أنسيات الطاقةالتقاريرتقارير النفطرئيسيةنفط

العلاقة بين النفط والسياسة.. أنس الحجي يرصد "الدولة العميقة" من نيكسون إلى ترمب

أحمد بدر

ترتبط العلاقة بين النفط والسياسة بتاريخ الصناعة النفطية منذ نشأتها، إذ لم يكن الخام يومًا مجرد سلعة تجارية، بل تحول سريعًا إلى أداة نفوذ وتأثير، تدخلت عبرها الحكومات في الأسواق، وارتبطت بها القرارات السيادية والتحالفات والصراعات الدولية الكبرى.

وفي هذا السياق، قال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إن العلاقة بدأت منذ اللحظات الأولى لتجارة النفط الحديثة، عندما رأت الحكومات في هذه الصناعة مصدرًا ضخمًا للضرائب والعوائد، ما استدعى تدخلًا مباشرًا لتنظيمها والتحكم في أرباحها.

وأوضح أنّ توسُّع الشركات النفطية عالميًا وحصولها على امتيازات في دول مختلفة عزَّز من العلاقة بين النفط والسياسة، إذ أصبحت تلك الشركات امتدادًا للسياسات الخارجية لدولها، وتحوّل النفط من نشاط اقتصادي بحت إلى عنصر فاعل في التوازنات الدولية.

وأشار الحجي إلى أن التحولات الكبرى في الطلب على الطاقة، خصوصًا في القطاعات العسكرية والصناعية، عمّقت العلاقة بين النفط والسياسة، وجعلت قرارات الطاقة جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي للدول الكبرى، وليس مجرد قرارات فنية أو تجارية.

جاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من البرنامج الأسبوعي "أنسيات الطاقة"، الذي يقدّمه أنس الحجي بمساحات منصة "إكس" (تويتر سابقًا) كل يوم ثلاثاء، وكانت هذا الأسبوع بعنوان: "ترمب يغير خريطة الطاقة العالمية".

التحول البريطاني.. لحظة مفصلية في تاريخ الطاقة

أوضح أنس الحجي أن العلاقة بين النفط والسياسة شهدت تحولًا تاريخيًا حاسمًا عندما قررت البحرية البريطانية التحول من الفحم إلى النفط، وهو قرار بدا عسكريًا تقنيًا في ظاهره، لكنه حمل أبعادًا سياسية وإستراتيجية عميقة غيّرت مسار الإمبراطورية البريطانية.

وشرح أنّ تبنّي ونستون تشرشل لهذا القرار جعل النفط عنصرًا أساسيًا في بقاء النفوذ البحري البريطاني، ومع اعتماد الأسطول على النفط، أصبحت الإمدادات النفطية مسألة سيادة، لا يمكن تركها لقوى السوق أو الشركات الخاصة فقط.

ومن هنا، تدخلت الحكومة البريطانية واشترت حصة كبيرة في شركة النفط البريطانية، التي تُعرَف اليوم باسم "بي بي"، لتضمن السيطرة على مصادر الطاقة، وهو ما عزز العلاقة بين النفط والسياسة في جانبي العرض والطلب عالميًا.

شركة بي بي البريطانية
شركة بي بي البريطانية - الصورة من منصة "سي إن بي سي"

ويرى أنس الحجي أن امتلاك الدولة لشركات الطاقة شكّل سابقة تاريخية، إذ لم يعد النفط سلعة تُشترى وتُباع فقط، بل أداة تُدار سياسيًا لخدمة المصالح العليا، خصوصًا في أوقات الحروب والتوسع الاستعماري.

وأضاف أن تلك المرحلة رسخت فكرة أن الحروب الكبرى لا تُخاض بالسلاح فقط، بل بالطاقة، وهو ما جعل العلاقة بين النفط والسياسة عاملًا ثابتًا في معظم النزاعات الدولية اللاحقة.

وأشار خبير اقتصادات الطاقة إلى أن كثيرًا من الصراعات التي شهدها القرن الـ20 لا يمكن فهمها دون إدراك الدور المركزي للنفط، سواء في تمويل الجيوش أو ضمان استمرار سلاسل الإمداد الحيوية.

نيكسون وأزمة السبعينيات

قال أنس الحجي، إن العلاقة بين النفط والسياسة دخلت مرحلة جديدة خلال سبعينيات القرن الماضي، وتحديدًا في عهد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، حين استُعمِلَت أزمة الطاقة ذريعة لإجراء تغييرات جذرية في سياسات الطاقة الأميركية والعالمية.

وأوضح أن الرواية السائدة حول أثر المقاطعة النفطية العربية شابها كثير من التضليل، مؤكدًا أن أزمة الطاقة في الولايات المتحدة كانت موجودة قبل المقاطعة، وشملت كل قطاعات الطاقة، وليس النفط وحده.

وبيّن أن الإدارة الأميركية استغلت الظرف لإحداث تحولات إستراتيجية، من أبرزها إخراج النفط بالكامل تقريبًا من قطاع الكهرباء، وتشجيع الاعتماد على الفحم والطاقة النووية ولاحقًا الغاز، وهو ما مثّل خسارة تاريخية لأسواق النفط.

الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون
الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون

وأشار أنس الحجي إلى أن هذه السياسات عززت العلاقة بين النفط والسياسة، إذ لم تعد قرارات التحول الطاقي نابعة من اعتبارات اقتصادية فقط، بل من توجهات سياسية طويلة الأمد، ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم.

وأضاف أن الولايات المتحدة فرضت قوانين صارمة لرفع كفاءة استهلاك الوقود، خصوصًا في قطاع النقل، من خلال تصغير السيارات والمحركات، وتحديد السرعات القصوى على الطرق لتقليل استهلاك البنزين والديزل.

وأكد أن هذه الإجراءات، التي قُدِّمت على أنها مؤقتة، تحولت إلى سياسات دائمة، وأسهمت في خفض الطلب العالمي على النفط لعقود، ما يبرهن على عمق العلاقة بين النفط والسياسة في صياغة أنماط الاستهلاك.

الدولة العميقة من نيكسون إلى ترمب

يرى أنس الحجي أن العلاقة بين النفط والسياسة لم تتوقف عند مرحلة نيكسون، بل استمرت بأشكال مختلفة مع الرؤساء الأميركيين اللاحقين، سواء عبر الحروب أو التدخلات في أسواق الطاقة والتجارة العالمية.

وأوضح أن ما حدث في السبعينيات يُعدّ تغييرًا تاريخيًا طويل الأمد، إذ ما زالت الدول العربية، المنتجة للنفط، تدفع ثمن تلك التحولات حتى اليوم، نتيجة إعادة هيكلة الطلب العالمي على الطاقة.

وأشار إلى أن السياسات التي ينتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترمب تشبه -من حيث التأثير- ما جرى في عهد نيكسون، لكنها تُنفَّذ بآليات مختلفة وربما بحدّة أكبر، ما يعيد طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل أسواق الطاقة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب - الصورة من سي إن إن

وأضاف مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة أن هذه التطورات تؤكد استمرار العلاقة بين النفط والسياسة، إذ لا يمكن فصل قرارات الإنتاج والتجارة عن التوجهات السياسية الداخلية والخارجية للولايات المتحدة.

وتساءل عمّا إذا كانت هذه السياسات تعكس قناعات ترمب الشخصية، أم أنها امتداد لما يُعرَف بـ"الدولة العميقة"، التي تدير المصالح الأميركية بعيدة المدى، بغضّ النظر عن هوية الرئيس.

وختم أنس الحجي تصريحاته بالقول، إن فهم العلاقة بين النفط والسياسة يظل مفتاحًا أساسيًا لتحليل ما يجري في أسواق الطاقة اليوم، ولتفسير التحولات المقبلة التي قد تعيد رسم خريطة الطاقة العالمية لعقود قادمة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

المصدر:

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق