استهلاك المياه في مشروعات الهيدروجين.. تكلفة بيئية مسكوت عنها
وحدة أبحاث الطاقة

- إنتاج الهيدروجين الأخضر يحتاج إلى مياه أكثر من الكميات النظرية المحسوبة
- استهلاك المياه يختلف حسب تقنية إنتاج الهيدروجين
- ندرة المياه قد تعرقل مشروعات الهيدروجين في المناطق الجافة
- تحلية مياه البحر تُمثّل حلًا رئيسًا لتأمين احتياجات المشروعات
- نجاح مشروعات الهيدروجين يرتبط بإدارة الموارد المائية بكفاءة واستدامة
يُطرح الهيدروجين عادةً بوصفه حلًا نظيفًا لأزمات المناخ والطاقة، لكن خلف هذه الصورة اللامعة تختبئ تكلفة بيئية قلّما تحظى بالاهتمام الكافي، وهي استهلاك المياه في مشروعات الهيدروجين.
فبينما ينصبّ النقاش العام على أسعار الكهرباء المتجددة والدعم الحكومي والأسواق النهائية، يبقى سؤال المياه مؤجلًا، رغم أنه عنصر حاسم في جدوى هذه المشروعات، لا سيما في المناطق الجافة.
وتكتسب مسألة المياه أهمية مضاعفة مع تسارع الخطط العالمية للتوسع في إنتاج الهيدروجين الأخضر، الذي يعتمد أساسًا على التحليل الكهربائي للماء.
هذا التوسع يضع الموارد المائية، ولا سيما العذبة منها، تحت ضغط جديد، قد لا يظهر أثره في المستوى العالمي، لكنه يصبح بالغ الحساسية على المستوى المحلي.
ووفقًا لتفاصيل فنية رصدتها وحدة أبحاث الطاقة (مقرّها واشنطن)، فإن استهلاك المياه في مشروعات الهيدروجين الأخضر بات بندًا مطروحًا بقوة على طاولة المنظمات الدولية، بعد أن أظهرت دراسات حديثة أنّ تجاهله قد يعرّض عددًا كبيرًا من المشروعات لمخاطر التعطّل أو الإلغاء، لا لأسباب تقنية، بل بيئية ومجتمعية.
كيمياء بسيطة.. واقع معقّد
في أساسها العلمي، تبدو معادلة إنتاج الهيدروجين الأخضر شديدة البساطة: ماء + كهرباء = هيدروجين، غير أن هذه الصيغة المعملية تُخفي وراءها سلسلة طويلة من العمليات الصناعية التي ترفع استهلاك المياه الفعلي إلى مستويات تتجاوز الحسابات النظرية.
كيميائيًا، يحتاج إنتاج كيلوغرام واحد من الهيدروجين عبر التحليل الكهربائي إلى نحو 9 لترات من المياه النقية.
وعلى الرغم من ذلك، فإن الواقع الصناعي يضيف فاقد المعالجة والتنقية والتبريد والتشغيل المستمر، ليرتفع الاستهلاك إلى ما بين 15 و30 لترًا لكل كيلوغرام، بحسب تقنية المحلل الكهربائي والظروف المناخية المحلية.
وعند إسقاط هذه الأرقام على مشروعات ضخمة، يتضح حجم التحدي، فمشروع ينتج مليون طن سنويًا من الهيدروجين الأخضر قد يستهلك أكثر من 15 مليون متر مكعب من المياه سنويًا، وهو حجم يقارب استهلاك مدينة متوسطة، ما يطرح تساؤلات مباشرة حول مصدر المياه وأولوية تخصيصها.
مقدار استهلاك المياه في مشروعات الهيدروجين
يُعدّ استهلاك المياه في مشروعات الهيدروجين أحد أكثر الملفات حساسية عند تقييم الأثر البيئي لهذه الصناعة الناشئة، إذ يختلف حجم الاستهلاك باختلاف طريقة الإنتاج، سواء كانت معتمدة على الوقود الأحفوري أو على التحليل الكهربائي.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن الاستهلاك العالمي للمياه في إنتاج الهيدروجين بجميع أنواعه يبلغ حاليًا نحو 1.5 مليار متر مكعب سنويًا، ما يعادل قرابة 5% من إجمالي استهلاك المياه في قطاع الطاقة، الذي يهيمن عليه تبريد محطات الكهرباء العاملة بالغاز والفحم.
في حالة الهيدروجين الأخضر، تُستعمل المياه مادةً خامًا وعنصرًا للتبريد في آن واحد، في حين يستهلك إنتاج الهيدروجين الرمادي عبر إصلاح غاز الميثان بالبخار ما بين 16 و40 لترًا لكل كيلوغرام، معظمها لأغراض التبريد، بينما لا تتجاوز كمية المياه الداخلة مباشرة في التفاعل الكيميائي نحو 5 لترات.
وتزداد البصمة المائية للهيدروجين الأزرق، الذي يدمج احتجاز الكربون وتخزينه، لتصل إلى 32–39 لترًا لكل كيلوغرام، نتيجة المياه الإضافية اللازمة لتشغيل تقنيات الاحتجاز.
ويوضح الإنفوغرافيك التالي -من إعداد وحدة أبحاث الطاقة- أنواع الهيدروجين حسب طريقة الإنتاج:

هل المياه عائق حقيقي يواجه مشروعات الهيدروجين؟
على المستوى الكلّي، لا ترى مراكز أبحاث بارزة، مثل معهد روكي ماونتن الأميركي، أن حجم استهلاك المياه في مشروعات الهيدروجين المتجدد سيشكّل ضغطًا كبيرًا على الموارد المائية العالمية.
فحتى في سيناريو الطلب المرتفع، يُقدَّر أن إنتاج 660 مليون طن من الهيدروجين بحلول 2050 سيحتاج إلى نحو 13.2 مليار متر مكعب من المياه، أي ما يعادل 0.33% فقط من المياه العذبة المتاحة عالميًا.
غير أن هذه الصورة المطمئنة تخفي واقعًا آخر: أزمة المياه ليست عالمية بقدر ما هي محلية؛ ففي المناطق القاحلة أو شبه القاحلة، قد يتحول مشروع هيدروجين واحد إلى بؤرة توتُّر، إذا نافس المجتمعات المحلية على موارد محدودة أصلًا، لا سيما مع تفاقم الجفاف وارتفاع درجات الحرارة.
ولهذا، يشدد الباحثون على ضرورة تقييم توافر المياه محليًا، ودراسة حقوق الاستعمال المتنافسة، وربط اختيار مواقع مشروعات الهيدروجين بالقدرة الفعلية على تأمين المياه دون الإضرار بالاستهلاك البشري أو الزراعي.
التحلية… الحل الممكن والجدل المفتوح
في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يكاد خيار تحلية مياه البحر يكون المسار الوحيد القابل للتطبيق لتأمين احتياجات الهيدروجين الأخضر.
وتبلغ القدرة العالمية المركبة لمحطات التحلية نحو 145 مليون متر مكعب يوميًا، تعمل في 45 دولة، تقودها الصين والسعودية وإسبانيا والإمارات والولايات المتحدة.
وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن 40% من مشروعات الهيدروجين المخطط لها بحلول 2030 تقع في مناطق تعاني نقص المياه، ما يجعل التحلية عنصرًا أساسيًا في تصميمها.
وتُقدَّر تكلفة تحلية المياه بنحو 2% فقط من إجمالي نفقات المشروع، مع استهلاك كهرباء يتراوح بين 3 و6 كيلوواط/ساعة لكل متر مكعب، ما يضيف قرابة 0.05 دولارًا لكل كيلوغرام هيدروجين، بحسب تفاصيل فنية رصدتها وحدة أبحاث الطاقة.
وعلى الرغم من جدواها الاقتصادية النسبية، فإن التحلية تثير جدلًا بيئيًا بسبب تصريف المحلول الملحي المركز في البحر، وتأثيره المحتمل في النظم البيئية البحرية، ما يستدعي تصميمات أكثر حذرًا، ودمجًا ذكيًا بين التحلية والطاقة المتجددة.

التجربة العربية… وفرة طاقة وندرة مياه
تعكس المشروعات العربية تحدي المياه بوضوح، ففي السعودية، يخطط مشروع نيوم لتلبية احتياجاته المائية عبر محطة تحلية تعمل بالكامل بالطاقة المتجددة، بطاقة تصل إلى 500 ألف متر مكعب يوميًا، لتغطي نحو 30% من إجمالي الطلب، بما يشمل إنتاج الهيدروجين الأخضر.
وتسير دول أخرى، مثل مصر والمغرب وتونس وسلطنة عمان والإمارات وموريتانيا في المسار نفسه، مع اعتماد شبه كامل على تحلية مياه البحر أو إعادة استعمال مياه الصرف الصحي المعالجة، لتجنّب الضغط على الموارد العذبة المحدودة.
ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن نجاح مشروعات الهيدروجين في المنطقة لن يُقاس فقط بسعر الكيلوغرام أو عقود التصدير، بل بقدرتها على إدارة ملف المياه بكفاءة واستدامة.

آليات تقليل البصمة المائية
تسعى التصميمات الحديثة إلى تقليص استهلاك المياه في مشروعات الهيدروجين عبر حزمة من الحلول التقنية والتشغيلية، تشمل إعادة تدوير المياه داخل المنظومة، واستعمال مياه غير صالحة للشرب بعد معالجتها، ورفع كفاءة المحللات الكهربائية للحدّ من الفاقد.
كما يبرز اتجاه لدمج الهيدروجين في صناعات يمكنها استعادة المياه الناتجة عن الاحتراق، مثل صناعة الصلب، وإعادتها مرة أخرى إلى دورة الإنتاج، ما يقلل الاستهلاك الصافي للمياه.
ويضاف إلى ذلك عامل مصدر الكهرباء، إذ إن الاعتماد على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح يقلل الاستهلاك غير المباشر للمياه مقارنة بمحطات الكهرباء الأحفورية كثيفة التبريد.
الخلاصة..
في المحصّلة، لا يمثّل حجم استهلاك المياه في مشروعات الهيدروجين عائقًا تقنيًا قاطعًا، خصوصًا أمام الهيدروجين الأخضر، لكنه قيد إستراتيجي لا يمكن تجاهله، فقد يتحول مشروع يُدار مائيًا بذكاء إلى نموذج ناجح ومستقر، في حين قد يتعثر آخر بسبب سوء تقدير مورد يبدو بسيطًا، لكنه حاسم.
والسردية المقبلة للهيدروجين لن تقتصر على التكلفة والدعم والأسواق، بل ستتوسع لتشمل من يملك الماء، ومن يدفع ثمنه البيئي، وكيف تُدار هذه المعادلة في عالم يزداد عطشًا.
وفي هذا السياق، ستبقى مشروعات الهيدروجين اختبارًا مزدوجًا: لقدرة التكنولوجيا على الابتكار، وقدرة السياسات على الموازنة بين الطاقة والمياه دون تكلفة خفية.
موضوعات متعلقة..
- مشروعات الهيدروجين في 2025 تخسر خططًا بـ5 ملايين طن
- أكبر مشروعات الهيدروجين الأخضر في أفريقيا.. سيطرة عربية (إنفوغرافيك)
- أبرز مشروعات الهيدروجين الملغاة عالميًا في 2025 (إنفوغرافيك)
نرشّح لكم..
- تقارير وملفات خاصة من وحدة أبحاث الطاقة
- الطاقة الشمسية في الدول العربية
- تقرير مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
المصادر:
- بيانات استهلاك المياه في مشروعات الهيدروجين، من وكالة الطاقة الدولية
- تقديرات استهلاك المياه في مشروعات الهيدروجين بحلول 2050، من منصة الطاقة





