النفط الروسي إلى الهند.. انخفاض في الإيرادات والتفاف على العقوبات (مقال)
فيلينا تشاكاروفا* – ترجمة: نوار صبح

- بحلول منتصف عام 2025 بلغت واردات الهند من النفط الروسي نحو مليونَي برميل يوميًا
- أسعار النفط الروسي المُخفّضة فاتورة قللت واردات الهند الإجمالية
- واشنطن تسامحت مع مشتريات الهند من النفط الروسي لمدة عامين تقريبًا
- إيرادات النفط والغاز الروسية انخفضت إلى أدنى مستوى لها في 5 سنوات عام 2025
تشهد صادرات النفط الروسية إلى الهند حالة من الاضطراب تتّسم بانخفاض في الإيرادات والتفاف على العقوبات، وتشهد علاقة الطاقة بين روسيا بالهند -التي تُعدّ من أهمّ الروابط الاقتصادية التي بَنتها موسكو بعد العقوبات الغربية التي أعقبت غزو أوكرانيا عام 2022- تدهورًا سريعًا غير متوقع.
بحلول نهاية يناير/كانون الثاني 2026، انخفضت صادرات النفط الروسية المنقولة بحرًا إلى الهند بنسبة 36% على أساس سنوي، مع انخفاض إضافي بنسبة 11% على أساس شهري، وفقًا لبيانات معهد الطاقة والتمويل.
وبلغ إجمالي الشحنات 4.5 مليون طن فقط خلال تلك المدة، وانخفضت الواردات من ذروتها البالغة 2.09 مليون برميل يوميًا في يونيو/حزيران 2025 إلى 1.16 مليون برميل يوميًا في يناير/كانون الثاني 2026، وهو تراجع هيكلي، وليس انخفاضًا موسميًا.
ويحلل هذا المقال مسارات هذا التدهور، والجهات الفاعلة فيه، وجوانبه الاقتصادية، وتداعياته الإستراتيجية على الشركات وصنّاع السياسات في الولايات المتحدة.
استبدال النفط الروسي
تجدر الإشارة إلى أن الهند قادرة تمامًا على استبدال ما يصل إلى 50% من وارداتها من النفط الروسي، ويمكن تحقيق ذلك من خلال زيادة المشتريات من أنغولا والإمارات العربية المتحدة والبرازيل.
بالنسبة لعلاقة أصبحت إحدى الركائز الأساسية لإستراتيجية روسيا للبقاء في ظل العقوبات منذ عام 2022، فإن حجم وسرعة هذا الانكماش لهما دلالة إستراتيجية بالغة الأهمية.
بحلول منتصف عام 2025، بلغت واردات الهند من النفط الروسي نحو مليونَي برميل يوميًا، ما حوّل الهند إلى أحد أهم زبونين لموسكو في مجال الطاقة إلى جانب الصين.
ولذلك، يثير هذا التراجع الحالي تساؤلات جوهرية بشأن مرونة روسيا المالية، وموقع الهند الجيوسياسي، وتطور الإكراه في مجال الطاقة بصفته أداة رئيسة في الحرب الباردة الجديدة.

خلفية: كيف أصبحت الهند ركيزة الطاقة الروسية
قبل الحرب الأوكرانية كانت روسيا تُزوّد الهند بأقل من 1% من احتياجاتها من النفط الخام.
وتغيّرت هذه العلاقة جذريًا في أعقاب أحداث فبراير/شباط 2022؛ فمع فرض الدول الغربية عقوبات شاملة على الطاقة الروسية، اتجهت موسكو بقوة نحو المشترين الآسيويين، مُقدّمةً حسومات كبيرة على خام برنت لتعويض الإيرادات الأوروبية المفقودة.
وانتهزت مصافي التكرير الهندية -التي تُعدّ من بين الأكثر تطورًا وحرصًا على التكاليف في العالم- هذه الفرصة.
بين عامي 2022 ومنتصف 2025، ارتفعت حصة روسيا في إجمالي واردات الهند من النفط الخام من أقل من 1% في عام 2020 إلى ما بين 35 و40% بحلول عام 2025.
وفي ذروة الطلب، كانت الهند تستورد ما يقارب مليونَي برميل يوميًا من النفط الروسي.
من ناحية ثانية، كانت الجدوى الاقتصادية مُغرية، فقد قللت أسعار النفط الروسي المُخفّضة فاتورة واردات الهند الإجمالية، وأسهمت في استقرار أسعار الوقود المحلية، والأهم من ذلك، أنها خلقت مركزًا ثانويًا للربح.
قامت الهند بتكرير النفط الروسي وتصدير المنتجات النفطية الناتجة إلى نحو 160 دولة، حيث ارتفعت الصادرات إلى أوروبا وحدها من 11.84 مليون طن في عام 2021، إلى 27.48 مليون طن في عام 2023.
لذلك، أصبحت الهند حلقة وصل أساسية في سلسلة إمداد للالتفاف على العقوبات، إذ استوردت النفط الروسي بأسعار مخفضة، وكررته إلى منتجات بترولية متوافقة مع المعايير، ثم صدّرت هذه المنتجات إلى مشترين أوروبيين لم يعودوا يرغبون في التعامل مباشرة مع موسكو.
وبلغت قدرة التكرير الهندية 5.17 مليون برميل يوميًا بحلول عام 2024، لتحتلّ بذلك المرتبة الرابعة عالميًا بعد الولايات المتحدة والصين وروسيا.
وكان هذا التنافس منطقيًا من الناحية الاقتصادية ومناسبًا من الناحية الدبلوماسية، إذ استطاعت نيودلهي الادّعاء بأنها تتبع منطق السوق.
حملة الضغط الأميركية: تسلسل زمني
تسامحت واشنطن مع مشتريات الهند من النفط الروسي لمدة عامين تقريبًا قبل أن تُشدد الخناق الاقتصادي عليها، وزاد هذا شدّة على مراحل متميزة:
أغسطس/آب 2025 - تصعيد الرسوم الجمركية: أبدت إدارة ترمب استياءها بفرض رسوم جمركية إضافية على الصادرات الهندية، بنسبة 25% في البداية، ثم تضاعفت لاحقًا إلى 50%، وربطت هذه الرسوم مباشرةً بمشتريات نيودلهي من النفط الروسي.
كانت الرسالة واضحة لا لبس فيها: المصدّرون الهنود -من منسوجات وأدوية وإلكترونيات- يُجبَرون على دفع ثمن قرارات حكومتهم المتعلقة بشراء الطاقة.
من ناحيتهم، صرّح مسؤولون في البيت الأبيض علنًا بأن هذا عقاب على "تمويل حرب بوتين".
أكتوبر/تشرين الأول 2025 - عقوبات على شركات النفط الروسية الكبرى: فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على شركتي روسنفط (Rosneft) ولوك أويل (Lukoil)، وهما شركتا النفط الروسيتان اللتان تُزودان الهند مجتمعتين بنحو 60% من مشترياتها من النفط الروسي.
ولم يكن هذا مجرد إجراء رمزي، إذ تسببت العقوبات في تعقيدات تشغيلية فورية لشركات التكرير الهندية، حيث أصبحت معالجة المدفوعات والتأمين على الشحن ومخاطر الطرف المقابل من الشواغل الأساسية.
وبدأت شركات التكرير الصينية والهندية باستبعاد النفط الروسي من مناقصات الشراء الجديدة.
نوفمبر/تشرين الثاني 2025 - اعتراف بوتين
في بيان علني لافت، أقرّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه لم يتوقع فرض عقوبات أميركية جديدة على شركات النفط الروسية بعد محادثاته مع ترمب في ألاسكا.
وهذا يشير إلى أن الكرملين أخطأ في تقدير مدى استعداد واشنطن للتصعيد، وأن القنوات الدبلوماسية غير الرسمية لم تُسفر عن الضمانات التي سعت إليها موسكو.
2 فبراير/شباط 2026 - إعادة ضبط الاتفاق التجاري، حيث ألغى ترمب العقوبة الإضافية البالغة 25% المفروضة على شراء النفط الروسي، مدّعيًا أن الهند التزمت بوقف هذه المشتريات.
ولم يُكرَّر رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي هذا الادّعاء في منشوره بموقع إكس (X)، ولم يُذكَر في البيان المشترك الصادر عن البلدين.
وخفّض ترمب الرسوم الجمركية على البضائع الهندية من 50% إلى 18%، مُصوّرًا ذلك على أنه انتصار لإستراتيجيته بشأن أوكرانيا، وكان صمت نيودلهي بشأن التفاصيل مُتعمّدًا ودالًّا.

ردّ الهند: الغموض الإستراتيجي سياسةً
كان تعامل الهند مع هذه الأزمة مثالًا يُحتذى به فيما يُطلق عليه محللو مركز كولومبيا لسياسات الطاقة العالمية "التعديل التكتيكي".
وبدلًا من القطيعة التامة، لاحظ المحللون انخفاضًا طفيفًا في الكميات، وزيادة في الحسومات، وتنويع المصافي لبعض مشترياتها نحو أنواع النفط الخام غير الخاضعة للعقوبات، ما يسمح للهند "بإظهار استجابتها للضغوط الأميركية دون التخلّي عن الإمدادات التنافسية من حيث التكلفة".
وتفاوتت تصرفات الشركات الهندية الكبرى تبعًا لهيكل ملكيتها ومدى تعرُّضها للمخاطر التنظيمية الأميركية:
شركتا التكرير المملوكتان للدولة: (إنديان أويل (Indian Oil) وبهارات بتروليوم (Bharat Petroleum)): توقفت كلتاهما عن قبول عروض شراء النفط الروسي للتسليم في مارس/آذار وأبريل/نيسان المقبلين.
ويبدو أن قراراتهما مدفوعة بمزيج من المخاطر التنظيمية والتوجيهات الحكومية، على الرغم من عدم صدور أيّ توجيه وزاري رسمي.
وعلى الرغم من انخفاض إجمالي الواردات، ظل استهلاك مصافي القطاع العام من النفط الروسي قويًا نسبيًا مقارنةً بشركات القطاع الخاص، ما يُشير إلى إعادة توزيع الطلب بدلًا من انهياره التامّ.
ولم تستجب شركات إنديان أويل وبهارات بتروليوم وهندوستان بتروليوم (Hindustan Petroleum) لاستفسارات الصحافة بشأن إستراتيجية الشراء لديها، وهو صمت يُعدّ بحدّ ذاته موقفًا إستراتيجيًا.
شركة ريلاينس إندستريز (الخاصة): اتخذت ريلاينس -أكبر مشترٍ للنفط الخام في الهند ومشغّل لمصفاتين تبلغ قدرتهما الإنتاجية الإجمالية نحو 1.4 مليون برميل يوميًا- تحوّلًا حاسمًا.
فقد حصلت على ترخيص من وزارة الخزانة الأميركية لشراء النفط الفنزويلي مباشرةً، وهو نوع متوافق كيميائيًا مع بُنيتها التحتية للتكرير، المصممة لاستقبال النفط الثقيل.
وتُعدّ إستراتيجية التوريد الفنزويلي حلًا مؤقتًا يسمح لشركة ريلاينس بالحفاظ على حجم الإنتاج مع إظهار امتثالها للضغوط الأميركية.
شركة نايارا إنرجي (Nayara Energy) (مملوكة لشركة روسنفط): تعمل هذه الشركة في ظل قيود فريدة نظرًا لامتلاكها 49.13% من أسهم روسنفط.
وتمنع الحواجز التنظيمية كبار المورّدين العالميين من إجراء معاملات تجارية مع شركة نايارا، ما يُقيّدها فعليًا بالتوريد من روسيا عبر وسطاء غير خاضعين للعقوبات.
وتُمثّل نايارا الجزء الأكثر رسوخًا مؤسسيًا في علاقة الطاقة بين الهند وروسيا، وستكون آخر من ينسحب منها.
جدوى الاستبدال: تكلفته على الهند
لن يكون هذا التحول محايدًا من حيث التكلفة بالنسبة للهند، وإذا اضطرت الهند إلى التخلّي تمامًا عن النفط الروسي، فتشير التحليلات إلى أن فاتورة استيرادها السنوية من النفط قد ترتفع بنحو 9-11 مليار دولار في السنة المالية 2026، مع تحوّل البلاد إلى أنواع النفط الأكثر تكلفة من الشرق الأوسط أو أميركا.
وتنعكس هذه التكاليف المرتفعة على الاقتصاد من خلال انخفاض هوامش التكرير، وارتفاع أسعار الوقود المحلية، والضغط التضخمي على قاعدة استهلاكية واسعة تضم 1.4 مليار نسمة.
وتستورد الهند ما بين 85 و90% من احتياجاتها من النفط الخام، لذا فإن حسابات أمن الطاقة لديها ليست مجرد حسابات نظرية، بل ضرورة تشغيلية يومية.
وقد أحسنت الحكومة إدارة المشهد من خلال تصوير مشترياتها على أنها تتبع "قوى السوق لا إملاءات أميركية"، وهي صياغة تحافظ على مصداقيتها السياسية الداخلية مع مراعاة مطالب واشنطن.
وماتزال الفجوة واسعة بين ما يدّعيه ترمب من موافقة الهند وما أكده المسؤولون الهنود أنفسهم، وهذا مقصود.
فيما يتعلق بالبدائل، فإن خيارات الهند تبدو واعدة، لكنها تتطلب وقتًا: تشير توقعات الاستيراد إلى 1.1-1.3 مليون برميل يوميًا حتى أوائل الربع الثاني من عام 2026، ما يدلّ على انتقال تدريجي، وليس فوريًا.
وبإمكان أنغولا والإمارات العربية المتحدة والبرازيل والعراق والمملكة العربية السعودية استيعاب أجزاء من الكمية الروسية التي ستُستَبدَل، ولكن بأسعار السوق بدلًا من الحسومات الكبيرة التي كانت موسكو تقدّمها.
ويشير المحللون إلى أنه من المرجّح حدوث "تعديل تجاري"، حيث ستشتري الصين النفط الروسي الذي لم تعد الهند تشتريه، وفي المقابل، ستتخلى عن بعض إمدادات الشرق الأوسط، التي ستستحوذ عليها الهند لاحقًا. ومن المرجّح أن تشهد سوق دبي النفطية علاوة سعرية طفيفة نتيجة لذلك.
تدهور الوضع المالي لروسيا
لا يحدث التراجع الهندي بمعزل عن غيره، بل يُفاقم تدهورًا ماليًا أوسع نطاقًا يُعرّض نموذج تمويل الحرب الروسي لاختبارات لم يشهدها منذ عام 2022.
وانخفضت إيرادات النفط والغاز الروسية إلى أدنى مستوى لها في 5 سنوات عام 2025، حيث بلغت إيرادات الموازنة 8.48 تريليون روبل (108 مليارات دولار أميركي)، أي أقل بنسبة 24% عن عام 2024، وهو أدنى مستوى لها منذ بداية العقد.
وتتعدد أسباب هذا التراجع، منها انخفاض أسعار النفط الخام، وارتفاع قيمة الروبل، ما يُقلل من إيرادات صادرات النفط المُقوّمة بالروبل والمُسعّرة بالدولار، وتشديد العقوبات، والآن تسارع فقدان روسيا لفرص الوصول إلى السوق الهندية.
(الروبل الروسي = 0.013 دولارًا أميركيًا)
وشهد صندوق الثروة الوطنية الروسي -وهو الاحتياطي السيادي الذي اعتمدت عليه روسيا لتمويل عجزها في زمن الحرب- انخفاضًا في أصوله السائلة بمقدار الثلث، لتصل إلى 34 مليار دولار أميركي، وقد خُصِّص منها 10 مليارات دولار أميركي لدعم البنوك.
ومنذ مطلع عام 2025، ظلّت أسعار النفط دون الحدّ الأدنى المحدد في الموازنة، ما حالَ دون أيّ تجديد لأصول الصندوق، ويستنزف الكرملين الاحتياطيات دون أن يكون قادرًا على إعادة بنائها.
للمرة الأولى، تموّل روسيا موازنتها الفيدرالية أساسًا عن طريق الاقتراض بدلًا من الاعتماد على فوائض الإيرادات أو الاحتياطيات، بعجز مُخطط له يبلغ 5.6 تريليون روبل.
وفي الوقت نفسه، ارتفع الإنفاق العسكري والأمني إلى ما يقارب 40% من الموازنة الفيدرالية -أي نحو 16.84 تريليون روبل-، وتموّل الحكومة هذا المسار من خلال مزيج من إصدار الديون المحلية، وزيادة الضرائب، ودعم البنك المركزي، ما يدفع التضخم نحو الارتفاع ويُقيّد مرونة السياسات المستقبلية.
ومن المرجّح أن تنزلق روسيا من مرحلة "التهدئة المُدارة" إلى ركود تامّ في عام 2026، مع استبعاد أيّ انتعاش حقيقي قبل عام 2027.
ويتوقع البنك الدولي أن يبلغ متوسط سعر خام برنت نحو 60 دولارًا للبرميل في عام 2026 -وهو أدنى مستوى له في 5 سنوات-، ما يزيد من الضغط على الإيرادات الروسية في الوقت الذي يُقلّص فيه أكبر عميلين لها انكشافهما.

الصين: سقف التوجّه الروسي شرقًا
كان ميل روسيا الطبيعي هو تعزيز اعتمادها على الصين لتعويض الخسائر الهندية، إلّا أن قدرة بكين على الاستيعاب تقترب من حدودها الهيكلية.
وتشير تقارير وكالة الطاقة الدولية إلى أن واردات الصين من النفط الروسي المنقولة بحرًا قد بلغت نحو 1.7 مليون برميل يوميًا، وهو مستوى قياسي، مع وصول واردات جبال الأورال تحديدًا إلى 500 ألف برميل يوميًا.
ولاستيعاب المزيد، سيتعيّن على الصين خفض مشترياتها من مورّدين آخرين أو توسيع مخازنها بشكل كبير.
وفي يناير/كانون الثاني 2026، خفضت الصين وارداتها من دول الشرق الأوسط بمقدار 630 ألف برميل يوميًا، لتصل إلى نحو 5 ملايين برميل يوميًا، إجمالًا.
ويبقى مدى استدامة المزيد من التخفيضات موضع شكّ، فمصلحة الصين الإستراتيجية تكمن في الحفاظ على علاقات توريد متنوعة، لا في تعميق اعتمادها على مصدر واحد، حتى لو كان بأسعار مخفضة للغاية.
إضافة إلى ذلك، تحتفظ بكين بنفوذها على موسكو تحديدًا، لأن روسيا لديها بدائل قليلة، ومن غير المرجّح أن تتخلى الصين عن هذا النفوذ من خلال دعم صادرات روسيا بالكامل.
إن ردّ الفعل الروسي على انكماش السوق -المتمثل في تقديم حسومات كبيرة- يأتي بنتائج عكسية مع مرور الوقت.
فكل برميل يُباع بحسم متزايد بهدف الحفاظ على عميل هامشي يُقلل من إيرادات موسكو المالية، وتُجبَر الشركات الروسية على بيع النفط والغاز بأسعار قريبة من نقطة التعادل، أو حتى بخسارة.
وصحيح أن إستراتيجية الحسم تضمن الحفاظ على حجم المبيعات، إلّا أنها تُسرّع من تدهور الإيرادات الذي صُمِّمت لمعالجته.
البُعد الأوروبي: خطوة روبيو التالية
لا تقتصر حملة الضغط الأميركية على آسيا، فقد أشار وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو إلى نيّته التواصل الدبلوماسي مع المجر وسلوفاكيا، وهما الدولتان العضوتان في الاتحاد الأوروبي الأكثر مقاومة لحظر الاتحاد لاستيراد الغاز المسال الروسي عام 2027.
وقد رفعت كلتاهما دعاوى قضائية، أو أعلنتا خططًا لرفعها أمام محكمة العدل الأوروبية.
ويرى رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان أن بلاده لا تستطيع ضمان أمنها الطاقي دون الإمدادات الروسية، ووصف رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو حظر الاتحاد الأوروبي بأنه "انتحار طاقي".
ويعاني وضعهما الهيكلي من الضعف، فالجداول الزمنية للبُنية التحتية تجعل البحث عن مصادر بديلة للطاقة قبل عام 2027 غير عملي من الناحية اللوجستية، بغضّ النظر عن التمويل.
وقد خَلُص خبير لدى معهد غايدار إلى أنه "حتى مع القروض والمنح، من المرجّح ألّا تتمكن الدولتان من إحداث تحوّل فعّال في أنظمة الطاقة لديهما في غضون عام ونصف فقط".
ويبدو أن إستراتيجية روبيو تتمثل في تقديم مخرج يحفظ ماء الوجه لهذه الحكومات -ضمانات ثنائية لأمن الطاقة مقابل إسقاط دعاويها القانونية- بدلًا من محاولة فرض ضغوط من النوع الذي طُبِّق على الهند.
وفي أوروبا عمومًا، تتسبب قيود الطاقة بارتفاع حادّ في تكاليف الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة، ما يثير تساؤلات لا تتعلق بالربح أو انخفاض الاستثمار، بل -بحسب ما يقول بعض محللي السوق- تتعلق بالبقاء.
وما يزال الاقتصاد السياسي لتحوّل الطاقة في أوروبا، خصوصًا في أوروبا الوسطى، محل جدل واسع.
نموذج إيرادات الطاقة الروسي
يُعدّ التحوّل في محور النفط الهندي الضربة الأقوى لنموذج إيرادات الطاقة الروسي منذ عقوبات عام 2022 نفسها، وعلى عكس تلك العقوبات، فقد نُفِّذ دون إطار عمل رسمي متعدد الأطراف، ودون موافقة علنية من المشتري، ودون إثارة ردود فعل قومية عنيفة كتلك التي تُولّدها عادةً الإكراهات القوية.
ويُعدّ هذا نموذجًا من المرجّح أن تحذو واشنطن حذوه.
بالنسبة لموسكو، باتت الحسابات المالية تُشكّل تهديدًا حقيقيًا.
ومن الملحوظات الرئيسة للمحللين أنه "إذا انخفضت إيرادات النفط والغاز بشكل ملحوظ، سيبدأ النظام بالتصدّع"، ومع عدم وجود احتياطيات كافية، فإن حتى انخفاضًا طفيفًا في إيرادات التصدير قد يُحدِث أثرًا بالغًا.
وقد بُني نموذج تمويل الحرب الروسي على 3 أركان: إيرادات النفط والغاز، والسحب من صندوق الثروة الوطنية، والإقراض المصرفي الموجّه محليًا لقطاع الدفاع.
ويشهد الركن الأول ضعفًا واضحًا، بينما استُنفِد الثاني إلى حدٍّ كبير، أمّا الثالث، فيُولّد ضغوطًا تضخمية يصعب على البنك المركزي معالجتها مع الحفاظ على مستويات الإنفاق الحربي.
إزاء ذلك، تتقلص مساحة المناورة المتاحة للكرملين، لا تنهار، بل تتقلص بطرق تزيد من تكلفة الصبر الإستراتيجي، وتعزز جاذبية التوصل إلى حل تفاوضي.
بالنسبة للشركات الأميركية، فإن التداعيات الأعمق هيكلية.
وقد أثبتت واشنطن أن الوصول إلى السوق الأميركية -ومن ثم إلى النظام التجاري الأوسع نطاقًا المقوم بالدولار- يمكن ربطه انتقائيًا بالامتثال للسياسة الخارجية، وتطبيقه بدقّة على قرارات شراء محددة، وفرضه دون أُطر معاهدات رسمية أو إجماع متعدد الأطراف.
وتكشف حالة الهند حدودَ هذه الأداة: فقد خفضت الهند مشترياتها جزئيًا بهدوء، وحافظت على إمكان الإنكار، وحصلت على إعفاءات جمركية، وتجنّبت تقديم أيّ! التزام علني لا يمكنها التراجع عنه.
إن "الالتزام" الذي ادّعاه ترمب ليس مُلزِمًا قانونًا، ولم تؤكده نيودلهي.
وإذا خفَّ الضغط الأميركي أو تغيرت ديناميكيات الاتفاق التجاري، فقد أوضحت شركات التكرير الهندية أنها تحتفظ بخيار استئناف المشتريات من روسيا "بناءً على توصية الحكومة".
المسار الأوسع هو مسار تسارع انقسام سوق الطاقة.
ويتمحور أحد المسارين حول أطر الامتثال الأميركية وإمكان الوصول إلى النظام الدولاري، أمّا الآخر فيتمحور حول سلاسل التوريد الخاضعة للعقوبات أو شبه الخاضعة لها، التي تُجري فيها روسيا والصين وإيران وفنزويلا معاملات خارج نطاق الرقابة الغربية.
أمّا المركز -منطقة الغموض الإستراتيجي التي عملت فيها الهند بربح لمدة 3 سنوات- فيتقلّص تحت ضغط من كلا الجانبين.
وبالنسبة للشركات متعددة الجنسيات التي لديها عمليات أو سلاسل توريد معرّضة لأيٍّ من المسارين، فإن مدة الغموض المريح تتضاءل.
وأصبح التعرّض التنظيمي والجمركي للمعاملات المرتبطة بالطاقة متغيرًا حيويًا ومتصاعدًا.
إن تخطيط السيناريوهات الذي يتعامل مع هذا على أنه خطر محتمل وليس حالة أساسية، أصبح غير متوافق مع الواقع الراهن.
| المؤشر | القيمة | ملحوظات/السياق |
| الشحنات المنقولة بحرًا إلى الهند (يناير 2026) | 4.5 مليون طن | إجمالي النفط الخام المنقول بحرا |
| التغير السنوي (يناير 2026 مقابل يناير 2025) | انخفاض بنسبة 36% | انكماش حاد في الصادرات الروسية إلى الهند |
| التغير الشهري (يناير 2026) | انخفاض بنسبة 11% | انخفاض مقارنة بشهر ديسمبر 2025 |
| ذروة الصادرات الروسية إلى الهند (منتصف عام 2025) | نحو مليوني برميل يوميًا | تشير التقديرات إلى ارتفاعها أثناء مرحلة التكيف مع العقوبات |
| واردات الصين من النفط الخام الروسي المنقولة بحرًا | نحو 1.7 مليون برميل يوميًا | يشمل ذلك ما يقارب 500 ألف برميل يوميًا من النفط الخام الأورال |
| انخفاض واردات الصين من الشرق الأوسط (يناير 2026) | انخفاض بمقدار 630 ألف برميل يوميًا | انخفضت إلى نحو 5 ملايين برميل يوميًا |
| النفط والغاز الروسية (يناير 2026) | 405 مليار روبل | أدنى مستوى منذ أغسطس 2020 |
| الإيرادات المتوقعة من النفط والغاز للعام بأكمله (2026) | 8.44 تريليون روبل | انخفاض بنسبة 25% تقريبًا على أساس سنوي |
| القدرة المحتملة على استبدال التصدير إلى الهند | حتى 50% | عبر أنغولا، الإمارات العربية المتحدة، البرازيل (تقدير متوسط المدى) |
| تأثير الرسوم الجمركية الأميركية | رسوم استيراد بنسبة 25% (مشروطة) | تهديد بإعادة فرض القيود في حال استئناف الواردات من روسيا |
| قدرة فنزويلا التصديرية | نحو 500 ألف برميل يوميًا | غير كافية لاستبدال الكميات الروسية بالكامل |
فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.
*هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
اقرأ أيضًا..
- شركة أجنبية تقتنص 70% من حصة منطقة استكشاف ضخمة في سلطنة عمان
- انبعاثات الميثان من مناجم الفحم في بولندا مستمرة وتتحدى اللوائح الأوروبية
- التنقيب عن الغاز في سوريا يترقب دخول 5 شركات عالمية





