أنس الحجي: أسعار النفط "ورقة انتخابية" لترمب.. وتسويق الخام الفنزويلي أزمة
أحمد بدر

شكلت أسعار النفط عبر التاريخ ورقة سياسية واقتصادية بالغة الحساسية، تتجاوز منطق السوق إلى حسابات الانتخابات والتحالفات الدولية، وفي المرحلة الحالية تعود بقوة إلى قلب المشهد الأميركي، مع تصاعد المخاوف من تأثيرها المباشر في المزاج الانتخابي.
وفي هذا السياق، أوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تنظر إلى ملف الطاقة بوصفه أداة ضغط سياسية، خاصة مع اقتراب الانتخابات، والقلق من خسارة السيطرة على الكونغرس.
ورأى أن أسعار النفط المنخفضة تُعد عنصرًا محوريًا في الخطاب الانتخابي لترمب؛ إذ يسعى إلى طمأنة الناخب الأميركي عبر إبقاء تكاليف الوقود ضمن مستويات مقبولة، حتى لو تطلب ذلك توظيف أدوات غير تقليدية أو رسائل سياسية مشحونة.
وأشار إلى أن التناقضات في التصريحات الأميركية بشأن العقوبات والإمدادات تعكس حالة ارتباك سياسي، لا قراءة اقتصادية دقيقة، لافتًا إلى أن الأسواق باتت أكثر وعيًا بالفجوة بين الخطاب الانتخابي والواقع الفعلي للعرض والطلب.
وجاءت التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج "أنسيات الطاقة"، قدمها أنس الحجي على مساحات منصة "إكس" (تويتر سابقًا) تحت عنوان: "النفط بين رمضان والحج والصيف والانتخابات الأميركية: هل ترتفع الأسعار؟"؛ حيث تناول أبعاد أسعار النفط سياسيًا.
ربط الانتخابات بأسعار الطاقة
قال أنس الحجي إن الانتخابات النصفية الأميركية تمثل هاجسًا حقيقيًا لترمب؛ إذ يخشى فقدان الأغلبية الجمهورية في الكونغرس، ما يفتح الباب أمام محاكمته سياسيًا، وهو ما يفسر محاولاته المستمرة التأثير في ملفات حساسة تمس حياة الناخب اليومية.
وأكد أن أسعار النفط والبنزين تأتي في صدارة هذه الملفات، موضحًا أن ترمب يراهن على إبقائها ضمن نطاق معقول، حتى لو ارتفع خام برنت إلى حدود 68 أو 70 دولارًا للبرميل، معتبرًا أن هذا المستوى لا يشكل عبئًا انتخابيًا حادًا.
وشرح أن الإدارة الأميركية تمتلك نظريًا خيار السحب من الاحتياطي الإستراتيجي، إلا أن التجارب التاريخية خلال 40 عامًا أثبتت أن السحوبات المحدودة، بين 30 و60 مليون برميل، لا تُحدث أثرًا جوهريًا في الأسواق أو أسعار الوقود.

ولفت أنس الحجي إلى أن أسعار النفط لن تتأثر فعليًا إلا في حال تكرار سيناريو إدارة جو بايدن، التي ضخت نحو 180 مليون برميل خلال 6 أشهر، مؤكدًا أن ترمب لا يبدو مستعدًا سياسيًا أو اقتصاديًا للذهاب إلى هذا الحد.
وأضاف أن الضغوط الجيوسياسية، خصوصًا تجاه إيران، تُستخدم أحيانًا أداة غير مباشرة لرفع تكاليف الشحن والتأمين، ما يزيد أعباء الطاقة على الصين تحديدًا، دون أن تضطر واشنطن إلى اتخاذ خطوات داخلية مثيرة للجدل.
وأشار إلى أن أسعار النفط إذا تجاوزت حاجز الـ70 دولارًا، فإن الصين ستتدخل تلقائيًا عبر السحب من مخزوناتها، ليس خدمة لترمب، بل حماية لمصالحها، وهو ما يؤدي عمليًا إلى كبح أي ارتفاع حاد دون تدخل أميركي مباشر.
بيع النفط الفنزويلي بسعر أعلى
قال أنس الحجي إن الحديث الأميركي عن بيع النفط الفنزويلي بأسعار أعلى يحمل قدرًا كبيرًا من التضليل، موضحًا أن التصريحات الرسمية أغفلت تفاصيل جوهرية تتعلق بالوسطاء التجاريين وطبيعة الصفقات التي جرت خلف الكواليس خلال الأشهر الماضية.
وأوضح أن أسعار النفط الفنزويلي لم ترتفع فعليًا، بل بيع الخام بالسعر نفسه الذي كانت تشتريه الصين، قبل أن تتولى شركتا تجارة عالميتان إعادة تسويقه بأسعار أعلى لدول أخرى، مستفيدتين من علاقاتهما السياسية القوية.
وبيّن أن هاتين الشركتين، غنفور وترافيغورا، حصلتا على عشرات الملايين من الدولارات نتيجة هذه الترتيبات، في حين أن النفط نفسه لم يجد مشترين حتى الآن، على الرغم من مرور أكثر من شهرين على إتمام الصفقة الأساسية.

وأكد أنس الحجي أن أسعار النفط الفنزويلي المرتفعة مجرد عنوان إعلامي، بينما الواقع أن الشحنات ما زالت تبحث عن مشترٍ، بعد فشل محاولات بيعها للصين أو الهند، ما اضطر الأطراف المعنية لتوجيه جزء منها إلى السوق الأميركية.
ولفت إلى أن هذا التعثر كشف أزمة حقيقية في تسويق الخام الفنزويلي، لا تتعلق بالسعر فقط، بل بالمخاطر السياسية والمالية، ما يجعل كثيرًا من الدول تتردد في الدخول بصفقات قد تجر عليها تبعات قانونية.
وأضاف مستشار تحرير منصة الطاقة أن أسعار النفط هنا استُخدمت بوصفها أداة ترويج سياسي، أكثر من كونها انعكاسًا لقوى السوق، وهو ما يضعف مصداقية الخطاب الأميركي أمام المتعاملين الدوليين والمؤسسات المالية.
دور الهند والصين في معادلة السوق
قال أنس الحجي إن تصريحات ترمب بشأن اتفاقه مع الهند شابها كثير من المبالغة، مؤكدًا أن نيودلهي لم تعلن رسميًا التزامها بوقف استيراد النفط الروسي أو التحول الكامل إلى الخام الأميركي أو الفنزويلي كما زُعم.
وأوضح أن أسعار النفط لم تتأثر بتلك التصريحات، لأن الهند عمليًا لا تملك بديلًا فوريًا للنفط الروسي، رغم خفض وارداتها بنحو 600 ألف برميل يوميًا، إذ ما زالت تعتمد على أكثر من 1.4 مليون برميل يوميًا.

وبيّن خبير اقتصادات الطاقة أن زيادة واردات الهند من الولايات المتحدة حدثت قبل أي اتفاق مزعوم، وهي أقرب إلى تعويض تراجع سابق، لا توسع جديد، مشددًا على أن الأرقام الفعلية لا تدعم الرواية السياسية المتداولة.
وأضاف أن أسعار النفط الروسية انخفضت نتيجة تراجع الطلب الهندي، ما دفع الصين لشراء هذه الكميات بالكامل، محققة وفورات كبيرة، في مفارقة تُظهر كيف أسهمت الضغوط الأميركية في خدمة المصالح الصينية دون قصد.
ولفت إلى أن الحديث عن مشتريات هندية بقيمة 500 مليار دولار من الولايات المتحدة يفتقر إلى الإطار الزمني الواضح، مرجحًا أنه رقم سياسي فضفاض يمتد لعشر سنوات، دون التزامات عملية قابلة للقياس حاليًا.
وختم أنس الحجي بالتأكيد على أن تداخل السياسة بالأسواق جعل المشهد النفطي أكثر تعقيدًا، موضحًا أن التحركات الصينية والهندية ستظل عامل توازن رئيسًا، بغضّ النظر عن الخطاب الانتخابي الأميركي أو الوعود المرتبطة به.
موضوعات متعلقة..
- أمين عام أوابك: رقم مستبعد لأسعار النفط.. و3 تحديات في 2026
- توقعات أسعار النفط في 2026 و2027 من صندوق النقد الدولي
- أنس الحجي: أسعار النفط سترتفع إذا هوجمت إيران.. وهذا مصير مضيق هرمز
اقرأ أيضًا..
- الطاقة المتجددة في المغرب تسابق الزمن.. تقرير يكشف نجاحات وعقبات
- مسح: اكتشافات النفط والغاز العربية في يناير 2026 تتركز بـ3 دول
- التنقيب عن النفط والغاز في المياه السورية يشهد خطوة مهمة
المصدر:





