آن واحد لتفويج ضيوف الرحمن، بالتزامن مع تلبية الاحتياجات المتزايدة من الكهرباء للمخيمات والمرافق الحيوية، مما يبرز حجم القيادة الفعّالة في إدارة المنظومة بالكامل.
وتُظهر التقارير الرسمية للشركة السعودية للطاقة أن حجم الاستهلاك الكهربائي المسجل خلال موسم الحج يعدّ الأكبر في تاريخ البلاد، إذ عادلت الطاقة المستهلكة حجمَ استهلاك مدينة كاملة يقطنها ملايين البشر، ليكشف الرقم القياسي عن حجم الضغط البشري والفني بوضوح.

وتطلبت هذه الأرقام الضخمة تنسيقًا مبكرًا وعلى مستوى عالٍ جدًا لمواجهة موجات الحر الشديدة التي مرّت بها المنطقة، وضمان استمرار خدمات الإضاءة والتبريد والإنترنت والهاتف، دون حدوث أيّ نقص في الوقود أو انقطاع في التيار الكهربائي عن فضاءات مكة المكرمة والمشاعر.
كما تعكس هذه المنظومة المستقرة حجم العمل المجرد الذي يقوده وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان، لخدمة حجاج بيت الله الحرام، إذ عمل آلاف الجنود المجهولين على مدار الساعة لتأمين إمدادات البنزين والديزل والكهرباء، مما أسهم في إنجاح الخطط التشغيلية بكفاءة استثنائية شهد لها الجميع عالميًا.
ويمكن للمراقب تصوُّر حجم هذه الجهود الاستثنائية من خلال استرجاع الأثر العكسي؛ فلو حدث أيّ نقص في الوقود أو توقفت محطات التوزيع لتوقَّف معها موسم الحج بالكامل، ولو انقطعت الكهرباء عن مكة والمدينة لتعطّلت حياة الملايين وصعبت مناسكهم تمامًا.
لذلك ينظر المتخصصون بتقدير وإجلال لهذه الإنجازات الكبيرة التي يصعب حصرها، خاصةً أن الحديث عن الربط بين الطاقة وإدارة الحشود المليونية يمثّل مجالًا معقدًا وغير مطروق سابقًا، نجحت فيه القيادة السعودية بجدارة، وحققت من خلاله تميزًا إداريًا وتكافليًا فريدًا.
وزارة الطاقة في خدمة ضيوف الرحمن
بحسب أحدث الأرقام، شهدت منظومة العمل الميداني نشر أكثر من 10 آلاف عدّاد ذكي في المشاعر المقدسة لتقديم أرقى الخدمات الكهربائية، وأسهمت كفاءة التشغيل العالية في إلغاء الحاجة لاستعمال المولدات الاحتياطية منذ سنوات طويلة، مما يؤكد جودة البنية التحتية التي تمّ تدشينها وتطويرها.
كما أظهرت الكوادر الفنية جاهزية عالية لإمداد المشاعر المقدسة بطاقة كهربائية موثوقة ومستدامة خلال موسم الحج 2026 (1447)، مستندةً إلى شبكات متطورة قادرة على تحمُّل الأحمال الإضافية بمرونة كاملة، وضمان سلامة واستقرار الخدمة لجميع المخيمات والمرافق دون أيّ تراجع.
في الوقت نفسه، عملت الفرق المختصة على صياغة وتنفيذ خطة متكاملة منذ بداية العام الهجري، للاستعداد المبكر والتخطيط الدقيق لمواجهة أيّ أحمال كهربائية إضافية قد تطرأ نتيجة التوسع في استعمال أجهزة التكييف والأنظمة الرقمية، مما يضمن انسياب العمليات الميدانية بكفاءة قصوى.

وفي سياق متّصل، حرصت وزارة الطاقة على توفير 58 محطة وقود، 25 منها متنقلة، و33 مدمجة، لخدمة المركبات الحكومية وحافلات نقل الحجاج، بهدف ضمان استمرارية الإمداد ورفع كفاءة الخدمات الميدانية، عبر الاستجابة الفورية للتزود بالوقود .
كما نجحت في تجهيز منظومات تبريد عملاقة تعدّ إحدى أكبر المنظومات بالعالم، إلى جانب أنظمة إضاءة ضخمة في المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف لتعزيز راحة الحجاج، وتمكينهم من أداء مناسكهم الجليلة في أجواء مفعمة بالسكينة والاطمئنان.
وتجلّت مظاهر الراحة والرفاهية داخل المسجد الحرام عبر تشغيل 224 سلمًا كهربائيًا و22 مصعدًا بنجاح تامّ، كما وفّر المسجد النبوي الشريف 180 سلّمًا كهربائيًا و25 مصعدًا حديثًا تعمل بكفاءة مستمرة لتسهيل حركة كبار السن والمرضى وملايين الزوّار الكرام.
وبإشراف مباشر من وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان، تعززت الجاهزية الكاملة للمشاعر المقدسة، عبر اعتماد شبكة كهربائية ذكية ومؤتمتة بالكامل لخدمة الحجاج، مما أسفر عن تقديم نموذج تشغيلي استثنائي وخالٍ من العيوب والأعطال طوال الأيام الماضية.
أرامكو وخطة إنجاح موسم الحج
كان لشركة أرامكو العملاقة دور مهم في إنجاح موسم الحجم، وذلك -وفق التقارير الإعلامية- من خلال الحلول والخدمات الرقمية المتقدمة التي تقدّمها "أرامكو الرقمية" في المشاعر، مما أسهم في رفع كفاءة الأداء التشغيلي وضمان سلامة الحشود المليونية الموجودة في الموقع.
وارتكزت الخطط التنفيذية على إدارة بيئة تشغيلية عالية الكثافة، تتطلب توجيه حركة ملايين الحجاج ضمن نطاقات زمنية ومكانية محددة بدقة، مع تحقيق التكامل التامّ بين قطاعات النقل والاتصالات والسلامة لضمان انسياب الحركة وتفادي نقاط الاختناق المروري بذكاء.
وأسهمت البنية التحتية المتطورة لشركة أرامكو الرقمية في توفير حلول اتصال وتقنيات تقنية ذكية تخدم كل القطاعات الحكومية والخدمية المشاركة في موسم الحج، مما أمّن دورها الفعال والمستمر في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن طوال مدة وجودهم بالمقدسات.

ودعمت الشركة العمليات الميدانية بقوة عبر إطلاق الشبكة الوطنية للاتصالات الحرجة، وهي شبكة صناعية متقدمة تعمل بتردد 450 ميغاهرتز، صُمِّمَت خصوصًا لتلائم البيئات عالية الكثافة البشرية، وتعزز موثوقية التواصل الفوري بين الفرق الميدانية في المواقع الحيوية.
وتماشيًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، حرصت أرامكو الرقمية على توطين الصناعات التقنية من خلال صناعة أجهزة الاتصال وتطويرها محليًا، مما منح هذه الشبكات اللاسلكية مستويات أمان رقمي عالية للغاية، وحمى البيانات التشغيلية الحسّاسة من أيّ اختراقات أو تداخلات.
وأدت هذه التقنيات الذكية دورًا بارزًا في دعم اتخاذ القرار السريع عبر تحسين تحليل البيانات الفورية المجمعة من الميدان، ما أسهم في رفع كفاءة الاستجابة السريعة للبلاغات، وتقديم تجربة حج متميزة وأكثر أمانًا ويُسرًا لجميع الوفود الإسلامية بالمشاعر.
وبفضل هذا التكامل الرقمي واللوجستي، نجحت الشركة في تقديم نموذج يحتذى به في إدارة الأزمات والتحكم بالأنظمة الحيوية، ما جعل من موسم الحج الحالي قصة نجاح سعودية جديدة تضاف إلى سجلّ الإنجازات الوطنية الفريدة في خدمة المسلمين ببقاع الأرض كافّةً.
الذكاء الاصطناعي = صفر أعطال ورفاهية
تعتمد البنية التحتية للطاقة في المشاعر على تقنيات الذكاء الاصطناعي لضمان تسجيل صفر أعطال كهربائية، إذ تُصنَّف هذه المنطقة بوصفها أول منطقة مؤتمتة بالكامل في العالم، تدير أحمالها وشبكاتها خوارزميات ذكية تتوقع المشكلات وتصلحها تلقائيًا دون تدخُّل بشري تقليدي.
وأسهمت هذه التقنيات الحديثة في إحداث ربط دقيق وغير مسبوق بين الطائرات التي تخصص نحو 3 ملايين مقعد للحج سنويًا، وبين حافلات النقل الترددي، مما ساعد على تنظيم وتوزيع الحشود بكفاءة زمنية عالية تمنع التكدّس في المطارات والطرقات الحيوية.
ويبرز قطار المشاعر بوصفه أحد أهم الشواهد التقنية، إذ يُعدّ القطار الوحيد في العالم الذي يعمل 7 أيام فقط في السنة، وقد تعززت قدراته الاستيعابية بنجاح لنقل مليوني حاجّ بدقة متناهية، بدعم من الميزانيات الضخمة للمملكة التي تبلغ 16 مليار دولار سنويًا لترتيب موسم الحج.
وللتغلب على درجات الحرارة المرتفعة، جرى التوسُّع في مشروعات تبريد الطرق التي يسير عليها الحجاج عبر 3 محطات رئيسة، باستعمال تقنية طلاء متطورة تعكس أشعة الشمس وتمنع الأسطح الإسفلتية من امتصاص الحرارة، مما وفر أجواء معتدلة للمشاة بالميدان.

وأكدت الدراسات الفنية والتقنية الميدانية نجاح هذا الابتكار المحلي الفريد، حيث أثبتت النتائج انخفاض درجات حرارة الأسطح التي نُفِّذت عليها التقنية بنِسب تتراوح بين 12 و15 درجة مئوية، مما أسهم مباشرة في حماية ضيوف الرحمن من ضربات الشمس والإجهاد الحراري.
وتُعدّ تحديات إدارة إقامة الحجاج في الخيام وإجراءات تفويجهم المهمة الأصعب تاريخيًا، وهنا يبرز دور القطاع الخاص الذي أتاح خدمات السكن وحجز الخيام عبر خوارزميات ذكية، حيث يجري التعامل في المخيمات عبر بوابات إلكترونية متطورة مرتبطة بأدوات الذكاء الاصطناعي.
وأثبت الواقع الميداني أن الإدارة البشرية التقليدية لعمليات الحشود أمست من الماضي، وأن الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لم يعد ترفًا، بل ضرورة حتمية لإنجاح موسم الحج بأفضل الطرق وأذكى الأساليب التي تضمن سلامة ضيوف الرحمن وراحتهم ورفاهيتهم المستحقة.
وختامًا، قدّمت المملكة -كالعادة- نموذجًا يُحتذى به في تحقيق رفاهية ملايين الضيوف، بمنظومة طاقة ناجحة، وعبر خطط متوسطة وطويلة الأمد، قادها الأمير عبدالعزيز بن سلمان، الذي لم تُثنه مهامّه الدولية -وأبرزها حماية أسواق النفط ضمن تحالف أوبك+- عن تحقيق أفضل النتائج لإنجاح موسم الحج، وبإبهار.
نرشّح لكم..
- حقول النفط والغاز في الدول العربية.. احتياطيات ضخمة
- صفقات الطاقة في الدول العربية منذ بداية 2025
- مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية في الربع الأول 2026 (ملف خاص)





