الحقول المشتركة بين السودان وجنوب السودان.. جسر تواصل بعد الانفصال
وحدة أبحاث الطاقة - واشنطن

تمثّل الحقول المشتركة بين السودان وجنوب السودان أحد أكثر الملفات حساسية في علاقة البلدين بعد الانفصال في يوليو/تموز 2011؛ إذ تتقاطع فيها الجغرافيا النفطية مع معابر التصدير وخطوط الأنابيب العابرة للحدود.
وترسّخ هذا الملف بوصفه عاملًا حاسمًا في معادلة الإيرادات، ليس فقط من ناحية الإنتاج، بل أيضًا من ناحية السيطرة على مسارات الخام.
وتذهب تقديرات منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، إلى أن الوقائع تشير إلى أن الحقول المشتركة بين السودان وجنوب السودان لم تعد مجرد مواقع إنتاج تقليدية، بل تحوّلت إلى نقاط نفوذ اقتصادي وسياسي لكل طرف، مع تغير موازين السيطرة أكثر من مرة نتيجة التوترات الميدانية.
وإذ امتلكت الخرطوم البنية التحتية، وجدت جوبا نفسها أمام نفط لا يصل إلى الأسواق من دون المرور عبر الشمال.
وخلق الفاصل الجغرافي بين الامتداد النفطي ومرافق التصدير حالة اعتماد متبادل فريدة؛ إذ باتت جوبا بحاجة إلى خطوط الأنابيب والمواني، وباتت الخرطوم في حاجة إلى رسوم العبور لتعويض فقدان حقول الجنوب.
هذا التشابك جعل الحقول المشتركة بين السودان وجنوب السودان ليست مجرد ثروات باطنية، بل ملفًا سياديًا يمس مفاصل التوازن المالي للطرفين، في ظل غياب تسوية نهائية لترسيم الحدود على امتداد مناطق الثروات.
حقل هجليج/ بانتيو
يُعد حقل هجليج، الذي يُعرف في جنوب السودان باسم بانتيو (Heglig / Panthou)، أبرز الحقول المشتركة بين السودان وجنوب السودان، إذ يعد من أبرز النقاط التي شهدت مواجهة عسكرية مباشرة بين الطرفين.
ويُمثّل الحقل أحد أهمّ روافع قطاع النفط في السودان، إذ يشكّل مصدرًا رئيسًا لتغذية مصفاة الخرطوم بالخام، بجانب دوره الحيوي في صادرات النفط عبر ميناء بورتسودان لدعم الإيرادات العامة.
ووفقًا لموسوعة حقول النفط والغاز لدى منصة الطاقة المتخصصة، يقع حقل هجليج قرب الحدود مع جنوب السودان، على بُعد نحو 45 كيلومترًا غرب منطقة أبيي في ولاية جنوب كردفان، ضمن المربع النفطي "تو بي" (2B) داخل خليج المجلد الذي يضم أغلبية الحقول المنتجة حاليًا.

ويحتوي هجليج على نحو 75 بئرًا منتجة، وينتج 20 ألف برميل من النفط السوداني يوميًا وبه محطة معالجة مركزية لـ130 ألف برميل نفط من دولة جنوب السودان.
وتتولى شركة النيل الكبرى لعمليات البترول (GNPOC) إدارته، ضمن تحالف يضم شركات من الصين وماليزيا والهند إلى جانب الشريك السوداني.
اكتُشف الحقل عام 1996 بوساطة شركة أراكيس إنرجي الكندية، وبلغ إنتاجه قبل عام 2012 نحو 60 ألف برميل يوميًا، ما يعادل نصف إنتاج السودان آنذاك، وكانت هناك خطط لرفعه إلى 70 ألف برميل، غير أن الصراعات عطّلت خطط التطوير.
وظلّ هجليج محورًا لنزاعات متكررة بين الخرطوم وجوبا، رغم قرار التحكيم الدولي في 2009 بأحقية السودان في الحقل؛ إذ سيطرت قوات جنوب السودان عليه لمدة وجيزة في أبريل/نيسان 2012 قبل أن تستعيده القوات السودانية.
وشكّلت هذه المواجهات بُعدًا إضافيًا في مشهد الحقول المشتركة بين السودان وجنوب السودان.
وطالت تداعيات النزاع والحرب الأهلية، التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023، الحقل، مع سعي الطرفين المتحاربين للسيطرة على منشآت الطاقة الحيوية في كردفان ودارفور.
وأغلق السودان، في 31 أغسطس/آب 2025، حقل هجليج النفطي بسبب الهجمات المتكررة التي شنّتها قوات الدعم السريع، يومي 26 و30 أغسطس/آب، على منشآت الحقل، والتي أسفرت عن مقتل 5 موظفين وإصابة 7 آخرين.
ووجهت وزارة الطاقة والنفط السودانية خطابًا إلى نظيرتها في دولة جنوب السودان يفيد بأنه يُتوقع عدم قدرة شركة "بتكو" (PETCO) على الوفاء بجدول الرفع الشهري، مؤكدة أن السودان يتفهم أهمية صادرات النفط الخام بالنسبة لجنوب السودان، لكنه يضع سلامة العاملين والمنشآت في مقدمة الأولويات.

الكتل المتداخلة
وفق آخر تقديرات في عام 2021، يبلغ حجم احتياطيات النفط المؤكدة في السودان وجنوب السودان 5 مليارات برميل، بواقع 3.5 مليار برميل في الجنوب، ونحو 1.5 مليار برميل في السودان، بحسب تقارير دورية رصدتها منصة الطاقة.
وتُعد المربعات رقم 1 و2 و3 و4 و5 إيه و7 جزءًا من نطاق نفطي اكتُشف وشُغّل قبل ترسيم الحدود النهائية.
وتشير بيانات شركات عاملة إلى أن الامتداد الجيولوجي للطبقات المنتجة، ولا سيما في حقول مثل فلوج، والوحدة، وثارجاث لا يتطابق مع الخرائط الإدارية الحالية.
ويفسّر هذا التداخل استمرار الحديث عن وجود بعض الحقول المشتركة بين السودان وجنوب السودان، رغم أن بعض المواقع تقع رسميًا بالكامل داخل حدود الجنوب.

خطوط الأنابيب ورسوم العبور
بعد الانفصال عام 2011، أصبح تصدير نفط الجنوب أمرًا معتمدًا على مرور الخام عبر الأراضي السودانية؛ إذ تفرض الخرطوم رسوم عبور ومعالجة تقدَّر بنحو 24 إلى 26 دولارًا للبرميل.
وتشمل هذه الرسوم رسوم معالجة النفط ورسوم النقل، بالإضافة إلى الرسوم السيادية والنسبة المتبقية من عائدات الترتيبات المالية الانتقالية الخاصة بتعويض السودان عما فقده من إيرادات بانفصال الجنوب؛ إذ فقد نحو 75% من إنتاجه النفطي.
ووقّع البلدان، عقب الانفصال، اتفاقية لتصدير نفط جنوب السودان عبر خطين، يمتد أحدهما بطول أكثر من 1500 كيلومتر من حوض ملوط في ولاية أعالي النيل الجنوبية إلى ميناء بشائر السوداني على ساحل البحر الأحمر، في حين ينقل الخط الثاني النفط من ولاية الوحدة إلى الميناء ذاته.
ويشمل الاتفاق، أيضًا، استعمال منشآت المعالجة الفنية، وتشغيل 6 محطات ضخ في السودان حتى يصل الخام إلى ميناء بشائر.

ومثّلت هذه الرسوم مصدر دخل مهمًا للسودان، في حين تشكّل جزءًا من تكلفة الإنتاج بالنسبة للجنوب؛ ما دفع الطرفين إلى جولات تفاوضية متكررة لتعديل الشروط المالية.
هذه المعادلة تجعل استمرار تدفق النفط من جوبا وتحصيل الخرطوم لرسوم العبور مرتبطين بالاستقرار الميداني حول الحقول المشتركة بين السودان وجنوب السودان.
إذ ينعكس أي تعطّل في الإمداد مباشرة في خزينة جوبا، في حين يؤدي توقف التصدير إلى خسائر للخرطوم.
هذا التشابك أبقى ملف الحقول المشتركة بين السودان وجنوب السودان على طاولة المفاوضات والوساطات الدولية؛ ما يفتح الباب أمام سيناريوهات تعاون أو مواجهة وفق مسار التفاهمات الحالية والمقبلة.
الخلاصة..
- الحقول المشتركة بين السودان وجنوب السودان ليست مجرد نقاط استخراج؛ بل هي عقدة اقتصادية وسياسية تربط بين سيادة الأرض وبنية التصدير.
- حلّ دائم يتطلّب تسوية شاملة تجمع بين ترسيم الحدود، وآليات شفافة لتقاسم العوائد، واستثمارات في البنية التحتية (قِطاعات تعبيد/خطوط أنابيب بديلة) لتقليل الاحتكاك السياسي.
موضوعات متعلقة..
- حقل هجليج.. حكاية حقل نفط تنازعت عليه دولتان
- النفط يعيد التعاون الاقتصادي بين السودان وجنوبه عقب 10 سنوات انفصالًا
- حقول النفط في جنوب السودان تعزّز عمليات الحفر بدعم صيني
نرشّح لكم..
المصادر:
- بيانات حقل هجليج النفطي، من "رويترز".
- الخرطوم وجوبا تتفقان على حماية المنشآت النفطية، من وكالة "شينخوا".





