أنس الحجي: حرب الغاز المسال صناعة أميركية هدفها إزاحة روسيا من أوروبا
أحمد بدر

في قلب التحولات الجيوسياسية التي أعقبت ثورة النفط والغاز الصخري، برزت حرب الغاز المسال بوصفها أحد أهم ملامح الصراع على أسواق الطاقة العالمية، حيث تحوّل الغاز الأميركي من سلعة تجارية إلى أداة نفوذ إستراتيجي تتجاوز حدود الاقتصاد التقليدي.
وفي هذا السياق، قال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إن الخطة الأميركية لتطوير صادرات الغاز المسال وُضعت منذ عام 2014، بهدف السيطرة على الأسواق الأوروبية وإزاحة الغاز الروسي تدريجيًا من معادلة الإمدادات.
وأوضح أن وثائق وتصريحات رسمية، من بينها مواقف كونداليزا رايس عام 2014، أكدت ملامح حرب الغاز المسال، مشيرًا إلى أن أهمية تلك التصريحات تكمن في صدورها عن شخصية جمهورية خلال ولاية رئيس ديمقراطي.
وأضاف أن مفهوم "الدولة العميقة" في الولايات المتحدة يتجسد في القضايا التي يتفق عليها الحزبان الجمهوري والديمقراطي، لافتًا إلى أن سياسات الطاقة الكبرى استمرت بغضّ النظر عن هوية ساكن البيت الأبيض أو خطابه الانتخابي.
وجاءت تصريحات الدكتور أنس الحجي خلال حلقة استثنائية جديدة من برنامجه "أنسيات الطاقة"، قدّمها عبر مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس" (تويتر سابقًا) بعنوان: "إيران ومضيق هرمز.. كيف يهدد ترمب أسواق النفط والغاز العالمية؟".
إزاحة روسيا من أوروبا
قال أنس الحجي، إن الاستراتيجية الأميركية في حرب الغاز المسال ارتكزت على استغلال ضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014، كون ذلك مبررًا سياسيًا لفرض عقوبات وبدء مسار تقليص الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي.
وأوضح أن روسيا كانت تسيطر آنذاك على نحو 55% من واردات الغاز الأوروبية، إضافة إلى نفوذها في أسواق النفط والفحم، ما جعلها لاعبًا مهيمنًا على مفاصل الطاقة في القارة الأوروبية لسنوات طويلة.
وأضاف أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تبنّت عمليًا أدوات حرب الغاز المسال عبر الترويج المكثف للغاز الأميركي في كل زيارة خارجية، مؤكدًا أن ترمب كان يربط صفقات التجارة بشراء الغاز المسال الأميركي.

وأشار أنس الحجي إلى أن إنتاج الغاز المسال لم يعد مقتصرًا على ألاسكا، بل توسَّع في خليج المكسيك، ما أتاح للولايات المتحدة دخول الأسواق العالمية بقوة، وتحويل الفائض الناتج عن ثورة الصخري إلى صادرات إستراتيجية.
ولفت إلى أن إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن واصلت المسار ذاته رغم خطابها المناخي، موضحًا أن السياسات الفعلية عززت صادرات الغاز المسال، ما يعكس استمرار النهج الإستراتيجي نفسه بأدوات مختلفة.
وأكد أن الهدف المعلن تَمثَّل في مساعدة أوروبا على التحرر من الهيمنة الروسية، غير أن جوهر حرب الغاز المسال تَمثَّل في إعادة رسم خريطة تدفقات الطاقة عالميًا بما يخدم المصالح الأميركية بعيدة المدى.
دور ثورة النفط والغاز الصخريين
قال أنس الحجي، إن إدراك موسكو لارتباط النفط الصخري بإمدادات الغاز كان مبكرًا، إذ تنتج آبار النفط الصخري كميات ضخمة من الغاز المصاحب، ما يغذّي محطات التسييل الأميركية ويعزز قدرتها التنافسية في أوروبا.
وأوضح أن إبقاء أسعار النفط منخفضة عند حدود 60 دولارًا كان يخدم روسيا، لأن ارتفاع الأسعار كان سيحفّز إنتاج النفط الصخري، ومن ثم زيادة المعروض من الغاز الذي يغذّي حرب الغاز المسال في الأسواق الأوروبية.
وأضاف أن الخلافات بين موسكو والرياض بشأن مستويات الإنتاج بلغت ذروتها في مارس/آذار 2020، عندما اندلعت حرب أسعار أدت إلى انهيار تاريخي في الأسواق، في ظل تضارب المصالح بين منتجي النفط والغاز.
وأشار أنس الحجي إلى أن انخفاض أسعار الغاز أحيانًا إلى مستويات سالبة في الولايات المتحدة منح المنتجين حافزًا لتصدير الفائض بأي تكلفة، ما جعل تكلفة الغاز المسال الأميركي تنافسية للغاية مقارنة بالغاز الروسي عبر الأنابيب.
وأكد أن مشروع خط أنابيب نقل الغاز "نورد ستريم 2" مثّل ساحة مواجهة ضمن حرب الغاز المسال، إذ تعرَّض لضغوط سياسية كبيرة حالت دون تشغيله، رغم اكتمال بنائه وبدء الضخ التجريبي فيه قبل توقُّفه لاحقًا.
ولفت إلى أن تفجير خط "نورد ستريم 1" وفرض عقوبات على مشروعات الغاز الروسية الجديدة جاءا في سياق أوسع، تزامن مع تسريع أوروبا بناء محطات إعادة التغويز لاستقبال الغاز المسال الأميركي بدلًا من الروسي.

الغاز أصبح سلاحًا للأمن القومي الأميركي
قال أنس الحجي، إن التحول الجذري تَمثَّل في عَدّ الغاز المسال ركيزة من ركائز الأمن القومي الأميركي، بعدما كانت التوقعات في 2004 و2005 تشير إلى أن الولايات المتحدة ستصبح أكبر مستورد للغاز المسال عالميًا.
وأوضح أن قطر كانت تُعدّ المورد الرئيس المتوقع للسوق الأميركية آنذاك، غير أن ثورة الصخري قلبت المعادلة بالكامل، وحوّلت الولايات المتحدة من مستورد محتمل إلى أكبر مصدر للغاز المسال في العالم.

وأضاف خبير اقتصادات الطاقة أن تكريس الغاز أداةً للسياسة الخارجية جعل أيّ تهديد لهذه الصناعة يُقابَل بردّ فعل حادّ، لأن حرب الغاز المسال لم تعد اقتصادية فحسب، بل أصبحت جزءًا من أدوات الضغط الجيوسياسي المباشر.
وأشار إلى أن فرض عقوبات على المحطات الروسية الجديدة وسفن نقل الغاز المسال جاء بعنوان دعم أوكرانيا، لكنه في جوهره استهدف إضعاف قدرة موسكو على المنافسة في الأسواق العالمية.
وأكد أن قراءة المشهد منذ 2014 حتى اليوم تكشف أن حرب الغاز المسال لم تكن نتيجة الحرب الأوكرانية، بل مسارًا إستراتيجيًا بدأ مع ثورة الصخري، واستمر عبر إدارات متعاقبة ضمن رؤية أميركية طويلة الأمد.
موضوعات متعلقة..
- صراع الغاز المسال يشتعل بين شركتين.. كواليس حرب عمرها 3 سنوات
- الغاز المسال الأميركي قد يشعل الحرب التجارية مع الصين مجددًا.. ما القصة؟
- مكاسب الغاز المسال تشعل الحرب.. شل تتهم شركة أميركية بـ"التربح غير المشروع"
اقرأ أيضًا..
- أكبر 10 دول عربية في سعة محطات الكهرباء العاملة بالنفط والغاز
- إنتاج مصر من الغاز.. بين الاكتشافات الجديدة والثقة بإدارة الملف (مقال)
- تحول الطاقة في الشرق الأوسط يطرح فرصًا استثمارية تتخطى 5 تريليونات دولار
المصدر:





