أنس الحجي: أسعار النفط كانت مادة للتضليل الإعلامي.. وهذا ما حدث بعد 2022
أحمد بدر

شهدت أسعار النفط منذ عام 2022 موجة غير مسبوقة من التوظيف السياسي والإعلامي، تجاوزت حدود التحليل الاقتصادي إلى صناعة سرديات تخدم "أجندات" انتخابية واضحة، وكشف هذا التحول حجم التحيز الخفي في تغطية أسواق الطاقة عالميًا.
وفي هذا السياق، قال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إن عام 2022 مثّل نقطة تحول كبيرة، إذ لم تعد الحملات الانتخابية تكتفي بشراء الإعلانات التقليدية، بل انتقلت إلى التأثير المباشر في المحتوى الصحفي والتحليلات.
وأوضح أن الانتخابات في الولايات المتحدة والهند شهدت توظيفًا واسعًا لوسائل الإعلام ووسائل التواصل، ما انعكس مباشرة على تغطية أسعار النفط وربطها بسرديات سياسية لا علاقة لها بالعوامل الحقيقية المؤثّرة في السوق.
وأشار إلى أن شراء بعض الصحفيين أو التأثير فيهم أدى إلى إدخال معلومات منحازة داخل تقارير يُفترض أنها فنية، مثل الحديث عن ناقلات في البحر الأسود، ثم تحويل الموضوع فجأة إلى الإشادة بفعالية العقوبات الأميركية.
جاءت تصريحات أنس الحجي خلال حلقة جديدة من برنامجه الأسبوعي "أنسيات الطاقة"، قدّمها بمساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس" بعنوان: "الإعلامي الغربي وأسواق النفط.. صراع السرديات ومستقبل النفط".
شراء الصحفيين وتضخيم السرديات الانتخابية
قال أنس الحجي، إن ما حدث بعد 2022 لم يكن مجرد تحيُّز تقليدي، بل تطوَّر إلى توظيف مباشر للصحافة في دعم مرشحين، سواء في الولايات المتحدة أو الهند، عبر إدخال رسائل سياسية داخل تقارير تتناول أسعار النفط.
وأوضح أن بعض التقارير الإعلامية كانت تبدأ بموضوع فني بحت مثل الحديث عن الأسواق، ثم تنتهي بمدح سياسات مرشح انتخابي، دون أيّ علاقة منطقية بين الحدث النفطي المطروح والتحليل السياسي المُدرَج في السياق ذاته.
وأضاف أن الجيش الإلكتروني المرتبط برئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، والذي قُدِّر عدده بنحو 15 ألف شخص، أسهم في تضخيم روايات تصب في مصلحة صورة الحكومة، مستفيدًا من الزخم المرتبط بتحركات أسعار النفط عالميًا.

وأشار خبير اقتصادات الطاقة إلى أن هذا التضخيم خلق انطباعًا عامًا بأن بعض القرارات السياسية كانت وراء تغيرات السوق، في حين إن الأسباب الفعلية كانت مرتبطة بعوامل إنتاجية أو لوجستية بحتة.
وأكد أن المشكلة نفسها حدثت ثم تفاقمت في العالم العربي، إذ نُقِلت هذه الروايات كما هي دون تمحيص، ما جعل تغطية أسعار النفط باللغة العربية تعيد إنتاج الأخطاء ذاتها وتضخّمها في سياقات مختلفة.
ولفت إلى أن ضعف الصحافة الاستقصائية في المنطقة أسهم في ترسيخ معلومات غير دقيقة، لأن العديد من وسائل الإعلام اعتمد على وكالات غربية دون تحليل مستقل للبيانات.
وشدد على أن التقارير اليومية الصادرة بالإنجليزية عن "أوتلوك أدفايزرز" تكشف يوميًا -تقريبًا- قصصًا تتضمن أخطاء جوهرية أو تحيزات واضحة، مبينًا أن كثيرًا من التحليلات الرائجة لم تكن تعكس واقع السوق الفعلي.
أخبار مضللة وتقلبات مفاجئة في السوق
أوضح أنس الحجي أن بعض الأخبار القصيرة المنشورة في عدد من الصحف الكبرى كانت تؤدي إلى انهيارات سريعة في أسعار النفط، رغم افتقارها إلى معلومات جوهرية أو مصادر مؤكدة تدعم ما ورد فيها.
وسرد مثالًا عن خبر نشرته صحيفة وول ستريت جورنال الاقتصادية الأميركية حول انسحاب محتمل للإمارات من منظمة أوبك، وهو ما أدى إلى هبوط الأسعار بأكثر من 5 دولارات خلال ساعات قليلة.
وأشار إلى أن الخبر تبيّن لاحقًا أنه غير صحيح، لكن لم يصدر اعتذار رسمي واضح عن نشره، وعادت الأسعار إلى مستوياتها السابقة، بعدما تكبَّد بعض المتعاملين خسائر ضخمة، وحقّق آخرون أرباحًا كبيرة.

وأضاف أنس الحجي أن توقيت نشر مثل هذه الأخبار كان يتزامن أحيانًا مع استعداد بعض المضاربين لاتخاذ مراكز في العقود الآجلة، ما كان يضاعف أثرها في أسعار النفط خلال دقائق معدودة.
وأكد أن أحد عملائه تمكَّن من تحقيق أرباح بملايين الدولارات خلال ساعات قليلة بعد تنبيهه إلى عدم صحة الخبر، وهو الأمر الذي يعكس خطورة المعلومات غير الدقيقة على حركة السوق.
ولفت إلى أن هذا النمط تكرر مرارًا بعد 2022، إذ أصبحت الأسواق أكثر حساسية للعناوين السريعة، خصوصًا في ظل التوترات الجيوسياسية والانتخابات التشريعية والرئاسية التي تحدث ببعض الدول.
وشدد مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة على أن التلاعب المعنوي بالسوق لا يقل أثرًا عن العوامل الأساسية، إذ يمكن لخبر صغير من بضعة أسطر أن يقلب اتجاه أسعار النفط رأسًا على عقب.
مثال الهند والنفط الروسي
قال أنس الحجي، إن من أبرز الأمثلة على التضليل والتحيز، ما نشرته وكالة بلومبرغ بشأن رفض الهند استلام 14 شحنة من خام سوكول الروسي، وربطت التقرير بنجاح العقوبات الأميركية وتأثيرها في أسعار النفط.
وأوضح أن الوكالة الأميركية صوّرت الأمر على أنه انتصار سياسي للرئيس الأميركي وسياسات الولايات المتحدة، وأشادت بتعاون الهند مع الغرب، في وقت كانت فيه الانتخابات حاضرة بقوة في المشهدين الأميركي والهندي.
وبيّن أن الحقيقة -على أرض الواقع- كانت مختلفة تمامًا، إذ زادت الهند في المدة ذاتها وارداتها من خام الأورال الروسي، ما يتناقض مع رواية أن العقوبات كانت السبب وراء تعليق الشحنات وتأثيرها في أسعار النفط.

وأشار خبير اقتصادات الطاقة إلى أن المسألة تعود إلى عقود قديمة بأسعار محددة، وحين انخفضت الأسعار الفعلية للخام الروسي في السوق الفورية، طالبت المصافي الهندية بتعديل السعر التعاقدي.
وأضاف أن الشركات الروسية رفضت تعديل بعض الشروط، فاختارت المصافي شراء خام آخر بسعر أقل، ما أدى إلى بقاء الشحنات عالقة، دون أيّ علاقة مباشرة بالعقوبات السياسية.
وأكد أن ربط القصة بالعقوبات كان توظيفًا إعلاميًا يخدم سردية انتخابية، وليس تحليلًا مبنيًا على فهم عقود التجارة النفطية أو آليات تسعير أسعار النفط.
واختتم أنس الحجي بالتشديد على أن ما بعد 2022 كشف صراعًا حقيقيًا على السرديات في أسواق الطاقة، حيث لم تعد أسعار النفط مجرد أرقام اقتصادية، بل تحولت إلى أداة في معارك سياسية وإعلامية معقّدة.
موضوعات متعلقة..
- أسعار النفط تضع الكويت في مأزق.. ماذا قال وزير المالية؟
- أمين عام أوابك: رقم مستبعد لأسعار النفط.. و3 تحديات في 2026
- أرامكو السعودية تخفض أسعار النفط لشحنات شهر مارس
اقرأ أيضًا..
- نتائج أعمال توتال إنرجي في الربع الرابع 2025 تهبط بالأرباح 13%
- العراق يستعد لزيادة صادرات النفط الأسود بأكثر من مليون برميل يوميًا
- كيف تحد تقنيات الطاقة النظيفة من تداعيات تغير المناخ؟ (تقرير)
المصدر:





