تعزيز كفاءة الطاقة باستعمال خرسانة مبتكرة
تقنية نانوية تدعم المدن الذكية
داليا الهمشري

يمثّل تعزيز كفاءة الطاقة في قطاع البناء أحد أبرز التحديات التي تواجه المدن الحديثة، خاصة مع التوسع العمراني المتسارع وارتفاع معدلات استهلاك الموارد والانبعاثات الكربونية.
وفي هذا السياق، تتجه الأبحاث العالمية إلى تطوير مواد بناء ذكية قادرة على تحسين أداء المنشآت وتقليل احتياجاتها التشغيلية، بما يُسهم في دعم أهداف الاستدامة وخفض البصمة البيئية للمدن.
وتبرز الخرسانة الفوتوكاتاليتيكية ذاتية التنظيف بوصفها إحدى التقنيات الواعدة التي تجمع بين الابتكار الهندسي والاستفادة من الطاقة الشمسية؛ إذ تُسهم في تعزيز كفاءة الطاقة عبر تقليل أعمال الصيانة الدورية وإطالة العمر الافتراضي للمنشآت.
كما تؤدي دورًا كبيرًا في الحد من الملوثات وتحسين جودة البيئة الحضرية، بما يدعم التحول نحو مدن أكثر استدامة وكفاءة في استهلاك الطاقة.
وفي هذا الإطار، توصلت المُدرّسة بكلية الهندسة في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، الدكتورة مي شتا، إلى تقنية واعدة بشأن تطوير الخرسانة الفوتوكاتاليتيكية ذاتية التنظيف المدعمة بالمواد النانوية، اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، بهدف تحقيق بنية تحتية مستدامة ومدن عالية الكفاءة في استعمال الطاقة.
تحسين الأداء الوظيفي
اعتمدت الدراسة على إضافة مجموعة من المواد النانوية المحفزة ضوئيًا إلى الخلطات الخرسانية، شملت ثاني أكسيد التيتانيوم النانوي (Nano-TiO₂)، وأكسيد الألومنيوم النانوي (Nano-Al₂O₃)، والنانوغرافين (Nano-Graphene)، بهدف تحسين الأداء الوظيفي والميكانيكي للخرسانة.
واستُعمل ثاني أكسيد التيتانيوم بنسب 1% و2% و3% من وزن الأسمنت، في حين أُضيف أكسيد الألومنيوم بنسب 0.5% و1% و1.5%، والنانوغرافين بنسب 0.02% و0.05% و0.1%، إلى جانب إعداد خلطات هجينة تجمع بين هذه المواد للاستفادة من التأثير التكاملي بينها.
وتعتمد خاصية التنظيف الذاتي على قدرة جسيمات ثاني أكسيد التيتانيوم النانوية على امتصاص الأشعة فوق البنفسجية الموجودة في ضوء الشمس، ما يؤدي إلى تكوين أنواع نشطة من الأكسجين تعمل على تفكيك الملوثات العضوية المترسبة وتحليلها على سطح الخرسانة وتحويلها إلى مركبات بسيطة غير ضارة يمكن التخلّص منها بسهولة بوساطة مياه الأمطار أو الرطوبة الجوية.
ويوضح الرسم التالي المواد النانوية في الخرسانة الفوتوكاتاليتيكية ذاتية التنظيف:

وأوضحت الدكتورة مي شتا -خلال تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن هذه الآلية تتيح الحفاظ على نظافة المنشآت لوقت طويل وتقليل الحاجة إلى عمليات التنظيف التقليدية.
تعزيز كفاءة الطاقة
إلى جانب تأثيرها الفوتوكاتاليتيكي، أسهمت المواد النانوية الأخرى في تحسين الخواص الميكانيكية للخرسانة، وبالتالي في تعزيز كفاءة الطاقة، إذ أدّى استعمال أكسيد الألومنيوم النانوي إلى تقليل المسامية وزيادة كثافة البنية الداخلية لعجينة الأسمنت، ما انعكس على رفع مقاومة الضغط وخفض النفاذية.
كما عزّز النانوغرافين مقاومة الضغط والشد والانحناء بفضل خصائصه الميكانيكية الفائقة وقدرته على الحد من انتشار الشروخ الدقيقة وتحسين الترابط بين مكونات الخرسانة.
ومن منظور الاستدامة، توفّر هذه التقنية نموذجًا متقدمًا لمواد البناء الذكية التي تعتمد على الطاقة الشمسية المجانية والمتجددة لتشغيل عملية التنظيف الذاتي دون استهلاك إضافي للطاقة، وهو ما يدعم جهود تعزيز كفاءة الطاقة في المباني والمنشآت.
ويؤدي خفض أعمال الصيانة الدورية إلى تقليل استهلاك الوقود والطاقة المستعملة في تشغيل المعدات ووسائل النقل المرتبطة بأعمال الصيانة.
كما تُسهم زيادة العمر الافتراضي للعناصر الخرسانية في خفض الطاقة الكامنة (Embodied Energy) المرتبطة بإنتاج مواد البناء الجديدة ونقلها واستبدالها، مما يعزّز دور القطاع الإنشائي في تحقيق أهداف الحياد الكربوني والتوسع في المباني الخضراء والمدن منخفضة الانبعاثات.
توجه واعد
أظهرت نتائج الدراسة أن إضافة 2% من ثاني أكسيد التيتانيوم النانوي حقّقت أعلى كفاءة في إزالة الملوثات العضوية وتحسين خاصية التنظيف الذاتي، في حين أسهمت إضافة 1% من أكسيد الألومنيوم النانوي في تحقيق تحسن ملحوظ في مقاومة الضغط وتقليل المسامية.
كما أثبتت إضافة 0.05% من النانوغرافين فاعلية كبيرة في تعزيز المتانة وتحسين الخصائص الميكانيكية للخرسانة.
وسجلت الخلطات الهجينة التي جمعت بين 2% من ثاني أكسيد التيتانيوم النانوي و1% من أكسيد الألومنيوم النانوي و0.05% من النانوغرافين أفضل النتائج، إذ حقّقت قدرة مرتفعة على التحلل الضوئي للملوثات العضوية، إلى جانب زيادة مقاومة الضغط وتحسين المتانة وتقليل امتصاص المياه مقارنة بالخرسانة التقليدية.
ويرجع ذلك إلى التكامل بين النشاط الفوتوكاتاليتيكي لثاني أكسيد التيتانيوم، ودور أكسيد الألومنيوم في تحسين البنية المجهرية، والخصائص الميكانيكية المتقدمة للنانوغرافين.

وتؤكد نتائج الدراسة أن دمج المواد النانوية في الخرسانة الفوتوكاتاليتيكية يمثّل توجهًا واعدًا نحو تطوير مواد بناء ذكية وصديقة للبيئة، قادرة على تنظيف نفسها ذاتيًا وتقليل تكاليف التشغيل والصيانة وإطالة العمر التشغيلي للمنشآت.
كما تدعم هذه التقنية جهود تعزيز كفاءة الطاقة من خلال خفض استهلاك الموارد وتقليل الانبعاثات الكربونية وتحسين جودة الهواء في المناطق الحضرية، بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة ومتطلبات المدن الذكية المستقبلية، ما يجعلها من أبرز الحلول المبتكرة القادرة على إحداث تحول نوعي في قطاع البناء والتشييد المستدام.
موضوعات متعلقة..
- خبيرة تبرز دور المدارس الخضراء في خفض الانبعاثات وتعزيز كفاءة الطاقة
- التدفئة المركزية تفتح فرصًا لتعزيز كفاءة الطاقة.. و3 محاور تدعمها
- معدل تحسن كفاءة الطاقة قد يرتفع 1.8% في 2025.. و4 عوامل تعوق التقدم
اقرأ أيضًا..
- واردات مصر من الغاز المسال تقفز 125% في مايو.. أكبر وجهة للصادرات الأميركية
- ملف خاص عن أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- تقارير دورية وتغطيات لوحدة أبحاث الطاقة





