قبل عودة الغاز الإسرائيلي.. ماذا عرضت الجزائر على مصر والأردن؟
خاص - الجزائر

طُرِح اسم الجزائر أحد البدائل أمام مصر والأردن خلال الأيام الأخيرة، لتعويض النقص الناتج عن انقطاع إمدادات الغاز الإسرائيلي التي فرضت تحديات كبيرة على قطاع الطاقة في البلدين العربيين.
وكشفت مصادر مطّلعة -في تصريحات إلى منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- أن الجزائر عرضت تزويد الأردن بالغاز خلال مارس/آذار المنصرم، لكن لم يتوصل الطرفان لأيّ اتفاقات حينها.
وجاء الحراك في توقيت حسّاس، مع اعتماد القاهرة وعمّان بدرجات متفاوتة على واردات الغاز الإسرائيلي، خاصةً من حقل ليفياثان، الذي أُغلِق نحو 34 يومًا، قبل أن يعود الضخ مساء الجمعة 3 أبريل/نيسان الجاري.
وتوقفت تدفقات الغاز الإسرائيلي إلى مصر والأردن مع نهاية فبراير/شباط 2026، بعد إغلاق احترازي لعدد من الحقول في شرق المتوسط، وتفعيل بند "القوة القاهرة" في العقود.
وتُعدّ مصر من أكبر المستوردين للغاز الإسرائيلي، إذ كانت تستقبل ما بين مليار و1.1 مليار قدم مكعبة يوميًا قبل الأزمة، في حين يعتمد الأردن على الاتفاقية الموقّعة عام 2016 لمدة 15 عامًا، التي بدأ تنفيذها في 2020.
من جانبها، أرسلت منصة الطاقة طلبات تعليق منفصلة إلى كل من وزارة الطاقة الجزائرية، وشركة النفط والغاز الحكومية سوناطراك، وكذلك وزارة الطاقة الأردنية، ووزارة البترول المصرية، وسفارة الجزائر لدى مصر، لكن لم يتسنَّ الحصول على ردود حتى الآن.
الغاز المسال الجزائري
برز الغاز المسال الجزائري مصدرًا محتملًا، في ظل امتلاك البلاد أحد أكبر احتياطيات الغاز في أفريقيا، وقدرتها على التصدير عبر الغاز المسال أو خطوط الأنابيب.
وكشفت مصادر تحدثت إليها منصة الطاقة المتخصصة، أن التحرك الجزائري لم يكن قائمًا على "مِنح"، بل في إطار تفاهمات تجارية أو سياسية محتملة، تحكمها اعتبارات السوق والعقود طويلة الأجل.
وأبدت الجزائر استعدادها لتوفير شحنات من الغاز المسال إلى مصر، في إطار دعم استقرار الإمدادات خلال فترة توقف الغاز الإسرائيلي ولدعم أمن الطاقة في البلاد.

وتعتزم القاهرة التعاقد على نحو 15 شحنة من الغاز المسال خلال أبريل/نيسان، في ظل ارتفاع تكلفة الشحنة الواحدة إلى نحو 80 مليون دولار، مقارنة بـ48 مليون دولار فقط في فبراير/شباط.
وتأتي التحركات وسط فجوة متزايدة بين الإنتاج والاستهلاك، إذ يبلغ إنتاج مصر حاليًا نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يوميًا، مقابل احتياجات تصل إلى 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى 7.2 مليار خلال فصل الصيف.
وتُعدّ مصر شريكًا إستراتيجيًا للجزائر في عدّة ملفات إقليمية، وهو ما عزز من فرص التعاون في قطاع الطاقة، خاصة في ظل اعتماد القاهرة المتزايد على الاستيراد لسدّ الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.
وأسهمت عودة الغاز الإسرائيلي قبل أيام، عبر حقلي تمار وليفياثان، في تخفيف الضغوط على كل من مصر والأردن، لكنها لم تُلغِ الحاجة إلى تنويع مصادر الإمداد.
موقف الجزائر من الأردن
أثار موقف الجزائر من تتصنيفاتزويد الأردن بالغاز جدلًا واسعًا مؤخرًا، خاصةً بعد تداول تصريحات نُسِبت إلى الخبير الأردني عامر الشوبكي، أشار فيها إلى أن الجزائر دعمت مصر دون الأردن.
ونفت مصادر جزائرية وجود أيّ موقف تمييزي، مؤكدةً أن سياسة الطاقة في البلاد تقوم على المصالح والعقود التجارية، وليس على المنح أو الاعتبارات السياسية المباشرة.
وتعود جذور الملف إلى عام 2019، إذ قال مقرر لجنة الطاقة في مجلس النواب الأردني آنذاك، موسى هنطش، إن الجزائر عرضت تزويد الأردن بكامل احتياجاته من الغاز بأسعار تفضيلية.
وأوضح أن السفير الجزائري في عمّان أبلغه بهذا العرض، إلّا أن الحكومة الأردنية لم تمضِ قدمًا في تفعيله، دون تقديم مبررات واضحة، في وقت كانت فبيه المملكة تمضي بتنفيذ اتفاقية استيراد الغاز الإسرائيلي.
من جانبه، ردّ السفير الجزائري في عمّان – وقتها- محمد بوروبة أن ما جرى تداوله يعود في الأصل إلى تفاهمات أقدم، مشيرًا إلى أن السفارة ليست جهة مختصة بتقديم عروض الأسعار، وأن الملف يخضع لقنوات رسمية عبر وزارات الطاقة في البلدين.
وأشار إلى إن الجهات المختصة في الأردن -وهي وزارة الطاقة والثروة المعدنية- طلبت من الجزائر في عام 2016 توقيع اتفاقية تفاهم في مجال الطاقة، على هامش مؤتمر دولي للطاقة عُقِد في الأردن ذلك العام.
وأثار الاعتماد على الغاز الإسرائيلي في الأردن جدلًا داخليًا واسعًا في أوقات سابقة، إذ وصفه معارضون بأنه "تطبيع اقتصادي"، وطالبوا بالبحث عن بدائل عربية، وعلى رأسها الغاز الجزائري.
وشهدت العلاقات الجزائرية الأردنية خلال السنوات الأخيرة حراكًا ملحوظًا، خاصةً بعد زيارة العاهل الأردني إلى الجزائر في ديسمبر/كانون الأول 2022، ولقائه بالرئيس عبدالمجيد تبون.
كما استقبل وزير الطاقة الجزائري محمد عرقاب وفدًا برلمانيًا أردنيًا في فبراير/شباط 2023، وأكد استعداد بلاده لدراسة تزويد الأردن بالنفط والغاز، وتضمنت المباحثات إمكان توسيع التعاون ليشمل التخزين والتوزيع، إضافة إلى مشروعات اقتصادية أخرى بين البلدين.
ويرتبط الأردن منذ عام 2016 بعقد طويل الأجل لاستيراد الغاز من إسرائيل لمدة 15 عامًا، بقيمة تُقدّر بنحو 10 مليارات دولار، وبدأ التنفيذ الفعلي في 2020.
ويعتمد الاتفاق على إمدادات من حقل ليفياثان، الذي تبلغ طاقته الإنتاجية نحو 12 مليار متر مكعب سنويًا، مع خطط لرفعها إلى 14 مليار متر مكعب خلال 2026، ثم إلى أكثر من 20 مليار متر مكعب لاحقًا.
وكشف وزير المالية الأردني عبد الحكيم الشبلي أنّ توقُّف إمدادات الغاز الإسرائيلي خلال مارس/آذار 2026 كلّف خزينة الدولة نحو 80 مليون دينار (112.84 مليون دولار)، ما يعكس حجم التأثير المباشر لأيّ انقطاع في هذا المصدر الحيوي.
أولويات الجزائر
رغم التحركات لدعم مصر والأردن، تواجه الجزائر قيودًا حقيقية في زيادة صادراتها، إذ تلتزم بعقود طويلة الأجل مع الأسواق الأوروبية، التي زادت اعتمادها عليها بعد الحرب الروسية الأوكرانية.
وأظهرت بيانات وحدة أبحاث الطاقة ارتفاع صادرات الغاز المسال الجزائري بنسبة 41% خلال مارس/آذار 2026، لتصل إلى 938 ألف طن، مقارنة بـ667 ألف طن في فبراير/شباط، مع تصدُّر فرنسا قائمة المستوردين بنحو 347 ألف طن، تليها تركيا بـ337 ألف طن، ثم المملكة المتحدة وإسبانيا وكرواتيا وإيطاليا بكميات متفاوتة.
الإنفوغرافيك التالي -من إعداد منصة الطاقة المتخصصة- يستعرض أبرز الدول المستوردة للغاز الجزائري في الربع الأول 2026:

وتسعى الجزائر – حاليًا- إلى إعادة التفاوض على الأسعار، ورفعها بنسبة تتراوح بين 15% و20% على الكميات الإضافية، مستفيدةً من ارتفاع الطلب العالمي.
وتشير تقديرات منصة الطاقة المتخصصة إلى أن صادرات الجزائر بالقرب من طاقتها الإنتاجية القصوى، التي بلغت نحو 56 مليار متر مكعب في 2022، وهي الأعلى منذ أكثر من عقد.
وتستهلك الجزائر جزءًا كبيرًا من الإنتاج البالغ 101.84 مليار متر مكعب سنويًا محليًا، في حين تذهب الحصة الكبرى من الصادرات إلى أوروبا بموجب عقود طويلة الأجل، خاصةً بعد زيادة الطلب الأوروبي عقب الحرب الروسية الأوكرانية.
وحصلت إيطاليا وحدها على نحو 4 مليارات متر مكعب من الفائض الجزائري، مع اتفاق لرفع الإمدادات بنحو 9 مليارات متر مكعب إضافية، في حين دخلت دول مثل فرنسا وإسبانيا والبرتغال بمنافسة مباشرة على الإمدادات الجزائرية، ما يقلّص فرص توافر كميات إضافية لدول أخرى في المدى القصير.
ورغم وجود بعض القدرات غير المستغلة في منشآت التسييل، إذ تعمل بنسبة تتراوح بين 50 و60% من طاقتها، فإن تحقيق زيادات كبيرة في الإنتاج يتطلب استثمارات ضخمة في التنقيب والبنية التحتية.
وترى المصادر أن أيّ إمدادات إضافية إلى مصر أو الأردن تظل محدودة ومشروطة بظروف السوق، أو إعادة توجيه شحنات قائمة.
موضوعات متعلقة..
- استئناف ضخ الغاز الإسرائيلي إلى الأردن.. ومصر تترقب زيادة الإمدادات
- تكلفة انقطاع الغاز الإسرائيلي عن الأردن.. وتعرفة الكهرباء (تعليق رسمي)
اقرأ أيضًا..
- وزير النفط الليبي السابق ينصح بعقد تصدير طويل مع مصر (خاص)
- إنتاج مصر من الغاز.. بين الاكتشافات الجديدة والثقة بإدارة الملف (مقال)
- هل تلبي الطاقة النووية في أفريقيا احتياجات الكهرباء الموثوقة؟ مصر نموذجًا (تقرير)





