تحول الطاقة في أفريقيا.. خطوتان للاستفادة من الموارد الطبيعية الوفيرة (تقرير)
نوار صبح
- مساهمة أفريقيا في الانبعاثات العالمية المرتبطة بالطاقة لا تتجاوز حاليًا 5%.
- انخفاض استهلاك الطاقة للفرد في أفريقيا يُمكّنها من قيادة الجهود العالمية لإزالة الكربون
- مصر تسعى جاهدةً لتصبح مركزًا إقليميًا للهيدروجين ومشتقاته
- أفريقيا تُعدّ موطنًا لبعض أغنى مكامن المعادن الحيوية في العالم
يعتمد تحول الطاقة في أفريقيا على تمويل المشروعات وتوفير البنية التحتية اللازمة، إذ لا تتجاوز مساهمة القارة السمراء في الانبعاثات العالمية المرتبطة بالطاقة 5%، رغم أنها موطن لـ9% من سكان الأرض.
وبحلول عام 2060، من المتوقع أن يصل عدد سكان القارة إلى 28% من إجمالي سكان العالم، وأن تبقى حصتها من الانبعاثات المرتبطة بالطاقة عند 9% فقط، وفقًا لما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.
عند النظر إلى هذه الإحصاءات الواردة في تقرير "حالة الطاقة في أفريقيا: توقعات 2026" الصادر مؤخرًا عن غرفة الطاقة الأفريقية، يتضح أن مسؤولية أفريقيا عن تغير المناخ ضئيلة للغاية.
رغم ذلك، ما يزال دعاة الطاقة الغربيون يرددون شعار "الحياد الكربوني"، ولا يتوقعون أن تُنفَّذ دعواتهم للتخلص التدريجي السريع من الوقود الأحفوري عالميًا.
الجهود العالمية لإزالة الكربون
إن انخفاض استهلاك الطاقة للفرد في أفريقيا يُمكّنها من قيادة الجهود العالمية لإزالة الكربون، ولذلك يجب أن يراعي مسار التنمية منخفض الكربون هذا الاحتياجات الفريدة للأفارقة.
ومن المسلّم به أن محدودية البنية التحتية تجعل إزالة الكربون على نطاق واسع أكثر صعوبة في القارة الأفريقية مقارنةً بأجزاء أخرى من العالم.
ويُعدّ نقص سعة الشبكة، وتقادم خطوط النقل، والعجز الكبير في الكهرباء، عوامل تعوق دمج مشروعات الطاقة المتجددة واسعة النطاق، مثل مزارع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
ويفتقر جزء كبير من السكان إلى الكهرباء الموثوقة، وتواجه القارة عمومًا عجزًا في الطاقة، ما يعني أن جهود إزالة الكربون يجب أن تترافق مع الحاجة الأساسية إلى توسيع نطاق الوصول إلى الكهرباء.
وتتطلب معالجة تحديات البنية التحتية هذه أكثر من مجرد بناء أصول جديدة، فهي تستلزم تحديث شبكات الكهرباء، وتعزيز كفاءة الطاقة، وتحسين البيئة التنظيمية، وتنمية الخبرات المحلية.
وفي ظلّ لوائح الانبعاثات التي وضعتها المنظمة البحرية الدولية والاتحاد الأوروبي، تمتلك أفريقيا إمكان أن تصبح موردًا رئيسًا للوقود النظيف، ولا يمكن تحقيق هذا الإمكان دون استثمارات ضخمة في تطوير البنية التحتية.

من ناحية ثانية، يتطلب التحوّل إلى اقتصاد منخفض الكربون استثمارات أولية كبيرة.
ويواجه العديد من الدول الأفريقية صعوبة في تأمين رأس المال اللازم بسبب المخاطر السياسية والمالية المتصوّرة.
بدورها، تخلق السياسات غير المتّسقة وبطء إجراءات الترخيص حالة من الضبابية لدى المستثمرين، على الرغم من وضع العديد من الحكومات أهدافًا طموحة لخفض الانبعاثات الكربونية.
ويعني الاعتماد الكبير على صادرات الوقود الأحفوري أنّ العديد من الدول الأفريقية سيضطر إلى الموازنة بدقّة بين الاستقرار الاقتصادي والتحوّل إلى الطاقة النظيفة.
وعلى الرغم من اعتمادها على الوقود الأحفوري، فإنّ قطاع الطاقة المتطوّر في أفريقيا -الذي يشمل الهيدروجين والمعادن الحيوية- لديه القدرة على أداء دور أساس في تشكيل نتائج المناخ العالمي.
تنمية الهيدروجين الأخضر
دعمًا لتحول الطاقة في أفريقيا، يشير تقرير التوقعات لعام 2026 إلى أنه بحلول عام 2035، قد تتمكن القارة السمراء من إنتاج أكثر من 9 ملايين طن من الهيدروجين منخفض الكربون سنويًا.
ويُعدّ تحقيق هذا الحجم عاملًا أساسيًا في جهود خفض الانبعاثات الكربونية، ويعود الفضل في ذلك إلى موارد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح الهائلة في أفريقيا، وتوافر مساحات شاسعة من الأراضي، وقربها من أسواق التصدير الرئيسة.
ويتوقع التقرير أن تصبح القارة مُصدِّرة للهيدروجين، إمّا عن طريق نقله سائلًا عبر خطوط الأنابيب من شمال أفريقيا إلى أوروبا، أو باستعمال الأمونيا ناقلًا إلى أسواق دولية أخرى.
تتركز حاليًا مشروعات الهيدروجين الأخضر الرئيسة في أفريقيا في ناميبيا وجنوب أفريقيا وموريتانيا ومصر والمغرب.
وفي عام 2022، انضمت هذه الدول الـ4 إلى دولتين أُخريين -مصر وكينيا- لإطلاق التحالف الأفريقي للهيدروجين الأخضر، الذي يُعزز ريادة أفريقيا في تطوير الهيدروجين الأخضر.
ويتوقع هذا التحالف، الذي يضم الآن 11 عضوًا، أن تصل صادرات الهيدروجين الأخضر من القارة إلى 40 ميغا طن بحلول عام 2050.
وتُعدّ ناميبيا رائدةً في تطوير الهيدروجين الأخضر، لا سيما للتصدير، حسب مصادر تابعتها منصة الطاقة المتخصصة.
ويتوقع مشروع "هايفن" للهيدروجين الأخضر، الذي تبلغ تكلفته 10 مليارات دولار أميركي، وتُطوّره شركة "هايفن هيدروجين إنرجي" الناميبية -وهي مشروع مشترك بين شركة الطاقة الألمانية "إنرتراغ" وشركة "نيكولاس هولدينغز"- إنتاج أكثر من 300 ألف طن من الهيدروجين الأخضر سنويًا، لتصديرها إلى أوروبا.
ومن بين الشراكات الناميبية الألمانية الأخرى، مشروع "هاي آيرون أوشيفيلا" للحديد الأخضر، الذي يستعمل محللًا كهربائيًا بقدرة 12 ميغاواط، يعمل بنظام طاقة شمسية بقدرة 25 ميغاواط تقريبًا ونظام بطاريات ضخم، لإنتاج الهيدروجين الأخضر.
ويُستعمل الهيدروجين الناتج بعد ذلك لإزالة الأكسجين من خام الحديد لإنتاج الحديد المختزل المباشر (DRI)، وهو مادة خام أساسية لصناعة الصلب منخفض الكربون.
قرية داوريس للهيدروجين الأخضر
يجري العمل على إنشاء قرية داوريس للهيدروجين الأخضر، وهي أول منشأة متكاملة بالكامل في أفريقيا لإنتاج الهيدروجين الأخضر والأسمدة، ستجمع بين الطاقة المتجددة والزراعة المستدامة.
من ناحيتها، أنشأت جنوب أفريقيا المجاورة "وادي الهيدروجين" الوطني، الذي يضم العديد من المشروعات الضخمة التي حققت نجاحًا كبيرًا بفضل الاستثمارات العامة والخاصة.
ويمثّل مشروع كويغا للأمونيا الخضراء محطة تبلغ تكلفتها 5.7 مليار دولار أميركي، من تطوير شركتي هايف هيدروجين وليندي، ومن المتوقع أن ينتج ما يصل إلى 1.2 مليون طن من الأمونيا الخضراء سنويًا.
ومن المتوقع أن يبدأ مشروع بريسكا باور ريزرف بروجكت، الواقع في مقاطعة كيب الشمالية، إنتاج الهيدروجين الأخضر والأمونيا من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ابتداءً من العام المقبل.
في أغسطس/آب 2023، بدأت شركة ساسول عملياتها في مشروع ساسولبورغ التجريبي للهيدروجين الأخضر.
ويُمكن لهذا البرنامج التجريبي إنتاج ما يصل إلى 5 أطنان من الهيدروجين الأخضر يوميًا.
ويسعى تحالف يُعرف باسم مشروع "هاي شيفت" HySHiFT إلى إنتاج وقود طيران مستدام باستعمال الهيدروجين الأخضر في المنشآت القائمة.
مشروعات طاقة الرياح والطاقة الشمسية
تعزيزًا لتحوّل الطاقة في أفريقيا، تسعى موريتانيا إلى تنفيذ مشروعات ضخمة للاستفادة من إمكاناتها الهائلة في مجال طاقة الرياح والطاقة الشمسية.
ويُعدّ مشروع نور (أمان) أحد أكبر مشروعات الهيدروجين الأخضر في أفريقيا، حيث تأمل شركة "سي دبليو بي غلوبال" (CWP Global)، المطوّرة للمشروع، في إنتاج 1.7 مليون طن من الهيدروجين الأخضر سنويًا.
وأبرمت الحكومة الموريتانية اتفاقية منفصلة بقيمة 34 مليار دولار مع شركة كونجونكتا لتطوير منشأة لإنتاج الهيدروجين الأخضر بقدرة 10 غيغاواط.
بدوره، يبرز المغرب بصفته إحدى أوائل الدول الأفريقية التي وضعت إستراتيجية وطنية للهيدروجين الأخضر. وهو الآن يهيّئ نفسه للتصدير إلى أوروبا من خلال تخصيص مساحات شاسعة من الأراضي بالقرب من المواني والاستثمار في بنية تحتية مشتركة لتسهيل الإنتاج والتصدير.
وتجري حاليًا مشروعات بالتعاون مع جهات مثل توتال إنرجي وبنك الاستثمار الأوروبي.
إنتاج الهيدروجين في مصر
تسعى مصر جاهدةً لتصبح مركزًا إقليميًا للهيدروجين ومشتقاته، مع تركيز قوي على المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وقد بدأت هذه المنطقة تُؤتي ثمارها، حيث يُعدّ مصنع العين السخنة، الواقع ضمنها، أول مصنع عامل لإنتاج الهيدروجين الأخضر في أفريقيا.
ووقّعت الحكومة المصرية العديد من الاتفاقات الدولية، وحصلت على التزامات استثمارية تزيد قيمتها على 17.4 مليار دولار أميركي لعدد من مشروعات الهيدروجين الأخضر الكبرى.

المعادن الحيوية
إلى جانب إمكاناتها الهائلة في مجال الهيدروجين الأخضر، تُعدّ أفريقيا موطنًا لبعض أغنى مكامن المعادن الحيوية في العالم، مثل الكوبالت والنحاس والذهب والليثيوم ومعادن مجموعة البلاتين.
وبحسب ما يتوقع تقرير التوقعات لعام 2026، فإن هذه الوفرة تجعل القارة الأفريقية لاعبًا محوريًا في سلسلة التوريد العالمية خلال مرحلة تحول الطاقة.
ومن المتوقع يتضاعف الطلب على المعادن الحيوية 5 مرات بحلول عام 2035.
وهذا يعني أن الدول الأفريقية الغنية بالمعادن ستحظى بمكانة إستراتيجية مهمة في هذا القطاع، مع فرص متاحة على امتداد سلسلة القيمة، بدءًا من الاستخراج ووصولًا إلى المعالجة والتكرير، شريطة أن تتمكن من جذب استثمارات مستدامة في البنية التحتية والحوكمة وتنمية المهارات.
ويُعدّ الاستثمار المستمر عنصرًا أساسيًا لنجاح هذا القطاع.
ضمان الوصول إلى المعادن
من الأخبار السارّة التي نُشير إليها أن حكومات في مناطق أخرى (ولا سيما الولايات المتحدة والصين) تسعى جاهدة لعقد اتفاقيات ثنائية مع الدول الأفريقية لضمان الوصول إلى المعادن، وتعزيز المشروعات المشتركة، ودمج سلاسل القيمة المعدنية.
خلال العام الماضي، تصدّرت جمهورية الكونغو الديمقراطية العالم في إنتاج الكوبالت، واحتلّت المرتبة الثانية في إنتاج النحاس.
وضمّت جمهورية الكونغو الديمقراطية 7 من أكبر 10 مناجم منتجة للكوبالت في عام 2024.
في فبراير/شباط 2025، فرضت الحكومة حظرًا على التصدير للحدّ من فائض العرض واستقرار الأسعار المتراجعة.
ورغم رفع الحظر في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، فقد استُبدل بنظام حصص صارم لتنظيم الإنتاج المستخرج والصادرات حتى عام 2027 على أقرب تقدير.
وتنضمّ جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى زيمبابوي ومالي وغانا وناميبيا في ريادة إنتاج الليثيوم.
وقد أنتجت هذه المجموعة من الدول 124,230 طنًا متريًا من مكافئ كربونات الليثيوم في عام 2024، ومن المتوقع أن ينمو الإنتاج بأكثر من 150% بحلول عام 2030. وحسبما يشير تقرير التوقعات لعام 2026، تتميز مناجم الليثيوم في أفريقيا بتنافسيتها السعرية، ما يجعلها هدفًا استثماريًا مثاليًا.
حتى الآن، تمّ تطوير العديد من المشروعات بسرعة وبتكاليف رأسمالية منخفضة نسبيًا، لا سيما في مالي وزيمبابوي.
بالنسبة لزيمبابوي، تتزايد أهميتها الإستراتيجية في سلسلة إمداد الليثيوم: ففي عام 2024، كانت موطنًا لاثنين من أكبر 10 مناجم لإنتاج الليثيوم في العالم، حيث أسهمت مجتمعةً بنسبة 7.42% من الإنتاج العالمي.
وتقود زيمبابوي جهود تحسين إنتاج الليثيوم، إذ حظرت تصدير خام الليثيوم وفرضت رسومًا بنسبة 2% على مبيعاته، إلى جانب تطوير مصفاة بتكلفة 450 مليون دولار أميركي في مجمع مابينغا الصناعي.

الصناعات التحويلية
يحدّد تقرير التوقعات لعام 2026 عدّة إستراتيجيات يمكنها أن تساعد بإطلاق العنان لإمكانات أفريقيا في قطاع الصناعات التحويلية في ظل المشهد المعدني العالمي سريع التطور.
أولًا، تُعدّ الأطر التنظيمية المستقرة والشفافة ضرورة حتمية، فضمان استثمارات طويلة الأجل ومستدامة في البنية التحتية للتكرير والمعالجة يتطلب بيئات قانونية ومالية مستقرة.
ويتعين على الحكومات إيلاء الوضوح التنظيمي أولويةً قصوى، وتيسير إجراءات الترخيص، وضمان تطبيقها المتّسق لجذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية لتعزيز تحول الطاقة في أفريقيا.
ويُعدّ تعزيز التعاون الإقليمي وتبادل البنية التحتية للطاقة النظيفة إستراتيجيةً أخرى.
لذلك، ينبغي للحكومات والتكتلات الإقليمية التركيز على الاستثمار في البنية التحتية الصناعية المشتركة، كالطرق والسكك الحديدية وممرات الطاقة المتجددة، لدعم تجمعات مرافق التصنيع.
ويُعدّ التعاون الإقليمي -من خلال توحيد سياسات التصدير والمعايير البيئية وحوافز الاستثمار عبر الحدود- أمرًا بالغ الأهمية للتغلب على تشتت الأسواق الأفريقية وعزلة العديد من الدول الغنية بالموارد.
ويتطلب ذلك تكثيف جهود لبناء القدرات التقنية المحلية وتسهيل نقل التكنولوجيا.
في غضون ذلك، تواجه طموحات أفريقيا في مجال التكرير عقباتٍ تتمثل في ندرة العمالة الماهرة ومحدودية الوصول إلى تقنيات المعالجة المتقدمة.
وينبغي للحكومات تقديم حوافز للتوظيف والتدريب والبحث والتطوير محليًا، وتشجيع الشراكات مع الجامعات والمعاهد التقنية ووكالات التنمية الدولية، لتسريع تنمية القوى العاملة ونقل المعرفة.
في الوقت نفسه، يجب تجنُّب انتهاكات حقوق الإنسان التي ابتُلِيَت بها صناعات استخراجية أخرى في أفريقيا.
إزاء ذلك، يجب أن تُعطي اللوائح التنظيمية الأولوية لكرامة الإنسان وسلامة مكان العمل، مع وجود توجيهات تُجرّم عمل الأطفال، وتحمي السكان الأصليين، وتصون البيئة الطبيعية المحلية، وتُعزز ظروف المعيشة والعمل الصحية.
ويحتاج القادة الأفارقة إلى اغتنام هذه اللحظة فرصةً للارتقاء بسلسلة القيمة نحو المعالجة والتكرير.
وبإمكان القارة -بل وستُطلق- قيمة اقتصادية هائلة تُساعد الدول على الخروج من فقر الطاقة، وإنجاح تحول الطاقة في أفريقيا، شريطة أن تُشجع الحكومات الاستثمار المستدام في البنية التحتية والحوكمة وتنمية المهارات.
موضوعات متعلقة..
- تحول الطاقة في أفريقيا مُهدد.. وهذه 3 مشروعات "زومبي"
- الطهي بالفحم يهدد تحول الطاقة في أفريقيا.. و10 دول أكثر معاناة
- تحول الطاقة في أفريقيا محور صراع جديد بين الصين والغرب
اقرأ أيضًا..
- حقول النفط والغاز في سوريا تعود كاملة لقبضة الدولة
- الطاقة النووية في تركيا.. توسع مرتقب يمهد لتحقيق توازن جيوسياسي (مقال)
- أكبر الدول المستوردة للديزل في العالم.. مصر والمغرب بقائمة الـ10
المصدر..





