شارت إندستريز: الهيدروجين الأخضر يتجاوز توقعات المتشككين .. وهذه القطاعات تقود نموه
داليا الهمشري

يمرّ الهيدروجين الأخضر بمرحلة إعادة تقييم، بعد تباطؤ نمو المشروعات مقارنًة بالتوقعات السابقة، بفعل ارتفاع تكاليف التمويل وتحديات البنية التحتية وتغير السياسات الداعمة في بعض الأسواق.
ورغم ذلك، يواصل الهيدروجين الاحتفاظ بمكانته ضمن حلول خفض الانبعاثات، مع انتقال القطاع من مرحلة الإعلانات والطموحات إلى التركيز على المشروعات القابلة للتنفيذ والطلب الفعلي، ولا سيما في الصناعات والقطاعات كثيفة الانبعاثات.
ومن جانبه، قال المدير التنفيذي لقطاع الهيدروجين في شركة شارت إندستريز، صلاح مهدي، في تصريحات إلى منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، إن التحولات التي شهدتها أسواق الطاقة خلال الأعوام الأخيرة أثبتت أن مستقبل القطاع لا يمكن اختزاله في توقعات متفائلة أو متشائمة.
وأكد مهدي أن النفط أثبت مرونة أكبر من توقعات المتشائمين، لكنه في المقابل جاء أقل كثيرًا من طموحات المتفائلين، في حين تمكَّن الهيدروجين الأخضر من الصمود رغم تباطؤ وتيرة نموه عن التوقعات السابقة.
أزمات الطاقة
أوضح مهدي أن الاعتقاد بتراجع سريع للطلب على النفط، بفعل التوسع في الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية والسياسات المناخية لم يتحقق بالسرعة المتوقعة.
وأشار إلى استمرار الاعتماد على النفط ومشتقاته، خصوصًا في قطاعات يصعب التحول فيها إلى بدائل أخرى، مثل الطيران والنقل البحري والبتروكيماويات.
وأضاف أن الأزمات الجيوسياسية أعادت أمن الطاقة إلى صدارة أولويات الحكومات والشركات، مما عزّز أهمية النفط ضمن مزيج الطاقة العالمي.
وأكد أن صناعة النفط لم تشهد -أيضًا- موجة النمو الاستثنائية التي توقَّعها بعض المتفائلين عقب أزمات الطاقة، في ظل ارتفاع تكلفة التمويل، وضغوط المستثمرين، وسياسات خفض الانبعاثات، والتغيرات الهيكلية في قطاعات استهلاك الطاقة.
وقال مهدي، إن الهيدروجين سجَّل بين عامَي 2018 و2023 موجة غير مسبوقة من الإستراتيجيات الحكومية والإعلانات الاستثمارية والمشروعات الضخمة، مما خلق انطباعًا بأن سوقًا عالمية متكاملة للهيدروجين يمكن أن تتشكل خلال مدة قصيرة.

إلّا أن الواقع -بحسب مهدي- أثبت أن بناء صناعة طاقة جديدة أكثر تعقيدًا من التوسع في صناعة قائمة، إذ لا يتطلب الهيدروجين مشروعات إنتاج فقط، بل منظومة متكاملة تشمل النقل والتخزين والموانئ وسلاسل الإمداد وشهادات المنشأ واتفاقيات الشراء طويلة الأجل، إلى جانب وجود طلب صناعي حقيقي قادر على استيعاب الإنتاج بأسعار تنافسية.
وأشار إلى أن هذه المتطلبات، إلى جانب ارتفاع تكلفة رأس المال وعدم وضوح الجدوى الاقتصادية لبعض المشروعات، أدت إلى تباطؤ نمو القطاع مقارنةً بالتوقعات التي سادت قبل أعوام.
وشدد على أن هذا التباطؤ لا يعني فشل الصناعة أو فقدان مبرراتها الأساسية، بل يعكس انتقالها من مرحلة الحماسة والوعود الكبيرة إلى مرحلة أكثر نضجًا، تُركّز على المشروعات القابلة للتنفيذ والقطاعات الأكثر جدوى اقتصاديًا.
تقييم أداء قطاع الهيدروجين
أكد المهندس صلاح مهدي -في تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن الهيدروجين ما زال يحظى باهتمام الحكومات والشركات الكبرى بوصفه أحد الحلول المهمة لإزالة الكربون من الصناعات الثقيلة، وإنتاج الأسمدة، والنقل البحري، وغيرها من القطاعات.
وأوضح أن تقييم أداء قطاع الهيدروجين خلال الأعوام الأخيرة يجب أن يراعي الظروف الاستثنائية التي مرَّ بها الاقتصاد العالمي، وفي مقدمتها الحروب والتوترات الجيوسياسية والتضخم وارتفاع أسعار الفائدة.
ولفت إلى أن ارتفاع تكلفة رأس المال كان له تأثير كبير في المشروعات التي تتطلب استثمارات ضخمة وأوقاتًا طويلة للوصول إلى التشغيل التجاري.
كما أشار إلى أنّ تغيُّر أولويات وسياسات الطاقة في بعض الاقتصادات الكبرى -وعلى رأسها الولايات المتحدة- انعكس على قرارات المستثمرين وتوقعات السوق عالميًا، خصوصًا أن العديد من المشروعات كانت تعتمد على الحوافز والسياسات الداعمة.
وقال: إن "المشكلة لم تكن في الاتجاه العام للمشروعات، وإنما في سرعة التحول"، موضحًا أن بناء أسواق طاقة جديدة يحتاج إلى عقود من الاستثمار وتطوير البنية التحتية، وليس إلى أعوام قليلة.
توقعات أسواق الطاقة
توقّع صلاح مهدي أن تشهد المرحلة المقبلة إعادة ضبط لتوقعات أسواق الطاقة، موضحًا أن العالم لا يتجه نحو انهيار سريع في الطلب على النفط، كما لا يتجه إلى دورة نمو استثنائية وطويلة الأمد للوقود الأحفوري.
وفي المقابل، توقَّع استمرار نمو الهيدروجين، ولكن بوتيرة أكثر انتقائية، مع تركُّز التطور في القطاعات التي يصعب إزالة الكربون منها بوسائل أخرى، مؤكدًا أن التغيير الأهم سيكون الانتقال من إعلان المشروعات إلى تنفيذها وتشغيلها وخلق طلب حقيقي ومستدام عليها.
ولن يُقاس نجاح الصناعة -بحسب تصريحات مهدي إلى منصة الطاقة المتخصصة- بعدد مذكرات التفاهم أو المشروعات المعلنة، وإنما بحجم الإنتاج الذي يُنتج ويُباع ويُستهلك فعليًا.

وأشار إلى أن عودة الدعم الحكومي للهيدروجين، إلى جانب تطوير البنية التحتية وتقديم حوافز استثمارية، ولا سيما في الولايات المتحدة، قد تعيد الزخم إلى السوق وتدفع المشروعات المؤجلة إلى التنفيذ.
واختتم مهدي بتأكيد أن ما يمرّ به الهيدروجين الأخضر -حاليًا- لا يمثّل نهاية الصناعة، بل مرحلة انتقالية فرضتها ظروف اقتصادية وجيوسياسية استثنائية، لافتًا إلى أنّ تغيُّر هذه العوامل قد يفتح الباب أمام نمو أسرع بكثير للهيدروجين خلال الأعوام المقبلة.
موضوعات متعلقة..
- خبراء: الهيدروجين الأخضر في أفريقيا يحتاج إلى رؤية تتجاوز التصدير للتصنيع المحلي
- مشروعات الهيدروجين الأخضر في الوطن العربي.. واقع طموح أم مبالغة؟ (تقرير)
- الهيدروجين الأخضر يبدأ التدفق من مشروع عالمي في بحر الشمال
اقرأ أيضًا..
- حقول النفط والغاز في أذربيجان.. احتياطيات ضخمة تدعم صادرات الطاقة (ملف خاص)
- أكبر صفقات الكهرباء في أغسطس 2026.. سيطرة عربية (تقرير)
- تقارير دورية وتغطيات لوحدة أبحاث الطاقة
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة





