الحرب الإسرائيلية الإيرانيةالمقالاترئيسيةغازمقالات الغازمقالات النفطملفات خاصةنفط

اضطراب إمدادات الطاقة.. كيف رفع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وفاقم التضخم؟ (مقال)

أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • الحرب أدت إلى اضطراب حاد في سلاسل إمداد الطاقة العالمية
  • استمرار ارتفاع أسعار الطاقة يُنذر بتفاقم الضغوط التضخمية مع مرور الوقت
  • مصافي التكرير الأميركية تعتمد على النفط الخام والمنتجات المكررة المستوردة لتحقيق التوازن الإقليمي
  • الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة أدى إلى ضغوط متجددة على الأسر والشركات الأميركية

يؤدي اضطراب إمدادات الطاقة العالمية، نتيجة للحرب على إيران، إلى ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة الذي يفاقم التضخم في البلاد، ويؤثر في المستهلكين وأسعار السلع وأنشطة مصافي التكرير المحلية.

وفي مطلع أبريل/نيسان الجاري، يقف الشرق الأوسط عند مفترق طرق هشّ بعد حملة عسكرية أميركية-إسرائيلية استمرت 6 أسابيع ضد إيران، بدأت في 28 فبراير/شباط الماضي.

واستهدفت العملية، التي أشارت إليها وثائق التخطيط الأميركية باسم "عملية الغضب الملحمي"، المنشآت النووية الإيرانية، وبنية الصواريخ الباليستية، والأصول البحرية، والقيادات العليا.

وردّت إيران بهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة في أنحاء المنطقة، وأغلقت فعليًا مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، الذي يمر عبره نحو 20% من النفط والغاز المسال عالميًا.

الهدنة واضطراب إمدادات الطاقة

أدى وقف إطلاق النار لمدة أسبوعَيْن بوساطة باكستانية وأُعلن في 7 أبريل/نيسان الجاري، إلى توقف مؤقت للعمليات العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران. إلا أن التوترات ما تزال قائمة.

فاستمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان، والغموض الذي يكتنف التزام إيران، جعلا وقف إطلاق النار هشًا. ومع هدوء حدة التوترات العسكرية فما تزال التداعيات الاقتصادية للحرب تتكشف.

وأدت الحرب إلى اضطراب إمدادات الطاقة العالمية، ما تسبّب في ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز. وسرعان ما انعكست هذه الزيادات على الاقتصاد الأميركي، لتصبح المحرك الرئيس للارتفاع الأخير في التضخم.

في 10 أبريل/نيسان الجاري، أفاد مكتب إحصاءات العمل بأن أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة ارتفعت بنسبة 3.3% على أساس سنوي في مارس/آذار المنصرم، مقارنة بنسبة 2.4% في فبراير/شباط الماضي. وشكّلت تكاليف الطاقة الجزء الأكبر من هذا الارتفاع، حيث قفزت أسعار البنزين وحدها بأكثر من 20% في مارس/آذار المنصرم.

أسعار البنزين في محطة وقود بمدينة كارلسباد بولاية كاليفورنيا الأميركية
أسعار البنزين في محطة وقود بمدينة كارلسباد بولاية كاليفورنيا الأميركية - الصورة من رويترز

صدمة سوق الطاقة واضطراب الإمدادات

أدى غلق مضيق هرمز إلى اضطراب أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، وتسبّب التوقف المفاجئ وتحويل مسارات شحنات النفط والغاز المسال في تضييق الإمدادات العالمية، على الرغم من استقرار الطلب.

وارتفعت تكاليف الشحن والتأمين بصورة كبيرة مع إعادة شركات التأمين تقييم المخاطر للسفن العابرة للخليج العربي.

وبالمثل، ارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب لناقلات النفط بصورة كبيرة، ما زاد من تكلفة نقل النفط والغاز.

وفاقمت الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الرئيسة للطاقة من حدة الاضطراب، فقد أدت الهجمات التي استهدفت مرافق تصدير الغاز المسال وحقول الغاز الرئيسة إلى انخفاض القدرة الإنتاجية، في حين أدت الاضطرابات اللوجستية إلى تباطؤ حركة ناقلات النفط.

وأدت زيادة طول مسارات الشحن وارتفاع تكاليف التأمين وقلة توافر ناقلات النفط إلى زيادة تكلفة تسليم النفط الخام والمنتجات المكررة والغاز المسال.

من جانبها، حتى الدول التي لا تعتمد بصفة مباشرة على واردات الطاقة من الخليج العربي شعرت بالتأثير، حيث تُحدد أسعار النفط في الأسواق العالمية.

من صدمة النفط إلى التضخم في الولايات المتحدة

أسهم الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة في زيادة التضخم بالولايات المتحدة عبر عدة قنوات.

وكان التأثير الأسرع والأكثر مباشرة من خلال أسعار البنزين؛ إذ يؤدي ارتفاع أسعار النفط الخام إلى زيادة تكاليف مدخلات المصافي، التي تنعكس سريعًا على المستهلكين عند استهلاكهم الوقود.

وشكّل الارتفاع الحاد في أسعار البنزين في مارس/آذار المنصرم الجزء الأكبر من الزيادة الشهرية في معدل التضخم الرئيس.

وأدت تكاليف الطاقة المرتفعة إلى زيادة نفقات النقل والخدمات اللوجستية في مختلف قطاعات الاقتصاد، وواجهت شركات النقل بالشاحنات وشركات الطيران وشركات الشحن فواتير وقود أعلى، ما انعكس على ارتفاع رسوم الشحن.

وانعكست هذه التكاليف على المستهلكين في أسعار السلع، بدءًا من المواد الغذائية وصولًا إلى المنتجات المُصنّعة.

بدورها، تؤثر أسعار الطاقة في تكاليف الإنتاج بقطاعات متعددة، ويُعد الغاز الطبيعي مدخلًا رئيسا في إنتاج الأسمدة والبتروكيماويات والكهرباء.

وأدى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي إلى زيادة تكاليف المدخلات الزراعية وزيادة تكاليف التشغيل للمصنعين ومزوّدي الخدمات، وأسهمت هذه الزيادات في ضغوط تضخمية أوسع نطاقًا ناتجة عن ارتفاع التكاليف. وتُظهر هذه التأثيرات مجتمعة كيف يمكن لصدمة جيوسياسية أن تتحول بسرعة إلى تضخم من خلال قنوات جانب العرض.

وعلى عكس التضخم الناتج عن الطلب، كان هذا التضخم مدفوعًا بارتفاع تكاليف المدخلات وليس بزيادة الطلب، ويُنذر استمرار ارتفاع أسعار الطاقة بتفاقم الضغوط التضخمية مع مرور الوقت.

اضطراب سوق الطاقة.. سلاسل التوريد والشحن وانتقال التكاليف في الولايات المتحدة

على الرغم من كون الولايات المتحدة منتجًا رئيسًا للطاقة، فإن أسعار الطاقة فيها ما تزال مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالأسواق العالمية.

ولذلك، انعكس اضطراب إمدادات الطاقة في الخليج العربي سريعًا على تكاليف الوقود والطاقة المحلية.

وأدى غلق مضيق هرمز وعسكرته جزئيًا إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط الخام العالمية؛ ما يؤثر بصورة مباشرة في أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات والبتروكيماويات في الولايات المتحدة.

تكاليف الشحن والتأمين تؤثر في أسعار الوقود بالولايات المتحدة

تسبّبت حرب إيران في ارتفاع حاد بأقساط التأمين ضد مخاطر الحرب لناقلات النفط العاملة في الخليج العربي؛ إذ بلغت في بعض الحالات أضعاف مستوياتها قبل الحرب.

وتعتمد مصافي التكرير الأميركية على النفط الخام والمنتجات المكررة المستوردة لتحقيق التوازن الإقليمي، لا سيما على الساحل الغربي وأجزاء من ساحل الخليج.

وأدى ارتفاع أسعار الشحن وأقساط التأمين إلى زيادة تكلفة تسليم النفط الخام والمنتجات البترولية التي تدخل الأسواق الأميركية، وحتى الشحنات التي لا تعبر الخليج العربي واجهت تكاليف أعلى.

وانخفضت سعة ناقلات النفط العالمية نتيجة لتغيير مسارات السفن بعيدًا عن المناطق عالية الخطورة أو تأخيرها في المواني.

وأدت زيادة طول المسارات إلى زيادة استهلاك الوقود ووقت العبور، ما رفع التكاليف، وأثرت هذه النفقات بصفة مباشرة في أسعار الوقود بالجملة في الولايات المتحدة؛ ما أدى إلى ارتفاع أسعار البنزين والديزل بالتجزئة على مستوى البلاد.

ضغط مزدوج على مصافي التكرير الأميركية

واجهت مصافي التكرير الأميركية ضغطًا مزدوجًا؛ أولًا: أدى ارتفاع أسعار النفط الخام العالمية إلى زيادة تكاليف المدخلات.

ثانيًا: أدى تقلّب أسواق المنتجات العالمية إلى اتساع هوامش الربح في التكرير، ولكنه زاد من أسعار الجملة. وتعرّضت المصافي التي تعتمد على النفط الخام المتوسط ​​والثقيل المستورد لضغوط، نظرًا إلى أن هذه الأنواع غالبًا ما تأتي من الشرق الأوسط، وسرعان ما انتقلت تكاليف المدخلات المرتفعة إلى المستهلكين.

وارتفعت أسعار البنزين بالتجزئة بصورة حادة في مارس/آذار المنصرم، وتبعتها أسعار الديزل ووقود الطائرات. ولأن الديزل يُعدّ مدخلًا رئيسًا للنقل بالشاحنات والشحن، فقد انتقلت هذه الزيادات بسرعة إلى تكاليف الخدمات اللوجستية للسلع في مختلف قطاعات الاقتصاد.

مصفاة شل دير بارك النفطية في ولاية تكساس الأميركية
مصفاة شل دير بارك النفطية في ولاية تكساس الأميركية - الصورة من أسوشيتد برس

الغاز المسال والغاز الطبيعي وتكاليف الصناعة الأميركية

أدت حرب إيران إلى تعطيل تدفقات الغاز المسال العالمية، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تُعدّ الآن من أكبر مُصدّري الغاز المسال في العالم، فإن الأسعار المحلية ما تزال تتأثر بالطلب العالمي.

ودفعت الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة في الخليج العربي والغموض بشأن تدفقات الغاز المسال الأسعار العالمية إلى الارتفاع.

وشجع ذلك صادرات الغاز المسال الأميركية؛ ما أدى إلى تقليص الإمدادات المحلية ورفع أسعار الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة.

وأثر ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي في تكاليف الكهرباء في الولايات المتحدة، لا سيما في المناطق التي تعتمد على الغاز، وزاد من تكاليف المدخلات للصناعات التي تعتمد على الغاز الطبيعي بوصفه مادة خامًا، بما في ذلك الصناعات الكيميائية والبلاستيكية والأسمدة.

الأسمدة وتكاليف الغذاء والتصنيع

يُعدّ الغاز الطبيعي مدخلًا أساسيًا للأسمدة الأزوتية (النيتروجينية).

وأدّى ارتفاع أسعار الغاز إلى زيادة تكاليف إنتاج الأسمدة؛ ما رفع -بدوره- تكاليف المدخلات في الزراعة الأميركية.

وانعكست هذه التكاليف المرتفعة لاحقًا على أسعار الغذاء، مُساهمةً في ضغوط تضخمية أوسع.

ولم تقتصر آثار اضطراب إمدادات الطاقة على الزراعة، وإنما واجهت قطاعات التصنيع كثيفة استهلاك الطاقة، بما في ذلك الصلب والألومنيوم والأسمنت والبتروكيماويات، ارتفاعًا في تكاليف التشغيل.

وانعكست هذه التكاليف على أسعار مواد البناء والسلع الاستهلاكية والمدخلات الصناعية، مُضخّمةً تضخم التكاليف في قطاعات مُتعددة.

انتقال التكاليف إلى الاقتصاد الأوسع

أدّى ارتفاع أسعار النفط الخام والغاز الطبيعي والوقود المُكرّر إلى زيادة التكاليف في قطاعات النقل والتصنيع والزراعة.

وانعكست هذه الزيادات على ارتفاع أسعار السلع والخدمات في جميع أنحاء الاقتصاد الأميركي.

وهذا يُبيّن كيف يُمكن لصدمة جيوسياسية خارجية أن تتحوّل بسرعة إلى تضخم محلي، حتى في بلد يتمتّع بإنتاج محلي كبير للطاقة.

الآثار الاقتصادية والسياسية

أدى الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة إلى ضغوط متجددة على الأسر والشركات الأميركية، فقد زادت تكاليف البنزين والديزل من نفقات النقل والخدمات اللوجستية، ما رفع أسعار السلع والخدمات في مختلف قطاعات الاقتصاد.

وتسبّب ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي في زيادة فواتير الكهرباء وتكاليف المدخلات للقطاعات كثيفة استهلاك الطاقة، مثل الصناعات الكيميائية والأسمدة والتصنيع وإنتاج الغذاء.

وأدت هذه العوامل مجتمعة إلى انخفاض القدرة الشرائية للأسر وتقليص هوامش ربح الشركات؛ ما عزّز الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع التكاليف.

ويمثّل هذا الوضع تحديًا سياسيًا لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، فنظرًا إلى أن الضغوط التضخمية الحالية مدفوعة بالعرض أكثر من الطلب، فإن تشديد السياسة النقدية يُنذر بتباطؤ النشاط الاقتصادي دون خفض ضغوط الأسعار بشكل فوري.

إزاء ذلك، يتعيّن على صانعي السياسات الموازنة بين احتواء التضخم وتجنّب تباطؤ اقتصادي أوسع.

أما الآثار السياسية الناتجة عن اضطراب إمدادات الطاقة فهي لا تقل أهمية، فارتفاع أسعار الوقود والمستهلكين أمرٌ واضحٌ للناخبين، وقد أثر تاريخيًا في الرأي العام.

ومع اقتراب الولايات المتحدة من انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2026، من المرجح أن يؤثر التضخم المستمر وارتفاع تكاليف الطاقة في النقاش السياسي، ما يشكّل تصورات الإدارة الاقتصادية وسياسة الطاقة وقرارات السياسة الخارجية.

محطة لتصدير الغاز المسال في مدينة كاميرون بولاية لويزيانا الأميركية
محطة لتصدير الغاز المسال في مدينة كاميرون بولاية لويزيانا الأميركية - الصورة من بلومبرغ

التوقعات

يُمثّل وقف إطلاق النار هدنة مؤقتة، وليس نهاية للأزمة.

وما تزال أسواق الطاقة شديدة التأثر بالتطورات الجيوسياسية، لا سيما وضع مضيق هرمز، وتطبيع تكاليف الشحن والتأمين، وإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة للطاقة في منطقة الخليج العربي.

وحتى في حال صمود وقف إطلاق النار، فمن المرجح استمرار اضطرابات سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف النقل، ما يُبقي أسعار الطاقة متقلبة على المدى القريب.

وفي حال استئناف العمليات العسكرية أو انهيار وقف إطلاق النار، قد تشهد أسواق النفط والغاز المسال مزيدًا من التضييق؛ ما يُؤدي إلى ضغط تصاعدي متجدد على أسعار الطاقة والتضخم في الولايات المتحدة.

في المقابل، قد يُسهم خفض التصعيد المستمر وإعادة فتح الطرق البحرية الرئيسة في تخفيف قيود الإمداد تدريجيًا، على الرغم من أنه من غير المرجح أن تتلاشى ضغوط الأسعار فورًا؛ نظرًا للأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وارتفاع علاوات المخاطر.

بوجه عام، تُوضح الحرب الإيرانية-الإسرائيلية كيف يُمكن للصراع الجيوسياسي أن ينتقل بسرعة عبر أسواق الطاقة العالمية إلى الاقتصاد الأميركي.

وكان اضطراب إمدادات الطاقة وانقطاعها وما نتج عنه من ارتفاع في أسعارها من العوامل الرئيسة وراء الارتفاع الأخير في التضخم. وبالتالي، فإن استمرار وقف إطلاق النار وتطور أسواق الطاقة سيؤديان دورًا مهمًا في تشكيل مستويات التضخم في الولايات المتحدة والظروف الاقتصادية الأوسع نطاقًا في الأشهر المقبلة.

 

الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".

* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

 

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق