تقارير الطاقة المتجددةرئيسيةطاقة متجددة

دراسة توصي بتعميم وحدات الغاز الحيوي الصغيرة في الريف المصري

داليا الهمشري

لم يعد الغاز الحيوي مجرد فكرة بيئية، بل بات أحد الحلول العملية التي تربط بين إدارة المخلفات الزراعية وتوفير طاقة نظيفة منخفضة التكلفة، ولا سيما في القرى والمناطق الريفية، حيث يمكن لمخلّفات الماشية أن تتحول إلى مصدر للوقود المنزلي وسماد عضوي عالي الجودة، عبر تقنيات بسيطة نسبيًا.

ويُعدّ الغاز الحيوي أحد أشكال الطاقة المتجددة الناتجة عن معالجة الكتلة الحيوية، أي المواد العضوية القادمة من النباتات والحيوانات، وتبرز أهميته بصفته خيارًا يجمع بين البعد البيئي والاقتصادي، خصوصًا لصغار المزارعين.

وفي هذا الإطار، سلّطت دراسة -أعدّها مسؤول الطاقة الحيوية بجمعية عين البيئة، المهندس محمد سعيد، واطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- الضوء على الإمكانات الكبيرة لوحدات الغاز الحيوي الصغيرة في مصر، خاصةً مع استمرار أساليب تقليدية لمعالجة روث الماشية تتسبب في خسارة مورد طاقة محتمل.

وتمتلك مصر مقومات قوية للتوسع في إنتاج الغاز الحيوي، في ظل توافر كميات ضخمة ومتجددة من الكتلة الحيوية، سواء من المخلّفات الزراعية وروث الماشية أو النفايات العضوية المنزلية، ما يوفّر قاعدة خام مستقرة يمكن استغلالها لإنتاج طاقة محلية منخفضة التكلفة.

تحقيق قيمة مضافة

ينتج الغاز الحيوي من تحلل المواد العضوية، مثل روث الماشية وبقايا المحاصيل والنفايات العضوية، في غياب الأكسجين، عبر عملية تُعرف بالهضم اللاهوائي.

وخلال هذه العملية تتحلل المكونات العضوية بفعل بكتيريا متخصصة، لينتج خليط غازي يتكون من الميثان بنسبة تتراوح بين 55 و70%، وهو العنصر المسؤول عن قابلية الاشتعال والقيمة الحرارية، إلى جانب ثاني أكسيد الكربون بنسبة تتراوح بين 25 و35%، وكميات محدودة من غازات أخرى مثل كبريتيد الهيدروجين.

وتجري هذه العملية داخل وحدة مغلقة تُسمى "الهاضم الحيوي"، توفر بيئة خالية من الأكسجين تسمح للبكتيريا بأداء دورها بكفاءة، ولا يقتصر ناتج الهضم اللاهوائي على الغاز فقط، بل ينتج عنه أيضًا سماد حيوي سائل غني بالعناصر الغذائية، ما يجعل الوحدة تحقق منفعة مزدوجة في آن واحد.

جمع عينات من المخلفات لإنتاج الغاز الحيوي في أحدى القرى المصرية
جمع عينات من المخلّفات لإنتاج الغاز الحيوي في أحدى القرى المصرية

وتشير الدراسة إلى أن التحول من الأسلوب التقليدي القائم على ترك المخلّفات لتتخمر في الهواء الطلق إلى المعالجة اللاهوائية داخل الهاضم يمثّل نقلة نوعية، إذ يوفر غازًا يمكن استعماله في الطهي أو تسخين المياه أو حتى توليد الكهرباء، في الوقت نفسه ينتج سمادًا يحتوي على نحو 50% مادة عضوية وخاليًا من بذور الحشائش والميكروبات المرضية.

وبهذا التحول لا يحدث التخلص الآمن من المخلّفات فحسب، بل تتحول إلى قيمة مضافة تسهم في خفض تكاليف الطاقة والأسمدة وتعزيز العائد الاقتصادي للمزارعين.

أنواع الهاضمات الحيوية

تُعرَف وحدة الإنتاج باسم "محطة البيوغاز"، وتتمثل وظيفتها في توفير بيئة محكمة الإغلاق وخالية من الأكسجين، وتشمل أبرز الأنواع:

الهاضم ثابت القبة (Fixed Dome Digester):

يُبنى غالبًا من الخرسانة أو الطوب، ويتميز بالمتانة وقلة احتياجه للصيانة، مع كفاءة جيدة في تخزين الغاز، رغم ارتفاع تكلفته الأولية نسبيًا.

الهاضم ذو الأسطوانة العائمة  (Floating Drum Digester)

يحتوي على أسطوانة معدنية تطفو فوق السائل، وترتفع وتنخفض حسب كمية الغاز المتكون؛ ما يسهّل متابعة مستوى الإنتاج، لكنه يحتاج إلى صيانة دورية.

وتشير الدراسة إلى أنه عند مقارنة السماد الحيوي الناتج عن وحدات البيوغاز بالسماد البلدي التقليدي، تظهر فروق واضحة في المحتوى والقيمة الزراعية، فالسماد البلدي يحتوي عادةً على نسب منخفضة من المادة العضوية والنيتروجين، مع وجود ميكروبات مرضية وبذور حشائش قد تؤثر سلبًا في التربة والمحصول، كما يتسبب في روائح وانتشار للذباب.

في المقابل، يتميز السماد الحيوي بارتفاع نسبة المادة العضوية والعناصر الغذائية وتوازنها، وخلوّه من الملوثات والأطوار الضارة، ما يجعله أكثر أمانًا وكفاءة في الاستعمال الزراعي، ويسهم في زيادة إنتاجية الأرض.

كفاءة وحدات الغاز الحيوي

تلفت الدراسة إلى أن كفاءة وحدة الغاز الحيوي تتأثر بعدّة عوامل، في مقدمتها درجة الحرارة التي تُعدّ مثالية عند نحو 35 درجة مئوية، إذ يتراجع الإنتاج مع انخفاضها ويتوقف عند الصفر.

كما يتطلب الأمر خلط روث الماشية بالماء بنسبة متساوية تقريبًا لتوفير بيئة مناسبة لنشاط البكتيريا، مع الحفاظ على درجة حموضة قريبة من التعادل، تتراوح بين 7 و8، حتى لا يتعطل نشاط الكائنات الدقيقة المسؤولة عن إنتاج الغاز.

وتؤدي فترة المكوث داخل الهاضم دورًا مهمًا كذلك، إذ تمتد في الظروف المصرية بين 25 و40 يومًا بحسب درجة الحرارة ونوع المخلّفات، مع ضرورة تجنُّب دخول مواد سامة، مثل بعض المنظفات أو المضادات الحيوية التي قد تقضي على البكتيريا النافعة.

عينات من السماد الحيوي الناتج عن وحدات البيوغاز
عينات من السماد الحيوي الناتج عن وحدات البيوغاز

أمّا من الناحية التشغيلية، فتحتاج الوحدة إلى تغذية يومية منتظمة بخليط الروث والماء، مع إزالة الشوائب، وإجراء تقليب دوري لمنع تكون طبقات عازلة تعوق خروج الغاز.

كما تتطلب متابعة شبكة نقل الغاز والتأكد من عدم وجود تسريبات، إلى جانب تفريغ المياه المتكثفة والسماد الناتج بصورة منتظمة للحفاظ على كفاءة التشغيل.

وتخلص الدراسة إلى أن تعميم وحدات البيوغاز الصغيرة في الريف يمثّل فرصة حقيقية لتحقيق معادلة الاستفادة القصوى من المخلّفات، عبر تحويلها إلى طاقة نظيفة وسماد عالي الجودة، بما يحدّ من الانبعاثات ويحسّن البيئة المحلية ويعزز الإنتاج الزراعي في الوقت نفسه، ليصبح الغاز الحيوي نموذجًا عمليًا للتنمية المستدامة على المستوى المحلي.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

 

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق