تقارير الطاقة المتجددةتقارير الكهرباءرئيسيةطاقة متجددةكهرباء

مجتمعات الطاقة.. هل تصبح بوابة التحول الأخضر في الريف المصري؟

داليا الهمشري

تُمثّل مجتمعات الطاقة أحد أبرز النماذج الحديثة التي تعيد تشكيل العلاقة بين المجتمعات المحلية وقطاع الطاقة، عبر تمكين المواطنين والمؤسسات من إنتاج الكهرباء المتجددة واستهلاكها وتبادلها ضمن أطر تنظيمية تضمن تحقيق فوائد اقتصادية واجتماعية وبيئية.

واكتسب هذا المفهوم زخمًا عالميًا متزايدًا خلال الأعوام الأخيرة بوصفه إحدى الأدوات الداعمة للتحول الأخضر وتعزيز أهداف التنمية المستدامة.

وفي مصر، تبرز أهمية مجتمعات الطاقة بالتزامن مع التوسع في مشروعات التنمية العمرانية واستصلاح الأراضي، وجهود دمج سياسات الطاقة والمناخ في خطط التنمية، ولا سيما في المناطق الريفية التي تضم النسبة الكبرى من السكان والمباني.

ويرى متخصصون أن توطين هذا النموذج قد يسهم في تعزيز كفاءة الطاقة، وزيادة الاعتماد على المصادر المتجددة، ودعم التنمية المحلية في المجتمعات الريفية.

وفي هذا السياق، أكد أستاذ مساعد الهندسة المعمارية بجامعة الإمارات العربية المتحدة، الدكتور أحمد أبو عيانه، في تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- أن الريف المصري يمثّل نحو 70% من المباني و58% من السكان، إلّا أن النمط العمراني السائد قد شهد تغيرات كبيرة، ولم يعد يراعي المعايير البيئية بالشكل الكافي.

نقل التجربة الأوروبية

أوضح أبو عيانه أن المناطق الشمالية والدلتا تُعدّ من أكثر المناطق المعرّضة للتأثر بآثار التغير المناخي، بما في ذلك مخاطر ارتفاع منسوب المياه، رغم أن مساهمة مصر في الانبعاثات الكربونية العالمية لا تتعدى 1%.

وأشار إلى أن مفهوم مجتمعات الطاقة ظهر رسميًا في الاتحاد الأوروبي عام 2018 بعد مسار طويل من التطوير التشريعي والتنظيمي امتدّ لأكثر من 25 عامًا، لافتًا إلى أن التجربة أثبتت نجاحها خلال الأعوام الأخيرة، وأصبحت إحدى الأدوات الداعمة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

خبير يبرز أهمية تعميم مجتمعات الطاقة في الريف المصري

وأضاف أن جوهر الفكرة يقوم على توطين إنتاج الطاقة وتعزيز اللامركزية في إدارتها، من خلال إشراك المواطنين والشركات في عمليات الإنتاج والاستهلاك والاستثمار وتبادل الطاقة، بما يحقق قدرًا أكبر من الاستقلال والمرونة في إدارة الموارد المحلية.

وأكد أن نقل التجربة الأوروبية إلى مصر لا يعني استنساخها كما هي، وإنما الاستفادة من الدروس والخبرات المتراكمة وتطوير نموذج يتناسب مع الخصوصية الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية للمجتمع المصري.

نماذج مجتمعات الطاقة

بحسب أبو عيانه، تتخذ مجتمعات الطاقة 3 صور رئيسة تختلف في نطاق التطبيق وآليات المشاركة:

النموذج الأول: يتمثل في الاستهلاك الذاتي الفردي، إذ ينتج المواطن احتياجاته من الطاقة ويستهلكها مباشرة.

النموذج الثاني: يعتمد على الاستهلاك التشاركي داخل المبنى الواحد، سواء كان سكنيًا أو خدميًا أو متعدد الاستعمالات، بحيث يتشارك المستهلكون في إنتاج الطاقة والاستفادة منها.

النموذج الثالث: يقوم على إنشاء مجتمعات طاقة تخدم مجموعة من المباني أو الأحياء السكنية، مع إمكان امتلاك محطة طاقة بصورة جماعية أو الاستثمار فيها، إلى جانب تبادل الطاقة بين الأعضاء ضمن نطاق جغرافي محدد.

وأوضح أبو عيانه -في تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن هذه المجتمعات تعتمد على إنشاء كيانات قانونية تضم الأفراد أو المؤسسات المشاركة، بما يضمن دورًا فاعلًا للأعضاء في اتخاذ القرارات وإدارة الاستثمارات المرتبطة بالطاقة.

