المقالاترئيسيةمقالات منوعةمنوعات

قمة أديس أبابا 2026.. المياه والطاقة تحددان ملامح السيادة البيئية في أفريقيا (مقال)

د. منال سخري

اجتمع القادة الأفارقة في قمة أديس أبابا 2026، وذلك في منتصف فبراير/شباط الجاري، ضمن القمة رقم 39 للاتحاد الأفريقي، تحت شعار "ضمان توافر المياه بشكل مستدام وأنظمة صرف صحي آمنة لتحقيق أهداف أجندة 2063".

لم يكن العنوان جديدًا، لكنه بدا هذه المرة محمّلًا بما يتجاوز اللغة الدبلوماسية: كان تعبيرًا عن تحوّل الوعي الأفريقي تجاه البيئة من كونها ملفًا تقنيًا إلى قضية سيادة وتنمية وهوية.

فالقارة التي تحتضن أنهارًا كبرى مثل النيجر والكونغو والنيل ما زالت تعاني من عطشٍ تنموي مزمن، تشير تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن أكثر من 400 مليون أفريقي يفتقرون إلى مياه شرب نظيفة.

بينما يُتوقع أن يرتفع الطلب على الطاقة بنسبة 30% بحلول عام 2030، وهذه المفارقة بين الوفرة والعجز تكشف خللًا أعمق من نقص الموارد: إنها أزمة إدارة وغياب رؤية قارية مشتركة، وهو ما ناقشته قمة أديس أبابا 2026.

بين الطاقة والمياه.. معادلة التنمية العالقة

في كلمته الافتتاحية خلال قمة أديس أبابا 2026، أشار رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف إلى أن "القارة تدفع ثمنًا باهظًا لعدم الاستقرار في بلدان عديدة".

لكن خلف هذا التصريح يكمن إشكال بنيوي أعمق: انعدام الترابط بين السياسات المائية والطاقية، وضعف مؤسسات الحوكمة القادرة على تحويل الموارد إلى أدوات للتنمية العادلة.

وخلال قمة أديس أبابا 2026، نوقش تاريخ أفريقيا مع الطاقة، الذي يشبه رحلتها مع الماء: غنى طبيعي يقابله فقر في الوصول.

فرغم اتّساع مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في دول مثل مصر وكينيا وجنوب أفريقيا ، ما يزال أكثر من 600 مليون أفريقي يعيشون في الظلام.

تركيب ألواح الطاقة الشمسية في بلدة أتلانتس بجنوب أفريقيا
تركيب ألواح الطاقة الشمسية في بلدة أتلانتس بجنوب أفريقيا – الصورة من وكالة الصحافة الفرنسية

وهذا الرقم لا يُقاس فقط بعدد المصابيح المُطفَأة، بل بفرص التعليم المهدورة، ودوائر الفقر التي تُغذّي النزاعات والنزوح.

لقد تحدّث أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، خلال قمة أديس أبابا 2026 عن أن أفريقيا "يجب أن تكون أولوية قصوى للعالم".

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تحتاج القارة إلى أولوية دولية، أم إلى إرادة داخلية قادرة على استثمار شمسها ورياحها ومياهها لتوليد طاقتها بنفسها؟

القارة تمتلك ما هو أكثر من الموارد: تمتلك حجّة أخلاقية واقتصادية للدفاع عن حقها في انتقال طاقي عادل، لا يُقاس بنسب الانبعاثات وحدها، بل بفرص الحياة الكريمة التي تُمنح للأجيال المقبلة.

البيئة إطارًا للسيادة والتنمية

تكشف قمة أديس أبابا 2026 أن البيئة لم تعد قضية فنية، بل سياسية بامتياز.

فالمياه في أفريقيا ليست مجرد مورد، بل أداة للتفاوض بين دول المنابع والمصب، كما أن الطاقة لم تعد مسألة تقنية بل ورقة نفوذ واستقلال.

وتشير بيانات اللجنة الاقتصادية لأفريقيا إلى أن خسائر القارة من تدهور الأراضي والجفاف قد تتجاوز 7% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035.

هذه النسبة لا تمثّل مجرد رقم اقتصادي، بل صورة عن كيف يمكن لتغير المناخ أن يهدد الاستقرار السياسي في مجتمعات تعتمد على الزراعة والرعي مصدرًا رئيسًا للعيش.

ولعل أبرز ما يلفت في نقاشات قمة أديس أبابا 2026 هو التحول في اللغة؛ فقد بدأ القادة يتحدثون عن الاقتصاد الدائري، وعن ضرورة الربط بين المياه والطاقة والغذاء في سياسات موحدة.

هذا التحول ليس مجرد تطوّر مفاهيمي، بل اعتراف ضمني بأن مستقبل أفريقيا مرهون بقدرتها على إدارة مواردها بوعي مشترك، بعيدًا عن الانعزال الوطني والمقاربات القصيرة المدى.

الاقتصاد الدائري وتأثيره في تغير المناخ

التمويل والحوكمة... فجوة الإرادة قبل الإمكانات

غالبًا ما تُختصر مشكلات أفريقيا في التمويل، لكن الواقع يثبت أن المال ليس سوى جزء من القصة.

فالمؤسسات الضعيفة، وغياب المتابعة، وافتقار الشفافية، كلّها تحدّ من قدرة المشروعات على البقاء.

إن القارة ليست فقيرة بالموارد، بل بالهياكل التي تضمن تحويل الموارد إلى تنمية حقيقية.

في البيان الختامي لقمة أديس أبابا 2026، شدّد القادة على ضرورة تعزيز العمل الجماعي لتحقيق الاستدامة، مع الدعوة إلى إنشاء آليات متابعة على مستوى الاتحاد الأفريقي.

غير أن هذه التعهدات، رغم أهميتها، تحتاج إلى نقلها من الوثائق إلى الميدان، وإلى إشراك المجتمع المدني والقطاع الخاص والجامعات في الرقابة والابتكار.

فالسياسات البيئية لا تُبنى في المكاتب المغلقة، بل في حقول المزارعين الذين يواجهون الجفاف، وعلى ضفاف الأنهار التي تتقاسمها الدول.

ومن دون إشراك هؤلاء الفاعلين، ستظل الخطط الكبرى حبيسة الأوراق، مهما بدت أنيقة في نصوصها.

جانب من حضور قمة أديس أبابا 2026
جانب من حضور قمة أديس أبابا 2026

من إدارة الموارد إلى فلسفة الاستدامة

ما يميّز قمة أديس أبابا 2026 الحالية هو أنها أعادت تعريف الاستدامة من زاوية المرونة المؤسسية، وليست البيئية فحسب.

فالحديث عن الماء والطاقة يقود بالضرورة إلى سؤال أوسع: هل تستطيع أفريقيا بناء نموذج خاص بها في التنمية المستدامة؟

الإجابات لا تأتي من الخارج، بل من واقع التجارب المحلية التي أظهرت أن الحلول الأكثر نجاحًا هي تلك التي تنبع من السياقات الأفريقية ذاتها، حيث تتقاطع المعرفة التقليدية بالابتكار الحديث.

وهنا يبرز دور التعليم البيئي، الإعلام العلمي، والمجتمع المحلي في تحويل الاستدامة إلى ثقافة يومية، وليس إلى شعار سياسي.

ختامًا ،فإن الاستدامة في أفريقيا لم تعد ترفًا، بل شرطًا للسيادة وللاستقلال الاقتصادي، فالقارة التي تمدّ العالم بالمعادن والموارد الحيوية، لا يمكن أن تبقى متلقّية للطاقة والسياسات.

يجب أن تنتقل من موقع "المفعول به" إلى "الفاعل" في معادلة المناخ والتنمية.

وقد وضعت قمة أديس أبابا 2026 الأسئلة الصحيحة على الطاولة، لكن الإجابات الحقيقية ستبدأ حين تُترجم القرارات إلى مشروعات ملموسة تُعيد للماء قيمته بوصفه مصدرًا للحياة، وللطاقة مكانتها جسرًا للكرامة والتنمية.

لقد كان شعار قمة أديس أبابا 2026 تذكيرًا بأن التنمية ليست مجرد أرقام في التقارير، بل مسار سيادي يربط بين العدالة البيئية والكرامة الإنسانية.

وعندما تنجح أفريقيا في إدارة مواردها بنفسها، عندها فقط يمكن القول، إنها دخلت عصر السيادة البيئية، ليس بصفته خطابًا سياسيًا، بل واقعًا يُكتب على أرضها بمياهها وشمسها وعرق شعوبها.

* د. منال سخري - خبيرة وباحثة في السياسات البيئية.

* هذا المقال يعبّر عن رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق