واردات السعودية من زيت الوقود الروسي.. ما دور "الحج" و"الحر"؟ (تقرير)
أحمد بدر

تشهد السعودية خلال فصل الصيف من كل عام ارتفاعًا موسميًا في الطلب على الكهرباء والوقود المستهلك في التوليد، ما ينعكس على حركة الاستيراد والتجارة النفطية، ويجعل بعض الأرقام المتداولة بشأن الواردات محل اهتمام واسع لدى وسائل الإعلام والمتابعين.
وفي هذا السياق، يوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، أن الأنباء المتداولة حول ارتفاع واردات المملكة من زيت الوقود الروسي ليست جديدة أو مفاجئة للمختصين، بل تمثّل ظاهرة معروفة ومتكررة منذ سنوات طويلة.
وأشار إلى أن كثيرًا من التقارير التي تتناول السعودية بوصفها أكبر مستورد لزيت الوقود الروسي تفتقر أحيانًا إلى الخلفية الفنية والاقتصادية اللازمة لفهم أسباب هذه التجارة، مما يؤدي إلى تقديمها بصورة مثيرة رغم أنها تعكس واقعًا طبيعيًا في السوق.
وأضاف أن العوامل الجغرافية وتوزيع المصافي ومراكز الاستهلاك داخل المملكة تفسّر جانبًا كبيرًا من هذه الواردات، خاصة خلال مواسم الذروة التي تشهد زيادة ملحوظة في الطلب على الكهرباء والمنتجات النفطية.
جاءت تصريحات أنس الحجي خلال حلقة جديدة من برنامجه الأسبوعي "أنسيّات الطاقة"، قدّمها على مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس" بعنوان: "كيف غيّر رفع ترمب الحظر عن إيران وفتح مضيق هرمز أسواق الطاقة العالمية؟".
واردات السعودية من زيت الوقود الروسي
أكد أنس الحجي أن واردات السعودية من زيت الوقود الروسي لا تمثّل تطورًا استثنائيًا أو حدثًا غير مسبوق، بل تعود إلى اعتبارات اقتصادية ولوجستية واضحة، جعلت هذه التجارة قائمة منذ سنوات ومعروفة لدى المحللين والمتخصصين في أسواق الطاقة.
وقال إن السعودية تمتلك معظم إنتاجها النفطي ومصافيها الكبرى في المنطقة الشرقية، في حين يتركز جزء مهم من الطلب الموسمي على الكهرباء في المناطق الغربية، ما يفرض تحديات مرتبطة بنقل الوقود بين مناطق المملكة المختلفة.
وأوضح أن نقل زيت الوقود المنتج شرق المملكة إلى المواني الغربية يتطلّب شحنه بحريًا حول شبه الجزيرة العربية ثم إعادة توزيعه، وهو مسار طويل يرفع التكلفة مقارنة بخيارات الاستيراد المباشر من أسواق قريبة للمواني الغربية.

وأضاف أنس الحجي أن المقارنة الاقتصادية بين تكلفة المنتج المحلي المنقول لمسافات طويلة والوقود المستورد تُظهر في أحيان كثيرة أن الاستيراد أكثر جدوى، ولذلك تلجأ المملكة إلى هذه الخيارات عندما تكون أقل تكلفة وأكثر كفاءة.
وأشار إلى أن السعودية استوردت في فترات سابقة كميات مماثلة من دول مختلفة للأسباب نفسها، مؤكدًا أن المسألة تتعلّق بحسابات تجارية بحتة، وليست مرتبطة بتغيرات سياسية أو تطورات استثنائية في السوق العالمية.
ولفت إلى أن منصة الطاقة تناولت هذه القضية بالتفصيل في تقارير سابقة، موضحًا أن فهم الجغرافيا الاقتصادية للمملكة يساعد على تفسير طبيعة الواردات الموسمية بعيدًا عن التفسيرات غير الدقيقة التي تُتداول أحيانًا.
موسم الحج والطلب على الكهرباء
قال أنس الحجي إن التركيز الإعلامي على شهر مايو/أيار الماضي يعود إلى تزامن ارتفاع الواردات مع فترة الاستعداد لموسم الحج، وهي مرحلة تشهد زيادة كبيرة في استهلاك الكهرباء والوقود داخل مناطق واسعة من المملكة.
وأوضح أن السعودية تستقبل ملايين الحجاج الذين يحتاجون إلى خدمات تعمل على مدار الساعة، بما يشمل التبريد والإنارة والنقل والمرافق المختلفة، وهو ما يرفع الأحمال الكهربائية بصورة ملحوظة خلال فترة زمنية محددة.
وأضاف أن موجات الحرارة القوية التي ضربت المنطقة أسهمت كذلك في زيادة الطلب على أجهزة التكييف، الأمر الذي انعكس مباشرة على احتياجات محطات الكهرباء من الوقود المستهلك في عمليات التوليد.

وأشار الحجي إلى أن ارتفاع واردات زيت الوقود خلال الصيف ليس أمرًا جديدًا، بل يتكرر سنويًا نتيجة الظروف المناخية ومواسم الذروة، لذلك فإن الأرقام المسجلة خلال الأشهر الأخيرة لا تخرج عن الأنماط المعتادة تاريخيًا.
وأكد أن السعودية استفادت أيضًا من الخصومات التي يُباع بها زيت الوقود الروسي في الأسواق العالمية، ما جعل شراء هذه الشحنات خيارًا اقتصاديًا منطقيًا مقارنة ببعض البدائل الأخرى المتاحة.
وأضاف أن التعاون بين الرياض وموسكو داخل تحالف أوبك بلس يوفّر إطارًا طبيعيًا للعلاقات التجارية بين الجانبين، خصوصًا أن المملكة ليست طرفًا في العقوبات الغربية المفروضة على النفط الروسي.
تداعيات الشحنات الخليجية وأسعار النفط
أوضح أنس الحجي أن النقاش الحقيقي في الأسواق لا يقتصر على تجارة الوقود، بل يمتد إلى حركة الناقلات والتدفقات النفطية الخارجة من الخليج، التي تؤثر بصورة مباشرة في توازنات العرض والأسعار العالمية.
وقال إن السعودية وبقية دول المنطقة شهدت خلال الفترة الماضية خروج كميات كبيرة من الشحنات المتراكمة، الأمر الذي أسهم في تهدئة بعض المخاوف ودعم تدفق الإمدادات نحو الأسواق المستهلكة حول العالم.
وأضاف خبير اقتصادات الطاقة أن التحدي المقبل يتمثّل في قدرة الناقلات الفارغة على العودة إلى الخليج بالسرعة الكافية لتحميل شحنات جديدة، مشيرًا إلى أن هذا العامل قد يصبح أكثر تأثيرًا خلال الأسابيع المقبلة.
وأشار إلى أن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين ما يزال يشكّل عبئًا على حركة التجارة النفطية، كما أن بعض المشترين يواصلون تقييم المخاطر المرتبطة بالإمدادات القادمة من المنطقة قبل اتخاذ قرارات الشراء.
وأكد أن السعودية ودول الخليج قد تواجه تباطؤًا مؤقتًا في وتيرة تدفق الناقلات، بسبب توجه عدد كبير منها إلى وجهات بعيدة خلال الأشهر الماضية، ما يُطيل زمن عودتها إلى مواني التحميل.
واختتم الحجي بالإشارة إلى أن انخفاض أعداد السفن المتاحة للتحميل خلال الفترة المقبلة قد يدعم أسعار النفط عالميًا، موضحًا أن السوق تراقب كذلك تطورات تجارة الغاز الطبيعي المسال وتأثيرها في حركة الطاقة الدولية.
موضوعات متعلقة..
- مصفاة ساتورب السعودية.. إصلاح الأضرار لن ينتهي قريبًا
- إنتاج أوبك+ النفطي يتراجع في مايو.. والسعودية تسجل ارتفاعًا
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة
- تقارير دورية وتغطيات لوحدة أبحاث الطاقة
المصدر:





