قدرات توليد الكهرباء بين الاعتبارات البيئية والحاجات الملحّة لتلبية الطلب (تقرير)
نوار صبح
- ما بين 70 و80% من الأسر الريفية في ناميبيا ما تزال محرومة من الكهرباء
- في عالم تتّسم فيه أسعار النفط والغاز بالتقلب تبدو طاقة الرياح والطاقة الشمسية جذابة
- التحدي الأساس في مصادر الطاقة المتجددة يكمن في عدم انتظامها
- مصادر الطاقة المتجددة لا يمكنها أن تحلّ محلّ التوليد التقليدي بشكل كامل
يختلف تقييم قدرات توليد الكهرباء بين الاعتبارات البيئية والحاجة الملحّة لتلبية الطلب، خصوصًا في البلدان النامية التي تعاني من اضطراب الموارد وعدم استقرار الشبكات المحلية وسط التقلبات في الأسواق.
في هذا الإطار، غالبًا ما يُطرح السؤال بشأن الطاقة النظيفة مقابل متطلبات الكهرباء الأساسية على أنه خيار بسيط، لكن بالنسبة للدول النامية، فالأمر ليس بهذه البساطة بحسب ما يتوقع بعضهم.
وفي جميع أنحاء أفريقيا، يتمثل التحدي الرئيس لقدرات توليد الكهرباء في توفير تغذية موثوقة وبأسعار مناسبة لدعم التنمية، خصوصًا في المناطق النائية، بحسب مقال طالعته منصة الطاقة المتخصصة.
وما يزال مئات ملايين الأشخاص يفتقرون إلى الوصول المستمر إلى الكهرباء، وبالنسبة لهم، لا تُعدّ سياسة الطاقة نقاشًا نظريًا بشأن انبعاثات الكربون، بل هي مسألة تتعلق بقدرة المستشفيات على العمل، ونمو الشركات وإمكان دراسة الأطفال بعد غروب الشمس.
معدل التغطية الكهربائية في ناميبيا
في ناميبيا، يُمثّل هذا تحديًا حقيقيًا، إذ يُقدّر معدل التغطية الكهربائية في البلاد بنحو 50%، إلا أن ما بين 70 و80% من الأسر الريفية لا تزال محرومة من الكهرباء، في حين تصل نسبة الأسر الموصولة بشبكة الكهرباء في المناطق الحضرية إلى 70%.
ووسط تراجع قدرات توليد الكهرباء في البلاد، ما يزال نحو 40% من سكان ناميبيا يفتقرون إلى الكهرباء.
وتشير مستشارة الطاقة المستقلة كاثرين بورتر إلى أن ناميبيا تعتمد بشكل كبير على واردات الكهرباء من جنوب أفريقيا -التي تواجه بدورها تحديات في موثوقية الإمداد-، بالإضافة إلى زامبيا وزيمبابوي.
بدورها، تُنتج شركة نامباور (NamPower) نحو 40% فقط من احتياجات ناميبيا من الكهرباء، ولديها خطط لزيادة قدرتها الإنتاجية المحلية لتقليل الاعتماد على الواردات.
وترى كاثرين بورتر أنه على الرغم من أن منظمات مثل وكالة الطاقة الدولية تتحدث عن امتلاك ناميبيا موارد طاقة شمسية ورياح عالمية المستوى، وتزعم أن مصادر الطاقة المتجددة قادرة على خفض تكاليف الكهرباء في البلاد، فإن هذا الأمر يُعدّ محل نقاش.
وتضيف أن الكهرباء المنتجة محليًا قد تكون أرخص من الواردات، لكن من غير المرجّح أن تكون طاقة الرياح والطاقة الشمسية الحل الأرخص لجعل شبكة كهرباء وطنية تتمتع بمستويات مرونة مماثلة للشبكات الغربية.

دور مصادر الطاقة المتجددة
تقول مستشارة الطاقة المستقلة كاثرين بورتر، إن مصادر الطاقة المتجددة غالبًا ما تُطرح بصفتها حلًا مُقنعًا، لا سيما في عالم حريص على أن تتجنب الدول النامية مسار التصنيع كثيف انبعاثات الكربون الذي سلكته دول أخرى.
وتشير إلى أنه في عالم تتّسم فيه أسعار النفط والغاز بالتقلب، تبدو طاقة الرياح والطاقة الشمسية جذابة: فهي تعد بالتخلي عن الوقود المستورد وخفض تكاليف التشغيل.
وترى أنه بالنسبة للدول التي تواجه قيودًا مالية، يُعدّ هذا الأمر جذابًا بشكل واضح، مع ضرورة توخّي الحذر من الخلط بين قدرات توليد الكهرباء والواقع.
وتوضح كاثرين بورتر أن التحدي الأساس أمام مصادر الطاقة المتجددة يكمن في عدم انتظامها.
وقد يبدو من البدهي الإشارة إلى ذلك، لكن من المثير للدهشة أن الأشخاص غالبًا ما ينسون أن الطاقة الشمسية لا تُولّد الكهرباء ليلًا.
وبالمثل، فإن الرياح لا تهب دائمًا، وقد أثبتت الحجج القائلة بأن الرياح تهب دائمًا في مكان ما أنها مفرطة في التفاؤل في أوروبا، حيث يتزامن انخفاض إنتاج الرياح بين الأسواق نتيجةً للترابط العالي بين الأحوال الجوية.
وهذا يعني أن هذه التقنيات، بمفردها، تفشل في توفير الكهرباء باستمرار.
وتجدر الإشارة إلى جانب آخر للتقطع غالبًا ما يُغفَل عنه، وهو العلاقة بين وقت توليد الكهرباء ووقت الحاجة الفعلية إليها.
الطلب على الكهرباء
ترى مستشارة الطاقة المستقلة كاثرين بورتر أن الطلب على الكهرباء لا يبقى ثابتًا طوال اليوم، بل يتبع نمطًا محددًا، ففي معظم الأنظمة، يرتفع الطلب صباحًا مع استيقاظ الأشخاص وبدء عمل الشركات.
وقد ينخفض الطلب قليلًا في منتصف النهار، قبل أن يرتفع مجددًا بشكل حادّ مساءً مع عودة الأشخاص إلى منازلهم، وطهي الطعام، وتدفئة أو تبريد منازلهم، وتشغيل الأجهزة الكهربائية، وفق ما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.
وتُعدّ ذروة الطلب المسائية عادةً المدة الأكثر تحديًا لأنظمة الكهرباء، حيث يكون الطلب في أعلى مستوياته، وتكون الموثوقية في غاية الأهمية.
وفي هذه اللحظة تحديدًا، يتلاشى توليد الكهرباء بالطاقة الشمسية، بحسب ما تقول كاثرين بورتر.
حتى في الدول التي تتمتع بموارد شمسية ممتازة، حيث قد تصل عوامل القدرة إلى 25-30%، يتركز إنتاج الطاقة الشمسية في منتصف النهار ولا يتوافق مع أوقات ذروة الطلب، وهذا يُحدث خللًا بنيويًا في النظام.
إزاء ذلك، قد تُساعد الرياح أحيانًا في التخفيف من هذا الخلل، لكنها متغيرة للغاية ولا يُمكن الاعتماد عليها لتوليد الكهرباء في أوقات محددة، فهناك أوقات عديدة تسود فيها ظروف الرياح المنخفضة في مناطق جغرافية واسعة في آن واحد.
والنتيجة هي أنه حتى مع الاستثمار الكبير في طاقة الرياح والطاقة الشمسية، ما تزال قدرات توليد الكهرباء بحاجة إلى توليد ثابت وقابل للتوزيع يمكن الاعتماد عليه لتلبية الطلب خلال أوقات الذروة.
وتشير بورتر إلى أن هذه ليست مشكلة هامشية، بل تمثّل جوهر تصميم النظام.
وهذا يعني أن مصادر الطاقة المتجددة لا يمكنها أن تحلّ محلّ التوليد التقليدي بشكل كامل، بل يمكن إضافتها إلى نظام ما يزال بحاجة إلى سعة كافية لتلبية الطلب في أيّ وقت من اليوم، وتحت أيّ ظروف جوية.
ومن ثم، فإن استعمال طاقة الرياح والطاقة الشمسية يتطلب بناء نظامين، وليس نظامًا واحدًا: أحدهما لتوليد الكهرباء عندما يسمح الطقس بذلك، والآخر لضمان توفر الكهرباء دائمًا عندما يحتاج إليها الناس.
ويُعدّ هذا سببًا رئيسًا لارتفاع أسعار الكهرباء في الشبكات التي تعتمد بشكل كبير على مصادر الطاقة المتجددة المتقطعة.
حاجة الاقتصادات الحديثة للكهرباء
تقول مستشارة الطاقة المستقلة كاثرين بورتر، إن الاقتصادات الحديثة تحتاج إلى الكهرباء في كل ثانية يوميًا. من جانبها، تتوقع الأسر والشركات أن يضيء المصباح عند الضغط على مفتاح الإضاءة، بغضّ النظر عن وقت الضغط، أو عدد الأشخاص الآخرين الذين يضغطون على مفاتيح الإضاءة، أو حالة الطقس.
وتوضح كاثرين بورتر أن من الصعب للغاية تحقيق ذلك باستعمال طاقة الرياح والطاقة الشمسية، ليس فقط بسبب تقطُّعها، ولكن لأنها في الأساس تنتج النوع الخطأ من الكهرباء.
وتشير إلى أن شبكات الكهرباء تُبنى على التيار المتردد، أي التيار الذي يتغير بنمط موجة جيبية منتظمة مع مرور الوقت، وهو الشكل التقليدي للموجة الذي يتصوّره الجميع، ويتغير الجهد الكهربائي بالطريقة نفسها.
وتُولَّد هذه الكهرباء باستعمال بعض المبادئ الأساسية للفيزياء.
وعند تدوير مغناطيس داخل المجال المغناطيسي لمغناطيس آخر، يمكن توليد تيار في سلك، وفي شبكات الكهرباء، يحدث هذا في محطات الكهرباء التقليدية.

يُستعمل مصدر كهرباء خارجي لتشغيل المغناطيسات الكهربائية المثبتة على دوار، الذي يُدار بوساطة توربين ليدور داخل مغناطيس كهربائي آخر يُسمى الجزء الثابت.
وتدور التوربينات في جميع محطات الكهرباء بسرعة 3 آلاف دورة في الدقيقة لتوليد موجة بتردد 50 هرتز (بقسمة 3 آ لاف دورة في الدقيقة على 60 ثانية للحصول على 50 دورة في الثانية، أي 50 هرتز).
وبالنسبة للمهندسين، يمكن تقليل سرعة التوربين بإضافة مغناطيسات، فمغناطيس واحد ثنائي القطب يدور بسرعة 3 آلاف دورة في الدقيقة، في حين يدور مغناطيسين رباعيا القطب بنصف السرعة مع الحفاظ على التردد نفسه، وهذا ما يحدث في محطات الطاقة النووية.
وتُبنى شبكة الكهرباء بأكملها على هذه الخصائص: يتناوب التيار والجهد بتردد ثابت 50 هرتز، ويجب أن يظل حجم وشكل موجة الجهد ثابتين في جميع أنحاء الشبكة.
وقد صُممت الشبكة الكهربائية بأكملها للحفاظ على هذا الشكل الموجي المستقر.
وقبل توصيل أيّ محطة توليد بالشبكة، يجب أن تتطابق جهوده وتردده وطوره مع الشبكة، أي أن تتطابق قمم وقيعان الموجات، وتُعرف هذه العملية بالتزامن.
عند التوصيل، يصبح المولد متصلًا كهربائيًا بالشبكة بأكملها، تصبح جميع محطات التوليد على الشبكة فعليًا أجزاءً من الآلة الدوارة العملاقة نفسها، فهي متصلة بالشبكة ميكانيكيًا وكهرومغناطيسيًا.
وتضمن عملية التزامن توافق أشكال الموجات من جميع محطات توليد الكهرباء، بحيث لا تلغي إحداها الأخرى.
وإذا زاد الطلب على الكهرباء، تتعرض المولدات لحمل أكبر، ويميل دورانها إلى التباطؤ قليلًا، وينخفض تردد النظام. وعند تجاوز الإنتاج الطلب، تميل التوربينات إلى التسارع قليلًا، ويرتفع التردد.
عادةً ما تكون هذه التغيرات طفيفة للغاية، لكنها إشارات بالغة الأهمية تُخبر مشغّلي النظام ما إذا كان العرض والطلب متوازنين.
خاصية القصور الذاتي
يمكن لخاصية القصور الذاتي أن تمكّن محطات الكهرباء التقليدية من مقاومة تغيرات التردد؛ فمع انخفاض التردد، قد يُحاول النظام إبطاء دوران التوربينات، إلّا أنها عبارة عن كتل معدنية ضخمة وثقيلة يصعب تغيير سرعتها، ما يجعلها تقاوم هذه التغيرات وتُساعد في الحفاظ على استقرار التردد.
وترى مستشارة الطاقة المستقلة كاثرين بورتر أن هذا الأمر بالغ الأهمية، إذ قد تتعطل العديد من المعدات إذا ابتعد التردد عن 50 هرتز بشكلٍ كبير، بما في ذلك التوربينات، لذا فهي مزودة بمرحلات حماية تفصلها تلقائيًا عند رصد مستوى تردد خطير.
وتضيف أنه في حال بدأت محطات الكهرباء بالفصل، فسيؤدي ذلك إلى انقطاع التيار الكهربائي، لذا من الضروري جدًا تجنُّب حدوث ذلك.
وتشير إلى محطات التوليد التقليدية تتمتع بالقصور الذاتي الكهرومغناطيسي، ما يعني أنها تدعم الجهد الكهربائي.
ويُمكن عَدُّ الجهد الكهربائي بمثابة الضغط الكهربائي الذي يدفع التيار عبر الشبكة، وإذا ارتفع الجهد الكهربائي بشكل كبير أو انخفض بشكل كبير، فقد تتلف المعدّات.
موضوعات متعلقة..
- زيادة قدرات توليد الكهرباء في إيران 8 آلاف ميغاواط
- الطاقة النووية في أميركا تحظى بدعم وتمويل حكومي لتعزيز قدرات توليد الكهرباء (تقرير)
- مصر تعتزم الاستعانة بتوربينات الرياح العملاقة لزيادة قدرات توليد الكهرباء
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة
- تقارير دورية وتغطيات لوحدة أبحاث الطاقة
المصدر:





