الحقول المشتركة بين قطر وإيران.. ماذا تعرف عن كنز الغاز العالمي؟
وحدة أبحاث الطاقة - تغطية خاصة

تُعدّ الحقول المشتركة بين قطر وإيران من أهم مكامن الطاقة في العالم، إذ تمثّل احتياطيات ضخمة، تجعلها في صدارة المشهد العالمي لأسواق الطاقة.
ويقف حقل الشمال/بارس الجنوبي في مقدمة هذه الحقول، بوصفه أكبر حقل غاز طبيعي منفرد في العالم، وركيزة أساسية لاقتصاد البلدَين.
ووفقًا لموسوعة حقول النفط والغاز لدى منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، يمثّل الحقلان معًا قرابة خُمس الاحتياطيات العالمية المؤكدة من الغاز الطبيعي، ما يجعل الحقول المشتركة بين قطر وإيران محورًا حيويًا لاقتصادات البلدَين وسوق الطاقة العالمية.
ورغم وحدة المكمن الجيولوجي، تختلف قدرة الجانبَين على استغلاله؛ فالدوحة قادت طفرة الغاز المسال عالميًا اعتمادًا على حقولها المشتركة مع إيران، في حين ما تزال طهران تواجه تحديات مرتبطة بالعقوبات الدولية وضعف التكنولوجيا.
حقل الشمال البحري
تعود قصة الحقول المشتركة بين قطر وإيران إلى عام 1971، عندما اكتشفت الدوحة حقل الشمال البحري في مياهها الإقليمية، قبل أن يتضح لاحقًا أن امتداداته الهائلة تصل إلى الأراضي الإيرانية تحت اسم "بارس الجنوبي"، الذي اكتُشف رسميًا عام 1990.
ويمتد الحقل على مساحة تبلغ نحو 9 آلاف و700 كيلومتر مربع، منها 6 آلاف كيلومتر مربع داخل المياه القطرية، و3 آلاف و700 كيلومتر مربع ضمن الجانب الإيراني.
هذا التوزيع جعل الحقول المشتركة بين قطر وإيران محورًا جيوسياسيًا حساسًا، إذ تقع في منطقة إستراتيجية قرب ممرات الملاحة العالمية.

احتياطيات حقل الشمال البحري
تبلغ احتياطيات حقل الشمال البحري في الجانب الإيراني نحو 14 تريليون متر مكعب من الغاز (ما يعادل 1800 تريليون قدم مكعبة)، بالإضافة إلى 900 مليون برميل من النفط، و18 مليار برميل من المكثفات، وأكثر من 900 تريليون قدم مكعبة قياسية من الغاز في الجانب القطري، فضلًا عن نحو 50 مليار برميل من المكثفات.
وحسب أحدث بيانات وكالة أنباء النفط الإيرانية "شانا"، يُنتج حقل بارس الجنوبي نحو 716 مليون متر مكعب يوميًا من الغاز، يُخصص جزء كبير منه للاستهلاك المحلي الإيراني.
ويُقدَّر أن حقل الشمال القطري يحتوي وحده على نحو 10% من احتياطيات الغاز العالمية، ما يضع الدولة الخليجية في موقع متقدم بين كبار منتجي الطاقة، لا سيما بعد أن ارتفع إنتاجها إلى 77 مليون طن سنويًا من الغاز المسال، مع خطط لزيادته إلى 142 مليون طن بحلول 2030.
وتُظهر هذه البيانات أن الحقول المشتركة بين قطر وإيران لا تقتصر أهميتها على البلدَين، بل تمثّل ركيزة لأمن الطاقة العالمي.

مشروع توسعة حقل الشمال
منذ مطلع الألفية، قادت قطر جهودًا مكثفة لتطوير حقل غاز الشمال، مستفيدة من استقرارها الاقتصادي وشراكاتها العالمية، إذ تحوّل الحقل إلى ركيزة رئيسة لقطاع الغاز المسال، الذي وضع الدولة الخليجية في موقع الريادة العالمية.
ويمتاز مشروع توسعة حقل الشمال بأنه أكبر مشروع للغاز المسال في التاريخ الحديث، وينقسم إلى قسمَين: التوسعة الشرقية والجنوبية، ويُتوقّع دخوله مرحلة الإنتاج التجاري في 2026.
وتشارك في المشروع كبريات الشركات العالمية مثل: توتال إنرجي الفرنسية، وإكسون موبيل وكونوكو فيليبس الأميركيتين، وإيني الإيطالية، وشل متعددة الجنسيات، وسينوبك الصينية.
وترى الدوحة في هذا المشروع وسيلةً لضمان أمن الطاقة العالمي، لا سيما مع تصاعد الطلب الأوروبي والآسيوي على الغاز المسال بعد الاضطرابات الجيوسياسية الأخيرة. كما تسعى إلى ترسيخ الغاز بصفته وقودًا أساسيًا طويل الأمد وليس وقودًا انتقاليًا مؤقتًا.

