رفع العقوبات عن النفط الإيراني العالق في البحر.. ورد صادم من طهران

يحمل قرار الولايات المتحدة برفع العقوبات عن النفط الإيراني العالق على متن ناقلات في البحر لمدة 30 يومًا أبعادًا اقتصادية وسياسية معقّدة.
وقُوبل القرار، الذي تسعى إدارة ترمب من ورائه لكبح جماح أسعار الوقود التي قفزت بفعل حرب الشرق الأوسط، برد إيراني شكّك في جدواه وأهدافه، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن تأثيره الفعلي في الأسواق العالمية.
وتأتي خطوة رفع العقوبات عن النفط الإيراني، وفق تقديرات منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، في توقيت شديد الحساسية، إذ تشهد أسواق الطاقة اضطرابات غير مسبوقة منذ اندلاع المواجهات العسكرية أواخر فبراير/شباط 2026.
وأدت تطورات الحرب وما تبعها من توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط بأكثر من 50% خلال 3 أسابيع، وسط مخاوف من نقص حاد في الإمدادات.
إعفاء مؤقت للنفط الإيراني
تُقدّر وزارة الخزانة الأميركية أن نحو 140 مليون برميل من النفط الإيراني عالقة حاليًا في البحر على متن ناقلات لم تتمكن من تفريغ حمولتها بسبب العقوبات.
وأصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصًا عامًا يشمل شحنات النفط والمشتقات النفطية الموجودة على متن السفن بدءًا من يوم الجمعة، مع السماح بإتمام صفقات الشراء حتى 19 أبريل/نيسان.
وتأتي الخطوة في أعقاب إجراءات مشابهة طُبّقت على النفط الروسي الموجود في البحر، بهدف تخفيف حدة أزمة إمدادات الوقود غير المسبوقة التي فرضتها تداعيات الحرب.
وتعكس الخطوة تحوّلًا تكتيكيًا في سياسة واشنطن، التي تسعى إلى استعمال النفط الإيراني نفسه بوصفه أداة لتهدئة الأسعار، دون تقديم تنازلات جوهرية إلى طهران.

في المقابل، جاء الرد الإيراني سريعًا ومفاجئًا، إذ نفى المتحدث باسم وزارة النفط الإيرانية، سامان قدوسي، وجود كميات عائمة من الخام الإيراني بالأساس.
وقال قدوسي، في تغريدة عبر منصة "إكس": "في الوقت الحالي، إيران لا تملك بالأساس نفطًا خامًا عائمًا أو فائضًا للعرض في الأسواق الدولية الأخرى".
وأضاف: "تصريح وزير الخزانة الأميركية هو فقط بهدف إعطاء الأمل للمشترين والتحكم النفسي في السوق".
ويضع الرد الإيراني علامات استفهام حول دقة التقديرات الأميركية، ويشير إلى أن طهران ترى في الخطوة الأميركية محاولة للتأثير النفسي على الأسواق أكثر من كونها إجراءً عمليًا فعّالًا.
رفع العقوبات عن النفط الإيراني
لا يمكن فصل قرار رفع العقوبات عن النفط الإيراني عن الضغوط السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، إذ يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحديات متزايدة مع ارتفاع أسعار الوقود، التي تؤثر بصفة مباشرة في الناخبين.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، يخشى الجمهوريون من أن يؤدي استمرار التضخم إلى تقويض فرصهم في الاحتفاظ بالكونغرس، لذلك تسعى الإدارة الأميركية إلى اتخاذ إجراءات سريعة لخفض الأسعار، حتى وإن كانت مؤقتة.
ووصف وزير الخزانة سكوت بيسنت الإعفاء بأنه تفويض محدود وقصير الأجل يتيح بيع شحنات النفط الإيرانية العالقة، مؤكدًا أن إيران ستواجه صعوبة في الوصول إلى عائدات هذه المبيعات.
وقدّرت شركة الاستشارات "إنرجي أسبيكتس" في 19 مارس/آذار وجود ما بين 130 مليونًا و140 مليون برميل من النفط الإيراني في المياه، وهو ما يعادل أقل من 14 يومًا من خسائر الإنتاج الحالية في الشرق الأوسط.
ورغم ضخامة الكميات المعلنة عن النفط الإيراني العالق في البحر، يشكك محللون في قدرتها على إحداث تأثير ملموس في السوق، خاصة في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية.
وتشير تقديرات شركات تحليل الطاقة إلى أن هذه الكميات تعادل أقل من أسبوعَيْن من خسائر الإمدادات الحالية، ما يعني أن تأثيرها سيكون مؤقتًا ومحدودًا.
وقال المحلل الرئيس في شركة أوبسيديان ريسك أدفايزرز، بريت إريكسون، إن جهود إدارة ترمب للسيطرة على أسعار النفط لن يكون لها تأثير ملموس حتى يُفتح مضيق هرمز أمام السفن.
وأضاف إريكسون: "إن تخفيف العقوبات يثير مخاوف بشأن الاستنزاف السريع لأدوات واشنطن الاقتصادية" لكبح أسعار النفط.
واستطرد: "إذا وصلنا إلى مرحلة تخفيف العقوبات على الدولة التي نخوض معها حربًا، فإننا في الواقع نفقد خياراتنا".
ويظل إغلاق مضيق هرمز –الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية- العامل الأكثر تأثيرًا في السوق، إذ يقيّد حركة الشحن ويزيد تكاليف النقل والتأمين.
أكبر المستفيدين
من المتوقع أن تكون آسيا، خاصة الصين والهند، المستفيدة الرئيسة من خطوة رفع العقوبات عن النفط الإيراني، نظرًا إلى اعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط.
وتُعد الصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، إذ استحوذت على أكثر من 80% من صادراته خلال السنوات الأخيرة، مستفيدة من الخصومات الكبيرة التي تقدمها طهران.
وبحسب بيانات كبلر، اشترت الصين في المتوسط 1.38 مليون برميل يوميًا من النفط الإيراني خلال العام الماضي، ويمثّل هذا نحو 13.4% من إجمالي وارداتها من النفط عبر البحر، التي بلغت 10.27 مليون برميل يوميًا.
ومع الإعفاء الجديد، قد تدخل مصافٍ آسيوية أخرى على خط الشراء، بما في ذلك الهند وكوريا الجنوبية، رغم التحديات المتعلقة بآليات الدفع والعقوبات المالية.

ولم تستورد الولايات المتحدة كميات كبيرة من النفط الإيراني منذ أن فرضت واشنطن إجراءات عقب ثورة عام 1979، ولم يتضح ما إذا كان أي نفط إيراني سيصل إلى أميركا نتيجةً لهذا الإعفاء.
وتُعد كوبا وكوريا الشمالية وشبه جزيرة القرم من بين المناطق المستثناة من الترخيص، الذي سيظل ساري المفعول حتى 19 أبريل/نيسان.
وكانت مصافي التكرير الصينية المستقلة هي المشترية الرئيسة للنفط الإيراني الخاضع للعقوبات، مستفيدةً من الخصومات الكبيرة التي حصلت عليها في حين امتنعت جهات أخرى عن الشراء.
كما كانت الهند وكوريا الجنوبية واليابان وإيطاليا واليونان وتايوان وتركيا من كبار مشتري النفط الإيراني قبل إعادة فرض العقوبات الأميركية في عام 2018.
ورغم فتح الباب أمام مشترين جدد، فإن الطريق ليس مفروشًا بالورود، إذ تواجه الشركات عدة تحديات، أبرزها:
- صعوبة تحويل الأموال بسبب القيود المصرفية.
- التعامل مع ناقلات "أسطول الظل" القديمة.
- مخاطر الامتثال للعقوبات الأميركية.
- غموض الشروط القانونية للإعفاء.
وتشير مصادر في قطاع التكرير إلى أن إتمام الصفقات قد يستغرق وقتًا، ما يقلّل من سرعة تأثير الإمدادات الجديدة في السوق.
وتعكس أزمة النفط الإيراني الحالية تداخلًا معقدًا بين السياسة والاقتصاد، إذ تستغله واشنطن أداة للضغط على طهران، وفي الوقت نفسه وسيلة لتهدئة الأسواق.
وتحمل هذه الإستراتيجية مخاطر، إذ يرى بعض المحللين أن اللجوء إلى تخفيف العقوبات خلال الحرب قد يشير إلى محدودية الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة.
موضوعات متعلقة..
- هل تتوقف صادرات النفط الإيرانية باحتلال جزيرة خرج؟ (تقرير)
- صادرات النفط الإيراني منذ بدء الحرب تتجاوز 13 مليون برميل
اقرأ أيضًا..
- قطاع الطاقة في تونس.. واقع احتياطيات النفط والغاز يفرض تحديات هيكلية
- فائض الغاز المسال في باكستان قبل الحرب.. هل يمكنها من الصمود؟ (تحليل)
- وكالة الطاقة الدولية تحذر من أخطر أزمة طاقة: عودة نفط الخليج قد تستغرق 6 أشهر
المصادر..
- الولايات المتحدة تسمح ببيع النفط الإيراني العالق للحد من ارتفاع أسعار الوقود، من بلومبرغ.
- الولايات المتحدة تسمح ببيع النفط الإيراني في البحر لمدة 30 يومًا في محاولة لكبح الأسعار، من رويترز.
- تتطلّع شركات التكرير في الهند إلى شراء النفط الإيراني بعد أن رفعت الولايات المتحدة العقوبات عنه، من رويترز.





