أول مصفاة نفط في تونس.. قصة كفاح لتقليص واردات الوقود
الطاقة

تشكّل أول مصفاة نفط في تونس أحد أبرز محاور منظومة الطاقة، إذ تُمثّل المنشأة الوحيدة لتكرير الخام وتوفير المشتقات للسوق المحلية.
وتعتمد تونس بصورة متزايدة على استيراد النفط الخام من الخارج لتغذية المصفاة الوحيدة العاملة في مدينة بنزرت -مصفاة الستير- في ظل استمرار تراجع الإنتاج المحلي.
ووفق أحدث بيانات قطاع النفط التونسي لدى منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، شهد عام 2024 استقرارًا في كميات النفط الخام المكررة عند مستوى 1.1 مليون طن (21 ألف برميل يوميًا)، دون تغيير عن عام 2023، رغم توقُّف وحدة التقطير الجوي لمدة 60 يومًا خلال العام.
ويعكس هذا الأداء قدرة مصفاة الستير على الصمود أمام تحديات الإمداد والتشغيل، وسط استمرار ضعف إنتاج الخام المحلي الذي انخفض بنحو 13% على أساس سنوي، إلى 28.5 ألف برميل يوميًا.
ورغم ذلك، سجّلت تونس نموًا في إنتاج المنتجات النفطية بنسبة 9% خلال عام 2024، ما ساعد جزئيًا في تلبية جزء من الطلب المتزايد على المحروقات.
مصفاة الستير
أُنشئت مصفاة الستير في جرزونة بالضاحية الجنوبية لمدينة بنزرت على بعد 62 كيلومترًا من تونس العاصمة، عام 1963، وتديرها الشركة التونسية لصناعات التكرير (STIR)،
وتشغل أول مصفاة نفط في تونس موقعًا إستراتيجيًا شمال البلاد يتيح لها سهولة استقبال الشحنات النفطية عبر البحر المتوسط.
وتبلغ الطاقة الإنتاجية لمصفاة الستير 34 ألف برميل يوميًا، وتغطي نحو 30% من احتياجات السوق المحلية من المشتقات النفطية، في حين تُستورَد النسبة المتبقية لتلبية الطلب.
وتعمل الشركة منذ سنوات على برنامج لتجديد وحداتها الإنتاجية وتحديث أنظمة السلامة والبيئة، بما يتماشى مع المعايير الدولية الحديثة في صناعة التكرير.
وتقوم الشركة التونسية لصناعات التكرير، التي تأسست عام 1961، بدور محوري في تأمين إمدادات الوقود للسوق المحلية عبر إنتاج وتوريد المحروقات لشركات التوزيع، بالإضافة إلى تصدير الفائض من المنتجات النفطية إلى الأسواق الخارجية، لا سيما في أوقات تحسُّن الطاقة التشغيلية للمصفاة.

توسُّع الاعتماد على الواردات
تعتمد أول مصفاة نفط في تونس بشكل شبه كامل على الخام المستورد، إذ جرى خلال عام 2024 توريد كميات النفط الخام كاملة من أذربيجان، في تحول واضح عن السنوات السابقة التي شهدت تنوعًا في المصادر، شمل روسيا ونيجيريا.
وبحسب بيانات المرصد الوطني للطاقة والمناجم، استحوذ النفط الأذربيجاني على 74% من إجمالي الخام المكرر، مقابل 55% في عام 2023، وفي المقابل، تراجعت مساهمة النفط المحلي إلى 26% فقط.
ورغم هذه التحديات، سجّل إنتاج تونس من المشتقات النفطية خلال عام 2024 زيادة بنسبة 6% مقارنة بالعام السابق، مدعومًا بتحسن إنتاج الغازوال (الديزل) والفيول (زيت الوقود).

إنتاج تونس من المشتقات النفطية
بلغ إجمالي إنتاج تونس من المشتقات النفطية نحو 1.15 مليون طن في 2024، مقابل 1.06 مليون طن في 2023.
(الطن يعادل 7.3 برميلًا من المنتجات النفطية).
وجاء هذا النمو مدفوعًا بارتفاع إنتاج الديزل بنسبة 15% على أساس سنوي إلى 477 ألف طن، وزيادة إنتاج زيت الوقود بنسبة 7% إلى 338 ألف طن.
كما ارتفع إنتاج النافثا بنسبة 29% ليبلغ 291 ألف طن، من 226 ألف طن في عام 2023.
أمّا إنتاج غاز النفط المسال فقد انخفض بنسبة 19% إلى 21 ألف طن، في حين سجل إنتاج مادة الوايت سبيريت (White Spirit) زيادة بنسبة 23%، ليصل إلى 10 آلاف طن.
وتزامن ذلك مع زيادة استهلاك المشتقات النفطية في السوق المحلية بنسبة 3%، ليبلغ الإجمالي 4.55 مليون طن، مدفوعًا بارتفاع الطلب على البنزين بنسبة 9% إلى 870 ألف طن، والديزل بنسبة 6% إلى أكثر من مليوني طن.
ويعكس هذا الارتفاع توسُّع أنشطة النقل البري وانتعاش قطاع الخدمات بعد مرحلة من التباطؤ الاقتصادي.
الواردات والصادرات من المشتقات النفطية
سجلت واردات تونس من المواد النفطية ارتفاعًا طفيفًا بنسبة 7% خلال عام 2024، لتصل إلى 3.92 مليون طن، مقارنة بـ3.65 مليون طن في 2023.
وتصدّرَ الديزل قائمة الواردات بـ1.07 مليون طن، تلاه البنزين عند 899 ألف طن بزيادة 31% على أساس سنوي.
كما ارتفعت واردات غاز النفط المسال إلى 600 ألف طن، في حين تراجعت واردات كوك النفط بنسبة 16% إلى 445 ألف طن، وانخفضت واردات زيت الوقود بنسبة 10% إلى 119 ألف طن.
في المقابل، حققت صادرات المنتجات النفطية في تونس نموًا قويًا بنسبة 24% خلال العام نفسه، لتبلغ 612 ألف طن مقابل 496 ألف طن في 2023.
مصفاة الصخيرة
في إطار سعيها لتقليص فجوة العجز في الميزان الطاقي، تخطط الحكومة التونسية لإنشاء مصفاة جديدة في منطقة الصخيرة الواقعة على الساحل الجنوبي للبلاد.
ويهدف المشروع إلى تعزيز قدرات تكرير النفط في تونس، وتقليل الاعتماد على المنتجات المكررة المستوردة.
ويُتوقّع أن تسهم المصفاة المستقبلية بتحقيق توازن إيجابي في الميزان النفطي التونسي، عبر تصدير النفط الخام الرخيص واستيراد المنتجات النهائية بأسعار تنافسية، بالإضافة إلى خلق فرص عمل جديدة وتنشيط قطاع الخدمات المساندة في الجنوب.

مستقبل تكرير النفط في تونس
يُمثّل قطاع التكرير في تونس إحدى الركائز الإستراتيجية للاقتصاد الوطني، إذ يسهم في تأمين احتياجات البلاد من الوقود ويقلّص الاعتماد على السوق الخارجية في ظل تقلبات الأسعار العالمية.
وتعمل الشركة التونسية لصناعات التكرير على تحديث وحداتها لمواكبة التطور العالمي في معايير الجودة البيئية والإنتاج النظيف.
ورغم محدودية الطاقة التكريرية الحالية التي لا تتجاوز مليون طن سنويًا، فإن تطوير مصفاة الستير ومشروع الصخيرة المرتقب يمثّلان محورين رئيسين في إستراتيجية البلاد لتحقيق أمنها الطاقي واستقرار سوق الوقود خلال السنوات المقبلة.
موضوعات متعلقة..
- أكبر صفقات الطاقة في تونس خلال 9 أشهر (مسح)
- أهم 5 مشروعات طاقة شمسية في تونس
- أبرز 5 مناجم في تونس.. ثروات إستراتيجية تُعزّز مستقبل البلاد التعديني
نرشّح لكم..
المصادر:
- تكرير النفط في تونس، من وزارة الطاقة والمناجم
- إنتاج المشتقات النفطية في تونس، من المرصد الوطني للطاقة والمناجم





