حرق النفايات البلاستيكية للطهي.. كارثة صحية تهدّد المجتمعات الفقيرة (تقرير)
نوار صبح
- سكان الأحياء الفقيرة يحرقون النفايات البلاستيكية للطهي وتدفئة منازلهم والتخلص من القمامة
- أعداد متزايدة من الفقراء لجأوا إلى حرق النفايات البلاستيكية وقودًا بديلًا
- حرق النفايات البلاستيكية في المواقد التقليدية ممارسة شائعة
- لا توجد جهود عالمية تهدف إلى كبح إنتاج البلاستيك واستعماله والتخلص منه
يسبّب حرق النفايات البلاستيكية من أجل الطهي والتخلص من القمامة أضرارًا صحية وبيئية بالغة، خصوصًا في المجتمعات الفقيرة، وسط غياب بدائل نظيفة وتدابير رادعة.
إزاء ذلك، حذّرت دراسة حديثة من أن العديد من الاتجاهات العالمية تتصادم مسببةً عواقب وخيمة على الصحة والبيئة، وفق تفاصيل اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة.
وارتفع إنتاج البلاستيك بصورة هائلة منذ خمسينيات القرن الماضي، من بضعة ملايين من الأطنان سنويًا إلى ما يقرب من نصف مليار طن، حاليًا، ومن المتوقع أن يتضاعف 3 مرات بحلول عام 2060.
ونظرًا إلى أن نسبة ضئيلة فقط من البلاستيك تُعاد تدويرها، فإن ملايين الأطنان من البلاستيك -المشتق من الوقود الأحفوري والمحمل بمواد كيميائية سامة- تدخل البيئة بوصفها نفايات سنويًا، ومن المرجح أن يتضاعف هذا الرقم الهائل 3 مرات بحلول منتصف القرن.
تصدير النفايات البلاستيكية
لعقود طويلة، دأبت الولايات المتحدة وغيرها من الدول ذات الدخل المرتفع على تصدير نفاياتها البلاستيكية إلى الدول ذات الدخل المنخفض في الجنوب العالمي، التي يفتقر الكثير منها إلى الإمكانات اللازمة لإدارة تدفق النفايات المتزايد.
وفي الوقت نفسه، يفتقر ملايين الأشخاص في دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا وأميركا اللاتينية إلى وقود الطهي النظيف، وخدمات الصرف الصحي الملائمة، وخدمات إدارة النفايات.
ومع تسارع وتيرة التوسع الحضري بصورة غير مسبوقة في تلك المناطق، يلجأ سكان المدن الذين يعيشون في فقر مدقع في كثير من الأحيان إلى حرق مخلفات أكوام النفايات البلاستيكية الهائلة التي تغمر مجتمعاتهم.
وانطلاقًا من قلقهم إزاء لجوء الفقراء المدقعين بصورة متزايدة إلى النفايات البلاستيكية بصفته وقودًا رخيصًا وسهلًا، شرع فريق دولي من الباحثين في تقييم مدى انتشار هذه الأزمة الصحية العامة المتنامية وطبيعتها.
ففي دراسة استقصائية شملت أكثر من 1000 شخص يعملون مع المجتمعات الحضرية ذات الدخل المنخفض في دول الجنوب العالمي، وجد الفريق أن سكان الأحياء الفقيرة التي تفتقر إلى خدمات الكهرباء في أكثر من 20 دولة يحرقون النفايات البلاستيكية المحيطة بمجتمعاتهم للطهي وتدفئة منازلهم والتخلص من القمامة.

التخلص من النفايات
في ورقة بحثية سابقة، استشهدت مجموعة من الباحثين بتقارير غير رسمية تفيد بأن أعدادًا متزايدة من الفقراء الذين يعيشون في الأحياء الفقيرة التي تفتقر إلى خدمات أساسية للتخلص من النفايات والطاقة قد لجأوا إلى حرق النفايات البلاستيكية كونه وقودًا بديلًا.
في الدراسة الجديدة، المنشورة في مجلة "نيتشر كوميونكيشنز" (Nature Communications)، استطلع الفريق آراء باحثين وموظفين حكوميين وقادة مجتمعيين يعملون مع الأحياء الفقيرة في 26 دولة لفهم أفضل لتهديد صحي متنامٍ لم يحظَ بالاهتمام الكافي.
وأفاد ثلث المشاركين في الاستطلاع بأن حرق النفايات البلاستيكية في المواقد التقليدية، بما في ذلك مواقد الطين ومواقد "الحجارة الـ3"، ممارسة شائعة.
وشاهد ما يقرب من نصف المشاركين أشخاصًا يحرقون النفايات لطهي الطعام، في حين شاهد أكثر من الثلث أشخاصًا يحرقون البلاستيك لتدفئة منازلهم، وأفاد بعض المشاركين بأنهم يمارسون كلا الأمرين بأنفسهم.
وقال أحد المشاركين في إعداد الدراسة أستاذ الهندسة الكيميائية في كلية أستراليا الغربية للمناجم بجامعة كورتين، هاري فوثالورو: "إن التلوث البلاستيكي ليس مجرد مشكلة بيئية، بل هو قضية صحة وبقاء يومية لعشرات الملايين من الأشخاص".
وأضاف: "إذا كنا جادين بشأن العمل المناخي والعدالة البيئية، فلا يمكننا تجاهل الممارسة الخفية لحرق النفايات البلاستيكية".
الحد من التلوث البلاستيكي
على الرغم من أن منظمات المجتمع المدني دعت إلى اتخاذ تدابير للحد من التلوث البلاستيكي، لا توجد جهود عالمية تهدف إلى كبح إنتاج البلاستيك واستعماله والتخلص منه.
في هذا الإطار، انتهت محادثات الأمم المتحدة بشأن التلوث البلاستيكي في أغسطس/آب المنصرم دون التوصل إلى معاهدة، إذ رفضت الولايات المتحدة ودول أخرى رئيسة منتجة للبلاستيك مطالب وقف الإنتاج، بقيادة دول الجنوب العالمي التي تتحمل العبء الأكبر من التلوث البلاستيكي.
وأوضح أستاذ الهندسة الكيميائية في كلية أستراليا الغربية للمناجم بجامعة كورتين، هاري فوثالورو، أن البنية التحتية لإدارة النفايات في العديد من المناطق الحضرية سريعة النمو لم تواكب الزيادة الهائلة في إنتاج البلاستيك، ما حوّل المجتمعات ذات الدخل المنخفض إلى مكبات للنفايات البلاستيكية.
وقالت الأستاذة في قسم تمريض الرعاية الصحية الأسرية بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، ليزا تومسون، التي لم تشارك في الدراسة: "من المفيد أنهم أجروا دراسة واسعة النطاق كهذه في 26 دولة، وأعتقد أنها تقدم نظرة شاملة جيدة لما يحدث وتزيد من وعي الأشخاص بهذه القضية".
وأوضحت: "بما أن البلاستيك يُصنع من الوقود الأحفوري، فإنه يشتعل بسرعة، ما يوفر لسكان الأحياء الفقيرة مصدرًا رخيصًا وسهلًا للوقود في حين يعملون على إزالة أكوام القمامة المحيطة بمنازلهم"، مشيرة إلى أن "هذه النفايات البلاستيكية سريعة الاشتعال تحتوي على آلاف المواد الكيميائية الضارة".
ويُطلق احتراق البلاستيك مواد شديدة السمية تشمل الجسيمات الدقيقة، والمعادن الثقيلة، والديوكسينات والفيورانات المسببة للسرطان، وعشرات المركبات الأخرى التي تتراكم في السلسلة الغذائية وأجسام البشر، بحسب تقرير طالعته منصة الطاقة المتخصصة.
ويؤدي استنشاق هذه المركبات إلى مشكلات صحية متنوعة، بما في ذلك مشكلات تنفسية مزمنة وإجهاد القلب والأوعية الدموية.
وتتساقط مخلفات البلاستيك السامة من النيران المكشوفة والمواقد البدائية بصورة روتينية على الأحياء المكتظة بالسكان، وتلوث المنازل ومصادر المياه والتربة والمحاصيل والطعام الذي يُجهّز للوجبات أو التوزيع.
وفي مثال بارز -نُشر في صحيفة نيويورك تايمز- أدى حرق النفايات البلاستيكية بصفته وقودًا من قبل صانعي أطعمة فول الصويا والحليب في قرية إندونيسية إلى تلوث بيض الدجاج المحلي بالديوكسين ومواد كيميائية قاتلة أخرى.
وغالبًا ما تحتوي عبوات البلاستيك الضارة على مواد أكثر خطورة، فمن بين 366 مشاركًا أفادوا بحرق النفايات البلاستيكية بصفته وقودًا منزليًا، قال ما يقرب من ثلثَيْهم إنهم يحرقون عبوات بلاستيكية تحتوي على سوائل تنظيف وأسمدة ومبيدات حشرية.
مخاطر حرق النفايات البلاستيكية
يفتقر الكثير ممن يحرقون هذه النفايات البلاستيكية إلى المعلومات الكافية حول مخاطرها، أما من يعرفون هذه المخاطر فيُجبرون على الاختيار بين التخلي عن التدفئة والوجبات المطبوخة أو التعرض للمواد الخطرة.
وقالت الأستاذة في قسم تمريض الرعاية الصحية الأسرية بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، ليزا تومسون، إن هناك اهتمامًا كبيرًا بالجسيمات البلاستيكية الدقيقة وتعرّض الأشخاص لها من خلال الشرب والأكل وارتداء الملابس.
ولم تحظَ مخاطر حرق البلاستيك بالاهتمام الكافي، بحسب تومسون، التي درست هذا الخطر في قرى السكان الأصليين في غواتيمالا.
وأوضحت أن "الأشخاص يستعملون البلاستيك لإشعال النار لأنه يحترق بسرعة، وليس من النادر رؤية أكوام من الزجاجات والأكياس المخصصة لإشعال النار بجانب جذوع الأشجار في منازل الأشخاص في غواتيمالا".
وأردفت: "عندما يفتحون كيسًا من المعكرونة أو الأرز، غالبًا ما يرمون الكيس الفارغ في النار للتخلص من البلاستيك".
وتابعت: "عندما تمر بجوار منزل يحرق البلاستيك، يمكنك شم رائحته فورًا.. إنها رائحة كريهة للغاية. رائحة حادة، لاذعة، نفاذة، مثل رائحة الإطارات المحترقة".
وأضافت تومسون أن "ما يقرب من 40% من سكان العالم يحرقون الوقود الصلب للطهي، والآن، فوق ذلك، يحرقون البلاستيك. إنها مشكلة متفاقمة، أعتقد أن الكثيرين لا يدركونها، ولكن ينبغي عليهم ذلك".

مشكلات إدارة النفايات
في أثناء دراسة مشكلات إدارة النفايات والحصول على الكهرباء في المجتمعات الحضرية ذات الدخل المنخفض على مدى العقد الماضي، استمر الفريق القائم على الدراسة الأخيرة في سماع قصص عن أشخاص يحرقون النفايات البلاستيكية.
وقال أستاذ الهندسة الكيميائية في كلية أستراليا الغربية للمناجم بجامعة كورتين، هاري فوثالورو: "ما أثار دهشتنا هو أن هذه الممارسة كانت معروفة على نطاق واسع محليًا، لكنها كانت شبه غائبة عن الدراسات الأكاديمية والمناقشات السياسية".
وأشار إلى أن "هذه الفجوة أو هذه المنطقة الرمادية هي ما دفعنا إلى إجراء هذه الدراسة العالمية".
وأوضح أن "النقاشات الدائرة حول سياسات البيئة والطاقة في الدول النامية تميل إلى التركيز على الأنظمة الرسمية، مثل محطات توليد الكهرباء، متجاهلةً الواقع غير الرسمي على مستوى الأسر في المجتمعات ذات الدخل المنخفض".
وأضاف: "هناك افتراض ضمني، أو بالأحرى افتراض غير مُعلن، بأن التنمية ستحل هذه المشكلات في نهاية المطاف"، مشيرًا إلى أن هذه الافتراضات تؤخّر اتخاذ إجراءات عاجلة.
من ناحيته، قال الباحث لدى معهد كورتين المؤلف الرئيس للدراسة، بيشال بهارادواج: "هذه مشكلة تحدث في الغالب بعيدًا عن الأنظار في المجتمعات، وكان من الصعب الحصول على بيانات دقيقة عنها".
وأوضح بهارادواج أن "هذه الدراسة هي الأولى التي تقدم أدلة عالمية واسعة النطاق على حرق الأسر البلاستيك للتخلص من النفايات، ولطهي الطعام، وتدفئة المنازل، وإشعال النيران، وطرد الحشرات".
وأفاد بهارادواج، في ورقة بحثية نُشرت في فبراير/شباط الماضي، مشيرًا إلى تشاد بوصفها مثالًا، بأن الدول التي تشهد أعلى معدلات استعمال لأنواع الوقود الملوثة للطهي، مثل الخشب والفحم، عادةً ما تضم عددًا أكبر من السكان القاطنين في الأحياء الفقيرة.
في عام 2022، كان أكثر من 80% من سكان المدن يعيشون في الأحياء الفقيرة في هذه الدولة الواقعة في وسط أفريقيا، ويعتمد أكثر من 60% منهم على أنواع وقود تلوث منازلهم.
وفي دراسة جديدة، وجد الفريق أن الأشخاص كانوا يحرقون النفايات البلاستيكية مع أنواع أخرى من الوقود الملوث، ما يزيد من سمية الدخان. ووجدوا أن النساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة هم الأكثر عرضة للخطر.
وقالت الأستاذة في قسم تمريض الرعاية الصحية الأسرية بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، ليزا تومسون: "ليس من المستغرب أن تكون النساء والأطفال أكثر عرضة للخطر".
وأشارت إلى أن "الأطفال الصغار عادةً ما يكونون بالقرب من أمهاتهم في المطبخ، وغالبًا ما تحملهم أمهاتهم على ظهورهن في أثناء الطهي".
وتابعت: "هذا ما وجدته في غواتيمالا"، وقالت إن "النساء هنّ المسؤولات عن الأعمال المنزلية، لذا فهنّ الأكثر عرضةً للخطر".
غياب مصادر الطاقة
يرى الباحثون أن مجرد مطالبة الأشخاص الذين لا يملكون مصدرًا للطاقة ويحيط بهم البلاستيك سريع الاشتعال بالتوقف عن حرقه لن يجدي نفعًا.
وأكدوا أن الحلول العملية يجب أن تعالج جذور المشكلة، التي تشمل أوجه عدم المساواة الهيكلية التي تجبر ملايين الأشخاص على العيش في فقر مدقع، دون الحصول على وقود نظيف بأسعار معقولة وخدمات إدارة النفايات الكافية.
وقال أستاذ الهندسة الكيميائية في كلية أستراليا الغربية للمناجم بجامعة كورتين، هاري فوثالورو: "نسعى لتوعية الجهات المعنية بوضع السياسات بهذه القضايا حتى تتمكن من سنّ لوائح صارمة حول التخلص من النفايات وممارسات إدارة البنية التحتية للنفايات".
وأضاف أنه "دون بدائل طاقة نظيفة وبأسعار معقولة، سيستمر الأشخاص في حرق أي شيء متاح. يجب أن تتناول الحلول كلًا من توفير الطاقة النظيفة والحد من استعمال البلاستيك".
وأوضح فوثالورو أن "هذا التهديد المتزايد للصحة البيئية لا يمكن حله على الفور، ونسعى جاهدين لتوعية الجميع بهذه المشكلة لحماية هذه الفئة من الأشخاص من المزيد من الأضرار الصحية".
وأكد أن "تجاهل المشكلة سيُرسّخ طبقة أخرى من عدم المساواة، إذ ستنتقل الدول الغنية إلى أنواع وقود أنظف، متجاهلةً الدول الفقيرة".
وقال: "إذا لم يتغير شيء فسنستمر في رؤية أمراض يمكن الوقاية منها، ووفيات مبكرة، وانبعاثات مناخية غير محسوبة، التي تؤثر في أولئك الذين أسهموا بأقل قدر في المشكلة".
موضوعات متعلقة..
- الطاقة الشمسية في نيجيريا تدعم تدوير النفايات البلاستيكية
- إعادة تدوير النفايات البلاستيكية لا تتجاوز 9%.. الأرقام تفضح الواقع
- الاقتصاد الدائري في المغرب.. استطلاع يرصد واقع النفايات البلاستيكية وتحدياتها
اقرأ أيضًا..
- صادرات الجزائر من النفط في 2025 تنخفض.. و3 دول تقتنص 60%
- البنية التحتية للتصدير.. هل المواني العربية جاهزة للأمونيا الخضراء؟
- قطاع النفط والغاز في إيران.. 3 سيناريوهات تطرحها الاحتجاجات المحلية (مقال)
المصدر..