فوائد اقتصادية واجتماعية وبيئية

يرى أبو عيانه أن مجتمعات الطاقة تُمثّل أحد النماذج القادرة على تحقيق توازن بين الأبعاد الاقتصادية والبيئية والاجتماعية للتنمية، فعلى المستوى البيئي، تسهم في زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة وتقليل الضغوط على شبكات الكهرباء وخفض الانبعاثات المرتبطة بتغير المناخ.

أمّا اقتصاديًا، فتتيح للمستهلكين خفض فواتير الكهرباء، كما تفتح فرصًا استثمارية جديدة للمواطنين والشركات المحلية، وتوفّر مصادر دخل إضافية للمجتمعات المشاركة.

وعلى المستوى الاجتماعي، تدعم هذه المجتمعات خلق فرص عمل محلية وتعزيز التنمية المجتمعية، إلى جانب رفع الوعي بقضايا الاستدامة والطاقة النظيفة.

أحد محطات الطاقة الشمسية بواحة المغرة المصرية
أحد محطات الطاقة الشمسية بواحة المغرة المصرية

وأضاف أن جميع مجتمعات الطاقة، رغم اختلاف خصائصها من منطقة إلى أخرى، تتفق في هدف أساسي يتمثل في إنتاج الطاقة المتجددة محليًا وتوفيرها للأعضاء بأسعار مناسبة، اعتمادًا على مبدأ التعاون والاكتفاء الذاتي.

ولفت أبو عيانه إلى أن الدولة المصرية تتبنى -حاليًا- توجهًا واضحًا لربط سياسات الطاقة والمناخ بخطط التنمية العمرانية، بالتوازي مع التوسع في تعمير الصحراء التي تُمثّل نحو 93% من مساحة البلاد؛ بهدف مضاعفة الرقعة المأهولة والأراضي الزراعية من 7% إلى نحو 14.5%.

وأوضح أن هذا التوجه يتكامل مع جهود الحد من التعديات على الأراضي الزراعية وتطوير البيئات الريفية القائمة، مؤكدًا أن مفهوم مجتمعات الطاقة الريفية يمكن أن يشكّل ركيزة مهمة للتحول الأخضر عبر توظيف الأراضي متعددة الاستعمالات وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي للمجتمعات المحلية.

تجربة مصرية في قرية لاصيفر

كشف أبو عيانه أنه قد أطلق قبل نحو عامين مبادرة مجتمعية لاستكشاف فرص توطين مفهوم مجتمعات الطاقة في مصر، من خلال مشروع متعدد التخصصات جمع ممثلين عن القطاع الخاص والمجتمع المحلي والجمعيات الزراعية الحكومية إلى جانب الباحثين والخبراء.

وأوضح أبو عيانه -خلال تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن المبادرة ركّزت على تجديد البيئة العمرانية الريفية، واتخذت من قرية لاصيفر بمحافظة كفر الشيخ نموذجًا تطبيقيًا للدراسة.

وأضاف أن المشروع استهدف اختبار آليات عملية لتحسين كفاءة الطاقة داخل المجتمع المحلي، بالتعاون مع شركات من القطاع الخاص تتبنى سياسات للمسؤولية المجتمعية وخفض الانبعاثات الكربونية، إلى أن نجح في استقطاب مطور من القطاع الخاص لتبنّي الفكرة والمشاركة في تنفيذها.

كما أجرى أبو عيانه دراسات ميدانية وتحليلات لعدد من المباني داخل القرية قبل اختيار مبنى خدمي تابع لإحدى الجمعيات الخيرية يضم حضانة ومرافق لرعاية الأيتام ليكون موقع التطبيق العملي للمشروع.

وأوضح أبو عيانه أن الهدف كان تحويل المبنى إلى نموذج "صفر طاقة"، يعتمد بالكامل على مصادر الطاقة المتجددة لتلبية احتياجاته الكهربائية وتحقيق الاكتفاء الذاتي.

وأكد أن القيمة الحقيقية للمشروع لا تكمن في استعمال الخلايا الشمسية كونها تقنية متاحة ومعروفة، بل في نجاح النموذج المجتمعي نفسه وقدرته على تحفيز المشاركة المحلية ورفع الوعي بقضايا الطاقة المستدامة.

وأضاف أن التجربة أسهمت في إيجاد حراك مجتمعي داخل القرية والمناطق المجاورة، ودفعت السكان إلى التفكير في إمكان تطبيق نماذج مشابهة في مواقع أخرى، لتصبح أول تجربة من نوعها تفتح الباب أمام توطين مفهوم مجتمعات الطاقة في الريف المصري ودعم مسار التنمية المستدامة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق