خطوط أنابيب الغاز بين الخليج والمشرق.. سيناريوهات ومسارات تعيد رسم خريطة الإمدادات
سامر أبووردة

- مرحلة السلام في الشرق الأوسط قد تعيد إحياء مشروعات خطوط الغاز المقترحة لربط الخليج بالمشرق.
- ثمة خطوط أنابيب غاز محدودة بمنطقة الخليج، ولا يوجد خطوط تربطها بدول المشرق.
- الربط بين الخليج والمشرق سيعزز تجارة الغاز الإقليمية.
- سوق الغاز في المنطقة تتطلب إرادة سياسية واتفاقيات تجارية إقليمية.
تُظهر خطوط أنابيب الغاز في الشرق الأوسط مفارقة لافتة، إذ لم يُنشئ حتى اليوم أي خط مباشر يربط بين دول الخليج وبلاد المشرق، رغم القرب الجغرافي وتكامل الموارد والاحتياجات.
ولم تكن هذه الفجوة تقنية بقدر ما كانت سياسية؛ إذ عطّلت الصراعات الإقليمية، وعدم الاستقرار، وتبدل التحالفات، مشروعات طُرحت منذ أكثر من 3 عقود ولم ترَ النور.
وظهرت محاولات لتطوير خطوط أنابيب الغاز داخل نطاقات جغرافية ضيقة، سواء داخل الخليج أو في المشرق العربي، لكنها لا ترقى إلى بناء سوق إقليمية متكاملة قادرة على ربط مراكز الإنتاج بمراكز الطلب.
ووفقًا لورقة بحثية اطّلعت عليها وحدة أبحاث الطاقة (مقرّها واشنطن)، فإن معظم مشروعات الربط بين الخليج والمشرق وُلدت في سياقات سياسية مضطربة، لكن مع الحديث عن مرحلة تهدئة أو "سلام نسبي" في الشرق الأوسط، تعود خطوط أنابيب الغاز القديمة إلى واجهة النقاش، بوصفها أدوات محتملة لإعادة تشكيل خريطة الطاقة الإقليمية.
خطوط أنابيب الغاز بين الخليج والمشرق
لم تشهد خطوط أنابيب الغاز بين الخليج والمشرق تنفيذ أي مشروع مباشر حتى الآن، على الرغم من تعدد المقترحات منذ ثمانينيات القرن الماضي.
وفي ورقته البحثية التي حملت عنوان "روابط الطاقة بين الخليج والمشرق: الوضع الراهن والآفاق المستقبلية"، سلط الخبير الدولي في اقتصادات الطاقة الدكتور ناجي أبي عاد، الضوء على أبرز خطوط أنابيب الغاز بالمنطقة.
وداخل الخليج نفسه اقتصر الربط على عدد محدود من الخطوط، أبرزها:
- خط قصير الأجل ربط عام 1986 حقل الرميلة الجنوبي في العراق بمدينة الشعيبة الصناعية في الكويت، قبل أن يتوقف لاحقًا نتيجة النزاعات بين البلدين.
- خط أنابيب دولفين، الذي بدأ تشغيله عام 2007، وينقل الغاز القطري إلى الإمارات وسلطنة عمان.
أما خطوط أنابيب الغاز في المشرق فمن أهمها:
- خط أنابيب الغاز بين مصر وإسرائيل الذي أُنشئ في البداية لتصدير الغاز المصري، قبل عكس اتجاهه لاحقًا ليغذي السوق المصرية بالغاز الإسرائيلي.
- خط الغاز العربي عام 2003 لربط مصر بالأردن ثم سوريا ولبنان، مع تصور أولي لتمديده نحو تركيا والربط بالشبكة الأوروبية، غير أنه واجه تحديات كبيرة، أبرزها النقص الحاد في إمدادات الغاز المصرية.
وفي ظل تعثر المشروعات وتفاقم أزمة الكهرباء في سوريا، ظهرت حلول جديدة مؤخرًا، منها:
- بدء تنفيذ مشروع لتوجيه الغاز المسال القطري إلى محطة إعادة التغويز في العقبة بالأردن في مارس/آذار 2025، ثم ضخه عبر خطوط قائمة لتغذية الشبكة السورية، ويهدف إلى توفير نحو مليوني متر مكعب يوميًا من الغاز لمحطة دير علي جنوب دمشق، لتوليد 400 ميغاواط من الكهرباء.
- في يوليو/تموز 2025، وافقت أذربيجان على تصدير ملياري متر مكعب من الغاز سنويًا إلى سوريا عبر تركيا، مستفيدة من خطوط قائمة، وبدأ التدفق في أغسطس/آب بقدرة 1.2 مليار متر مكعب سنويًا، بسبب قيود البنية التحتية.

خطوط أنابيب الغاز المؤجلة
برزت قطر لاعبًا محوريًا في معظم مقترحات خطوط أنابيب الغاز الإقليمية، مستندة إلى احتياطياتها الضخمة من الغاز الطبيعي.
من أبرز هذه المشروعات خط أنابيب الغاز بين قطر وتركيا، الذي طُرح بمسارين:
- المسار الأول: عبر السعودية والأردن وسوريا.
- المسار الثاني: عبر السعودية والكويت والعراق.
وظل المشروع معلقًا لسنوات، لكن سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 أعاد إحياء النقاش حوله، لا سيما بعد تصريحات وزير الطاقة التركي التي ربطت تنفيذ المشروع بتحقيق وحدة الأراضي السورية واستقرارها.
إلى جانب ذلك، طُرح مشروع خط أنابيب غاز بين قطر ومصر، يمر عبر السعودية وخليج العقبة، لتلبية النمو المتوقع في الطلب المصري على الغاز.
ويشمل المشروع تطوير المزيد من محطات الإسالة على الساحل المصري، أو الربط بمنشآت تصدير ليبية، أو توسيع الخط ليلتقي بخط ترانس ميد الجزائري في تونس، ويمتد بالتوازي مع إيطاليا وأوروبا.
ويندرج المشروع ضمن مخطط أوسع لتطوير شبكة غاز تربط الخليج ببلاد الشام اقترحته مؤسسة قطر للبترول أوائل التسعينيات.
وكان من المخطط أن يبلغ طول الشبكة الرئيسة 1680 كيلومترًا، بسعة سنوية تقارب 20 مليار متر مكعب، وتُسهم قطر بنسبة 60% منها، وأبوظبي بنسبة 40%، بحسب ما رصدته وحدة أبحاث الطاقة.
وكانت الشبكة ستمتد من قطر وأبوظبي إلى البحرين والكويت وبغداد، مع توسعة لاحقة ترفع السعة إلى 26 مليار متر مكعب سنويًا، وتمتد إلى الحدود الأردنية السورية ثم إلى عمّان ودمشق.
وقُدّرت تكلفة المشروع نحو 2.6 مليار دولار (بسعر عام 1995)، بطول إجمالي يصل إلى 3 آلاف كيلومتر، إلا أن حرب الخليج الثانية بين عامي 1990 و1991 أدت إلى تجميد المشروع.
وتوضح الخريطة الآتية -من إعداد وحدة أبحاث الطاقة- مسار خط الغاز العربي:

شبكة غاز الشرق الأوسط.. رؤية عابرة للحدود
في عام 1992، طُرحت فكرة شبكة غاز الشرق الأوسط بدعم من شركة "تشيودا Chiyoda" اليابانية، ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو)، وشركة "إيني ENI" الإيطالية.
وتضمنت مد خط أنابيب بطول 6 آلاف و900 كيلومتر، على شكل حلقة تلتف حول العراق والكويت، إذ استهدف هذا التصميم إتاحة الوصول إلى مصادر غاز متعددة في المنطقة، وتعزيز أمن الإمدادات على المدى الطويل.
وتضمن المشروع خطوطًا فرعية لتغذية محطات إسالة مخطط لها في إيران وسلطنة عمان وسوريا، مع مرور نحو 28 مليار متر مكعب سنويًا لكل شبكة.
وقُدرت تكلفة المشروع نحو 10 مليارات دولار (بسعر عام 1992)، مع خطط لتمويله عبر قروض ميسرة من مستهلكين أوروبيين وشرق آسيويين.
وفي سياق آخر، اقترحت إيران مد خط أنابيب غاز من حقل بارس الجنوبي إلى البحر الأبيض المتوسط، مرورًا بالعراق وسوريا ولبنان.
ويُعرف المشروع باسم "خط أنابيب الصداقة" أو "خط أنابيب الغاز الإسلامي"، حيث طُرح عام 2011 بطول يصل إلى 5 آلاف و600 كيلومتر، ويستهدف تزويد محطة إسالة على المتوسط بالغاز، لتصدير الغاز المسال إلى الأسواق الأوروبية، وفق ما رصدته وحدة أبحاث الطاقة.
ومن المرجح أن تُعيد أي مرحلة تهدئة سياسية في الشرق الأوسط إحياء مشروعات خطوط أنابيب الغاز بين الخليج والمشرق، لا سيما مع إمكان ربطها ببنى تحتية قائمة، مثل خط أنابيب الغاز العربي ومحطات الإسالة المصرية.
وتبرز هنا أهمية الإرادة السياسية والتنسيق الإقليمي، إذ يمكن لتجارة الغاز أن تُسهم في توحيد الأطر التنظيمية، ومواءمة السياسات، وخلق تسعير قائم على السوق، على غرار التجربة الأوروبية.
الخلاصة..
مع مرحلة السلام المتوقعة في منطقة الشرق الأوسط هناك فرص لإحياء العديد من مشروعات خطوط أنابيب الغاز في المنطقة، التي تهدف لتأمين الإمدادات وتلبية الطلب، إلى جانب ربط السوق الإقليمية بالأسواق الأخرى.
موضوعات متعلقة..
- خطوط أنابيب النفط بين الخليج ودول المشرق.. أبرز المحطات التاريخية والتحديات
- خطوط أنابيب النفط والغاز في دول أوابك.. السعودية ومصر في الصدارة (رسوم بيانية)
- شبكات خطوط أنابيب الغاز في أفريقيا.. الجزائر ومصر بالصدارة (تقرير)
نرشّح لكم..
- تقارير وملفات خاصة من وحدة أبحاث الطاقة
- الطاقة الشمسية في الدول العربية
- تقرير مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
المصدر:




