إيرادات روسيا من النفط والغاز تتراجع.. وغموض يخيّم على 2026 (مقال)
فيلينا تشاكاروفا* – ترجمة: نوار صبح

- إنتاج روسيا من النفط الخام انخفض بأكثر من 73 ألف برميل يوميًا في ديسمبر
- النفط والغاز ما يزالان يمثّلان ربع إيرادات الضرائب الفيدرالية الروسية تقريبًا
- إستراتيجية الطاقة الروسية في ظل العقوبات أجبرت على إعادة توجيه جذرية لتدفقات الصادرات
- النفط الروسي ما يزال يتمتع بأسعار تنافسية وموثوقية لوجستية وملاءمة تامة لنظام التكرير الهندي
شهدت إيرادات روسيا من النفط والغاز تراجعًا بسبب العقوبات الأميركية والأوروبية المتتالية الهادفة إلى ممارسة أقصى الضغوط على قطاعات الطاقة في البلاد، ودخل اقتصاد الحرب الروسي القائم على الطاقة عام 2026 في ظل غموض غير معتاد.
وقد أرجأت وزارة المالية الروسية نشر بيانات شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي المتعلقة بإيرادات النفط والغاز المحولة إلى الموازنة الفيدرالية، إلى جانب الأرقام المقابلة لمشتريات العملات الأجنبية ومبيعاتها التي تمّت بموجب "قاعدة الموازنة" المالية الروسية.
وبررت الوزارة رسميًا هذا التأجيل بالإشارة إلى استكمال التقرير التشغيلي الجاري بشأن تنفيذ الموازنة الفيدرالية لعام 2025.
ويعكس جوهر هذا التأجيل تزايد الضغوط على صميم البنية المالية الروسية، حيث لا تزال المحروقات المصدر الرئيس لملاءة الدولة ماليًا.
بيانات إيرادات روسيا من النفط والغاز
في الظروف العادية تنشر وزارة المالية هذه الأرقام بشأن بيانات إيرادات روسيا من النفط والغاز في ثالث يوم عمل من كل شهر.
ولا يُعد هذا الإفصاح إجراءً شكليًا، بل إنه يحدد بصورة مباشرة حجم عمليات الصرف الأجنبي واتجاهها التي يجريها البنك المركزي الروسي.
وكان من المقرر أن تحول الوزارة 5.6 مليار روبل إلى الجهة الرقابية حتى 15 يناير/كانون الثاني الجاري، وبدءًا من 16 يناير/كانون الثاني فصاعدًا كان من المفترض إعادة معايرة عمليات صرف العملات الأجنبية بناءً على إيرادات النفط والغاز لشهر ديسمبر/كانون الأول الماضي.
وفي حال عدم صدور البيانات خلال أيام ستُعلّق معاملات العملات الأجنبية بموجب قاعدة الموازنة، وهو ما سيمثّل خروجًا كبيرًا عن الممارسات المتبعة، ويؤكد مدى تحول الإدارة المالية الروسية إلى ردود أفعال بدلًا من كونها قائمة على القوانين.
ولا يحدث هذا التعتيم على البيانات بمعزل عن غيره، بل يتزامن مع تدهور متزايد في أساسيات قطاع الهيدروكربونات الروسي، على مستوى أحجام الإنتاج والأسعار المحققة وإيرادات التصدير والوصول إلى الأسواق.
وقد أقرت وزارة المالية نفسها، في توقعاتها لشهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، بأن إيرادات النفط والغاز ستنخفض عن المستوى الأساسي بمقدار 137.6 مليار روبل (مليار و788 مليونًا و800 ألف دولار).
وعزت الوزارة هذا النقص إلى انخفاض أسعار السلع الأساسية وتزايد صعوبات المبيعات المرتبطة بالعقوبات الأميركية الأخيرة المفروضة على أكبر منتجي النفط في روسيا، وقد اشتدت هذه الضغوط منذ ذلك الحين.
(روبل روسي = 0.013 دولارًا أميركيًا)

بيانات إنتاج النفط الخام
تشير بيانات الإنتاج من مصادر ثانوية -صادرة عن منظمة أوبك- إلى انخفاض إنتاج روسيا من النفط الخام بأكثر من 73 ألف برميل يوميًا في ديسمبر/كانون الأول الماضي، ليصل إلى نحو 9.1 مليون برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى مسجل خلال الشهور الـ18 الماضية.
وتتفق تقييمات الاستخبارات الأوكرانية مع هذه الصورة؛ حيث تُقدّر إنتاج ديسمبر/كانون الأول الماضي بنحو 9.326 مليون برميل يوميًا.
ويقل هذا المستوى بأكثر من 100 ألف برميل يوميًا عن إنتاج نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وبنحو 250 ألف برميل يوميًا عن حصة روسيا في تحالف أوبك+ البالغة 9.574 مليون برميل يوميًا.
تجدر الإشارة إلى أن هذا الانخفاض يمثّل أشد انكماش منذ يونيو/حزيران 2024، ويُفسّر على أنه انكماش هيكلي وليس دوريًا، إذ يعكس القيود اللوجستية الناجمة عن العقوبات، وتراجع فرص الحصول على التكنولوجيا والخدمات، وضعف حوافز الاستثمار.
وأدت مسارات الأسعار إلى تفاقم الضغوط؛ إذ أفادت وزارة التنمية الاقتصادية الروسية بأن متوسط سعر خام الأورال -المستعمل في حساب ضريبة استخراج المعادن- انخفض إلى 39.18 دولارًا أميركيًا للبرميل في ديسمبر/كانون الأول الماضي، أي أقل بأكثر من 5 دولارات عن شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.
وعلى مدار عام 2025 تراجعت أسعار النفط العالمية بأكثر من 18%، وهو أكبر انخفاض سنوي منذ عام 2020، وسط مخاوف مستمرة بشأن فائض العرض وضعف نمو الطلب.
ونظرًا إلى أن النفط والغاز ما يزالان يمثّلان ربع إيرادات الضرائب الفيدرالية الروسية تقريبًا، فإن استمرار انخفاض الأسعار يُترجم مباشرةً إلى هشاشة مالية.
إلا أن التحول الأعمق ليس كميًا، بل هو جغرافي وهيكلي، فقد أجبرت إستراتيجية الطاقة الروسية في ظل العقوبات على إعادة توجيه جذرية لتدفقات الصادرات، بعيدًا عن الأسواق العالمية المتنوعة ونحو مجموعة أضيق من المشترين المتسامحين سياسيًا أو المتحالفين إستراتيجيًا.
واردات الصين من الوقود الأحفوري الروسي
عزّزت الصين مكانتها بوصفها شريان الحياة المهيمن للطاقة في روسيا، ففي ديسمبر/كانون الأول 2025 استحوذت الصين على 48% من إيرادات صادرات روسيا من أكبر 5 مستوردي الوقود الأحفوري، بقيمة تقارب 6 مليارات يورو (6.97 مليار دولار).
وشكّل النفط الخام 60% من هذه المشتريات، يليه الفحم والغاز الطبيعي.
وارتفعت شحنات النفط الخام المنقولة بحرًا إلى الصين بنسبة 23% شهريًا، ما أدى إلى زيادة إجمالي الواردات بنسبة 11%.
وبلغت مشتريات النفط الخام من فئة "إسبو" ESPO أعلى مستوى لها في 4 أشهر، في حين ارتفعت واردات النفط الخام من فئة الأورال Urals بنسبة 15% شهريًا، مسجلةً بذلك أعلى مستوى ربع سنوي لواردات الصين من هذه الفئة منذ الربع الثاني من عام 2023.
ويُنظر إلى هذا التحول على نطاق واسع بوصفه نتيجة مباشرة لضغوط العقوبات الأميركية، حيث تستوعب المصافي الصينية بصورة متزايدة كميات النفط الخام التي حُولت من أسواق أخرى.

واردات الهند من النفط الروسي
بدأت الهند -التي لطالما عُدّت ثاني أكبر منفذ إستراتيجي لروسيا في ظل العقوبات- في إعادة التوازن بشكل ملحوظ.
فقد انخفضت واردات الهند من النفط الخام الروسي بنسبة 29% على أساس شهري في ديسمبر/كانون الأول الماضي، لتصل إلى أدنى مستوى لها منذ تطبيق سقف أسعار مجموعة الـ4.
ويعود هذا الانخفاض بصفة رئيسة إلى مصفاة جامناغار التابعة لشركة "ريلاينس إندستريز" الهندية Reliance Industries، التي خفّضت وارداتها من النفط الروسي إلى النصف، بالإضافة إلى خفض المصافي الحكومية وارداتها بنحو 15%.
وعلى الرغم من أن النفط الخام الروسي لا يزال يمثل 78% من مشتريات الهند من المحروقات الروسية -بقيمة إجمالية قدرها 1.8 مليار يورو- فإن هذا الاتجاه يعكس تنويعًا متسارعًا للمصادر وليس انسحابًا تامًا.
وفي الوقت نفسه، وسّعت الهند وارداتها من موردين بديلين، بما في ذلك كولومبيا وغايانا، واستكشفت سبل استئناف مشترياتها من النفط الخام الفنزويلي في انتظار الموافقات الأميركية.
وعلى الرغم من ذلك فإن النفط الروسي ما يزال يتمتع بأسعار تنافسية، وموثوقية لوجستية، وملاءمة تامة لنظام التكرير الهندي.
وحسب ما أكد ممثلو الصناعة الهندية مرارًا وتكرارًا فإن قرارات الشراء تُحركها في نهاية المطاف اعتبارات الجودة والسعر، لا الإشارات الجيوسياسية، وهو واقع يحد من فاعلية العقوبات الثانوية كأداة للإكراه الصريح.
تركيا تواصل استيراد الوقود الأحفوري من روسيا
في ديسمبر/كانون الأول الماضي حلّت تركيا محل الهند بوصفها ثاني أكبر مستورد للوقود الأحفوري من روسيا، باستيرادها مواد هيدروكربونية بقيمة 2.6 مليار يورو.
وفي الوقت نفسه فإن تركيبة هذه الواردات تكشف عن الكثير، فقد شكّلت المنتجات النفطية المكررة 44%، والغاز المنقول عبر الأنابيب نحو 38%، في حين انخفضت واردات النفط الخام انخفاضًا حادًا.
وانخفضت شحنات النفط الخام الروسي إلى مصافي توبراش التركية بنحو 69% على أساس شهري، حتى مع ارتفاع إجمالي واردات المصافي.
وقد سُدِّد هذا النقص إلى حد كبير بالإمدادات العراقية، ما يُبرز نمطًا أوسع، فحتى في حال استمرار العلاقات السياسية مع موسكو فإن الجهات التجارية تتخذ تدابير وقائية ضد العقوبات وتقلبات الأسعار ومخاطر الإضرار بالسمعة.
الاتحاد الأوروبي
ما يزال موقف أوروبا متناقضًا للغاية، ففي ديسمبر/كانون الأول الماضي كان الاتحاد الأوروبي -بوصفه تكتلًا واحدًا- رابع أكبر مشترٍ للوقود الأحفوري الروسي، إذ بلغت حصته 11% (1.3 مليار يورو) من إيرادات التصدير بين أكبر 5 مستوردين.
وشكّل الغاز المسال -الذي ما يزال خارج نطاق العقوبات- نصف هذه المشتريات، وسُلّم بصفة أساسية إلى فرنسا وبلجيكا وإسبانيا.
ومع دخول حظر شامل حيز التنفيذ بحلول نهاية عام 2026، يبدو أن المشترين الأوروبيين يُسرعون في استيراد الغاز.
وقد ارتفعت شحنات الغاز المسال الروسي إلى أوروبا بصورة ملحوظة، ما رفع إجمالي أحجام صادرات الغاز المسال إلى أعلى مستوى لها في عام 2025، وزاد إيرادات الغاز المسال بنسبة 13%، حتى مع انخفاض إيرادات صادرات النفط بنسبة 12% نتيجة تراجع الشحنات المنقولة بحرًا.
ويُبرز هذا الوضع خللًا جوهريًا في نظام العقوبات.
وعلى الرغم من تقييد تدفقات النفط جزئيًا وتخفيض أسعارها بصورة كبيرة لا يزال الغاز الطبيعي -خصوصًا الغاز المسال- يدرّ إيرادات بالعملات الصعبة إلى موسكو.
ومن شأن استمرار عمليات الشراء الأوروبية أن يقلّل من التأثير التراكمي للعقوبات، ويكشف عن حدود إستراتيجية تستهدف النفط بصورة أكثر عدوانية من الغاز.
ومن وجهة نظر نيودلهي يبقى التوقع بأن تتخلى الهند فجأة عن النفط الروسي تحت ضغط خارجي بعيدًا إستراتيجيا واقتصاديًا عن الواقع.

المنطق الاقتصادي
أوضح نائب رئيس رابطة المصدرين والمستوردين أرتور لير أن قرارات الهند بشأن شراء الطاقة تستند إلى منطق اقتصادي سليم لا إلى إكراه جيوسياسي، فالتنافسية السعرية، وجودة النفط الخام، وتوافق المصافي، وموثوقية الإمدادات؛ لا تزال تتفوق على الإشارات السياسية.
ومع الارتفاع الهيكلي في الطلب الهندي على الطاقة تحتفظ البراميل الروسية مخفضة السعر بميزة واضحة على البدائل الأكثر تكلفة من الشرق الأوسط أو حوض الأطلسي، حتى مع التوسع التدريجي في تنويع مصادر الطاقة.
ويستمر هذا التوجه رغم تصاعد ضغوط واشنطن، بما في ذلك دعم الرئيس دونالد ترمب لتشريع يهدد بفرض رسوم جمركية عقابية بنسبة 500% على الدول التي تشتري الطاقة الروسية.
وقد تؤثر هذه الإجراءات في السلوك الهامشي وتسرع من عمليات التحوط، لكن من غير المرجح أن تتجاوز استقلالية الهند الإستراتيجية الراسخة في صنع القرارات الاقتصادية.
الأهم من ذلك أن علاقات الطاقة بين روسيا والهند ليست مجرد حلول مؤقتة بعد عام 2022، وإنما هي جزء من تقارب أعمق يمتد لسنوات عديدة ويشمل الطاقة والدفاع والتجارة.
في هذا الإطار لن يمثّل انسحاب الهند الكامل من النفط الروسي تعديلًا سياسيًا، بل قطيعة هيكلية، وهو أمر لا تبدو نيودلهي راغبةً في اتباعه.
ومثلما هو الحال مع الصين وأجزاء من جنوب شرق آسيا، يشير موقف الهند إلى اتجاه أوسع: ستعيد الاقتصادات الكبرى غير الغربية تقييم أوضاعها وتنويع مصادرها، لكنها لن تخضع قرارات أمن الطاقة الأساسية لضغوط خارجية.
وهذا ما يجعل فكرة قطع الهند التام لواردات النفط الروسي مجرد خطاب سياسي أكثر منها نتيجة قابلة للتطبيق.
تأخر نشر البيانات
إن تأخر نشر بيانات إيرادات روسيا من النفط والغاز ليس مجرد هامش محاسبي، بل هو عرض من أعراض ضغوط هيكلية متزايدة في المحرك المالي الذي يدعم الحرب.
ويُعد انخفاض الأسعار، وتراجع الإنتاج، والتشوّهات السوقية الناجمة عن العقوبات، كلها عوامل تُؤدي إلى تآكل إيرادات المحروقات بوتيرة أسرع مما ترغب موسكو -أو تستطيع- الإفصاح عنه.
بالمثل، فإن إعادة توجيه الصادرات قسرًا نحو الصين، وتقلّص دائرة المشترين المتسامحين، يُقلل من التنويع ويزيد من الاعتماد، في حين أن استمرار أوروبا في شراء الغاز المسال يُخفّف من الأثر الإجمالي للعقوبات، ويُوضح تنويع الهند الحذر من حدود العقوبات الثانوية بوصفها أداة غير فاعلة، فهي تُعيد تشكيل السلوك دون أن تُؤثر في الطلب.
وبوجه عام، تُشير هذه الاتجاهات إلى اقتصاد طاقة روسي لا يزال يعمل، ولكنه هشّ بشكل متزايد مُخفض الأسعار وغامض ومُقيد إستراتيجيًا.
وفي حرب استنزاف اقتصادي طويلة الأمد تُعد هذه الهشاشة أمرًا بالغ الأهمية، إذ لا تؤدي الضغوط المالية إلى انهيار الأنظمة بين عشية وضحاها، ولكنها تضيّق الخيارات الإستراتيجية بصورة مطردة، وتضخم قابلية التعرض للصدمات، وتحول الطاقة من مصدر للمرونة إلى ناقل للمخاطر.
فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.
*هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- أنس الحجي: سقف أسعار النفط لم يُخفّض إيرادات روسيا
- انخفاض إيرادات النفط والغاز يهدد نفوذ روسيا (مقال)
- أنس الحجي: من يسيطر على البحر الأحمر يحكم تجارة آسيا وأوروبا وروسيا والخليج
اقرأ أيضًا..
- صادرات الجزائر من النفط في 2025 تنخفض.. و3 دول تقتنص 60%
- البنية التحتية للتصدير.. هل المواني العربية جاهزة للأمونيا الخضراء؟
- قطاع النفط والغاز في إيران.. 3 سيناريوهات تطرحها الاحتجاجات المحلية (مقال)