حقل بارس الجنوبي
على الجانب الآخر من الحقول المشتركة بين قطر وإيران، تعتمد طهران على حقل بارس الجنوبي بوصفه العمود الفقري لقطاعها الغازي، إذ يُسهم بما يتراوح بين 40 و50% من إجمالي احتياطيات الغاز الإيرانية.
ورغم أن إيران تمتلك نحو ثلث مساحة الحقل، فإن العقوبات الدولية والقيود التقنية أخّرت تطويره مقارنة بالجانب القطري، إلا أن طهران واصلت جهودها لتعويض الفجوة الإنتاجية.
وتشير بيانات منصة الطاقة إلى أن تطوير الحقل مرّ بـ24 مرحلة، ركّزت المراحل الأولى على استخراج الغاز وتشييد البنية التحتية الأساسية، فيما استهدفت المراحل اللاحقة زيادة الإنتاج وتعزيز قدرات المعالجة لضمان استدامة التشغيل.
وشاركت في تطوير الحقل شركات دولية عدة مثل توتال إنرجي، وغازبروم الروسية، و"سي إن بي سي" الصينية، و"بتروناس" الماليزية، قبل انسحاب بعض هذه الشركات بفعل العقوبات.
وتواصل اليوم شركات إيرانية مثل "بارس أويل أند غاز" و"بترو إيران للتطوير" تنفيذ خطط الحفر التعزيزي، التي تشمل حفر 35 بئرًا جديدة لتعزيز إنتاج المنصات العاملة.
وفي أبريل/نيسان 2025، بدأت إيران حفر البئر الخامسة ضمن خطة الحفر الجديدة، باستعمال المنصة "دي سي آي-2"، في حين يُتوقّع أن تبدأ 3 آبار أخرى الإنتاج خلال الأشهر المقبلة.
اختلاف وتكامل
رغم الخلافات التاريخية بين البلدَين حول ترسيم الحدود البحرية وحقوق الاستغلال، فإن الحقل المشترك يجسّد نموذجًا واقعيًا لالتقاء المصالح الاقتصادية في منطقة الخليج.
فالدوحة سبقت طهران في الاستثمار والبنية التحتية، ما منحها مكانةً متقدمة في سوق الغاز المسال، في حين تواصل إيران توظيف حصتها لتعزيز أمنها الطاقوي وتلبية الطلب المحلي، مع مساعٍ لزيادة صادراتها مستقبلًا.
وبينما يمثّل الجانب القطري واجهة عالمية لتصدير الغاز المسال، يُعدّ الجانب الإيراني قاعدة إنتاج داخلي حيوية تدعم الاقتصاد الوطني.
هذه الازدواجية في الأدوار تجعل من الحقول المشتركة بين قطر وإيران أحد أهم مراكز التوازن في سوق الطاقة، ومؤشرًا على كيفية إدارة الثروات المشتركة في بيئة جيوسياسية معقدة.

مستقبل الحقول المشتركة بين قطر وإيران
يرى محللو الطاقة أن التطورات التقنية وتخفيف العقوبات على إيران قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون الإقليمي في استغلال الحقول المشتركة بين قطر وإيران، بما يعود بالنفع على استقرار الإمدادات العالمية من الغاز.
كما يُرجَّح أن تُسهم توسعات حقل الشمال في دعم أمن الطاقة العالمي وتلبية الطلب الآسيوي والأوروبي المتزايد، في وقت يسعى فيه العالم لإيجاد توازن بين تحول الطاقة والاحتياجات الاقتصادية.
في النهاية، تظل الحقول المشتركة بين قطر وإيران شاهدًا على ضخامة الثروة الكامنة في الخليج، ومسرحًا لصراع وتعاون في آنٍ واحد، بين دولتَيْن تملكان مفاتيح أحد أكبر كنوز الغاز في الكوكب.
موضوعات متعلقة..
- حقل بارس الجنوبي.. 14 تريليون متر مكعب غاز تعزز احتياطيات إيران
- حقول النفط والغاز في قطر.. رصد موثّق للاحتياطيات والإنتاج والثروات (ملف خاص)
- حقل غاز الشمال.. كنز قطري احتياطياته 900 تريليون قدم مكعبة
- حقول النفط والغاز في إيران.. أهم بيانات الاحتياطيات والإنتاج (ملف خاص)
نرشّح لكم..
المصادر:
- تقرير عن احتياطيات وإنتاج حقل بارس الجنوبي، من "غلوبال إنرجي مونيتور".
- احتياطيات حقل غاز الشمال، من شركة "قطر للطاقة".





