النفط الروسي إلى الهند ودول أخرى.. هل يواجه عقوبات أميركية جديدة؟ (مقال)
فيلينا تشاكاروفا* - ترجمة: نوار صبح

- شركة ريلاينس إندستريز الهندية أعلنت توقفها التام عن شراء النفط الروسي
- الهند تتجه في بحثها عن بدائل نحو النفط الخام الفنزويلي الثقيل
- عام 2025 وُصِف بأنه من أكثر الأعوام تحديًا لقطاع النفط الروسي
- تركيا لا تزال أكبر مستورد للمنتجات النفطية الروسية خصوصًا الديزل
تترقّب واردات النفط الروسي إلى الهند ودول أخرى فرض عقوبات أميركية ثانوية، وفي 8 يناير/كانون الثاني الجاري، أُعيد طرح مفهوم العقوبات المألوف بصورة أكثر قسوة.
وقد أعطى الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضوء الأخضر لمشروع قانون من شأنه تصعيد الضغط على إيرادات النفط الروسي، ليس فقط من خلال العقوبات المباشرة، بل من خلال عقوبات ثانوية تستهدف الدول التي تُبقي آلة التصدير الروسية عاملة، وعلى رأسها الهند، بالإضافة إلى الصين والبرازيل.
ويُعد الهدف السياسي واضحًا، وحسبما أوضح السيناتور ليندسي غراهام علنًا، فإنّ حجة واشنطن هي أن كييف تُقدّم تنازلات في محادثات السلام في حين لا تفعل موسكو ذلك، وبالتالي يجب ضرب روسيا في مواضع قوتها الإستراتيجية: تدفقات إيرادات صادرات النفط.
إنّ الآلية الأكثر تأثيرًا في مشروع القانون ليست عقوبة تقنية على كيان روسي أو سفينة بعينها، بل هي رادع صارم على مستوى النظام: رسوم استيراد بنسبة 500% على البضائع الواردة من الدول التي تشتري النفط الروسي.
مراكز الطلب المتبقية للنفط الخام الروسي
يستغل هذا المقترح الوصول إلى سوق المستهلكين الأميركيين بوصفه سلاحًا ضد أهم مراكز الطلب المتبقية على النفط الروسي.
وقد أُجّل هذا الإجراء عدة مرات، إلا أنه مصمم ليكون "خيارًا احتياطيًا" جاهزًا للتفعيل عندما ترغب واشنطن في تحقيق أقصى قدر من النفوذ على موسكو وخطوط إمدادها التجارية المتبقية.

الولايات المتحدة تنتقل من "العقوبات" إلى "الإكراه"
يُعدّ هذا التحول الحاسم في إستراتيجية العقوبات؛ من تقييد قدرات روسيا إلى إجبار دول ثالثة على تغيير سلوكها.
في المقابل، فإن العقوبات الثانوية ليست جديدة، لكن نطاقها وخطابها جديدان، فالتهديد بفرض تعرفة جمركية بنسبة 500% ليس مجرد زيادة هامشية في التكاليف، بل هو بمثابة ضربة قاضية للتجارة.
بالنسبة إلى الهند التي تسعى جاهدة لإبرام اتفاقية تجارية مع الولايات المتحدة، فإن هذا يحوّل مشتريات الطاقة إلى التزام مباشر على سياستها التجارية.
وتُعدّ الإشارة واضحة: يُعاد النظر في استمرار شراء النفط الروسي بصفته شكلًا قابلًا للتنفيذ من أشكال الاختلال الاقتصادي.
ومن المهم الإشارة إلى أن مشروع القانون يحظى بدعم قوي من الحزبَيْن، مع احتمال أن ينظر فيه الكونغرس الأميركي في وقت مبكر من الأسبوع المقبل.
ويُعد هذا الجدول الزمني مهمًا، لأن أسواق العقوبات تتأثر بالاحتمالات والمسارات، وليس فقط بالقوانين المُطبقة.
حتى قبل إقراره، يمكن أن يُعيد التأثير السلبي تشكيل التعاقدات، وقرارات الشحن، والتغطية التأمينية، واستعداد شركات التكرير الكبرى لأن تكون شريكة في تجارة النفط الروسي.
إنفاذ القانون البحري بوصفه "الطرف الصلب" لحملة أسطول الظل
يشهد السياق السياسي في البحر توترًا متزايدًا، فالعلاقات الأميركية الروسية الحالية متوترة، وقد ازدادت حدة إجراءات الإنفاذ.
وقد صادر خفر السواحل الأميركي ناقلة النفط "مارينيرا" (بيلا 1) رغم احتجاجات وزارة الدفاع الروسية، كما صادر ناقلة أخرى هي "إم صوفيا".
ويُشتبه في أن هاتَيْن السفينتَيْن كانتا تنقلان نفطًا خاضعًا للعقوبات من فنزويلا وإيران، إلا أن الرسالة الإستراتيجية تتجاوز مصدر شحناتهما.
وتُظهر واشنطن اهتمامًا متزايدًا بمنظومة "أسطول الظل" -السفن، والأعلام، والوسطاء، وممارسات التوجيه- التي تُمكّن تدفق السلع الخاضعة للعقوبات من الاستمرار تحت هويات مُخفية وسلاسل معاملات أطول.
وحتى عندما ترتبط عمليات الاعتراض الفردية بفنزويلا/إيران، فإنها تزيد من المخاطر المُتصوّرة لإنفاذ القانون على جميع الشحنات في المنطقة الرمادية.
ويترجم ذلك إلى ارتفاع أسعار الشحن، وارتفاع أقساط التأمين، وزيادة هوامش الامتثال، وزيادة الاعتماد على الوسطاء؛ وكل ذلك يظهر في نهاية المطاف في هيكل الخصم الذي يجب على روسيا قبوله للحفاظ على حركة الأحجام.
عملاق التكرير الهندي يتراجع.. على الأقل علنًا
في ظل هذه الخلفية، يبدو أن الموقف المحلي للهند يتحول إلى إدارة لمخاطر العقوبات عبر التحكم في الخطاب الإعلامي.
أعلنت شركة ريلاينس إندستريز (Reliance Industries)، إحدى كبرى شركات تكرير النفط في الهند، توقفها التام عن شراء النفط الخام الروسي.
قبل ذلك بيوم، أفادت صحيفة "واشنطن بوست" بأن "ريلاينس" -التي وُصفت بأنها المشتري الرئيس للنفط الخام الروسي العام الماضي- بأنها قد تخلّت رسميًا عن النفط الروسي.
بدورها، نفت "ريلاينس" علنًا تقريرًا حول 3 سفن تُحمّل النفط الروسي إلى منشأتها في جامناغار، وصرحت قائلة: "لم تتسلّم مصفاة جامناغار التابعة لشركة ريلاينس إندستريز أي شحنات من النفط الخام الروسي خلال الأسابيع الـ3 الماضية تقريبًا، ولا تتوقع أي شحنات من النفط الخام من روسيا في يناير/كانون الثاني".
ويكتسب هذا الأمر أهمية إستراتيجية بالغة، لأن جامناغار ليست مجرد مصفاة عادية، بل هي حجر الزاوية في قدرة الهند على التكرير بتقنيات متطورة، وأحد المحركات الرئيسة لإستراتيجية التكرير في البلاد؛ تحويل النفط الخام ذي الأسعار التنافسية إلى منتجات مكررة قابلة للتصدير.
لذا، يُنظر إلى الانسحاب العلني البارز على أنه إجراء ذو هدفَيْن: تقليل التعرض للعقوبات، وإظهار مرونة في التوافق خلال المفاوضات التجارية مع واشنطن.
مشكلة البيانات.. العقوبات تُخفي الواقع عمدًا
ثمة نقطة جوهرية تُحدّد سوق النفط في ظل العقوبات؛ الإحصاءات الرسمية لا تعكس بدقة التدفقات الفعلية. ووفقًا لإيغور يوشكوف (الجامعة المالية وصندوق أمن الطاقة الوطني)، لا يوجد انهيار رسمي مؤكد في الصادرات الروسية، بل قد تستمر شحنات قياسية، ولكن على مدى فترات تسليم أطول، مع تزايد السرية بشأن الوجهة والكميات.
وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن العقوبات باتت تمثّل صراعًا متزايدًا بين الإنفاذ والتكيف، فعندما ينهار مستوى الشفافية، يُخاطر صانعو السياسات بالخلط بين انخفاض حجم المعاملات الورقية وانخفاض حجم الشحنات الفعلية، وتتكيّف السوق بطرق تحافظ على التدفقات مع إضعاف إمكان التتبع.

كيف تتوسع "السوق الموازية"؟.. اقتصاد الوسطاء
يُحدد تقييم يوشكوف نموذجًا ناضجًا للتهرب الضريبي:
أولًا، الوسطاء وإعادة التسمية:
تستطيع الهند الحفاظ على وارداتها مع توجيه مشترياتها عبر وسطاء، على غرار ما حدث في تجارة إيران مع الصين، إذ يُخفى المنشأ وتُسجّل الشحنات تحت أسماء دول ثالثة (مثل شحنات "ماليزية").
ثانيًا، المصادر البديلة:
يستطيع موردون آخرون زيادة صادراتهم المُعلنة (مثل الإمارات العربية المتحدة) حتى لو أصبح منشأ البرميل أكثر تعقيدًا.
ثالثًا، تضخم التكاليف يصبح هو الخصم:
يجب دفع أجر لكل وسيط إضافي.. التعقيد ليس مجانيًا. إن الخصم الذي تقبله روسيا هو في الواقع وسيلة السوق لتمويل النظام الموازي: التجار، وسماسرة الشحن، وشركات التأمين، والتحايل على القوانين، وتعقيد مسارات الشحن، وعلاوات مخاطر السمعة.
رابعًا، يتحول نطاق تطبيق القوانين من النفط الخام إلى المنتجات المكررة:
يُعدّ تتبع منشأ النفط الخام أمرًا صعبًا، ويصبح تتبع منشأ المنتجات المكررة أكثر صعوبة بمجرد خروجها من المصافي.
ولهذا السبب تحديدًا تبرز أهمية الخطوة التنظيمية المقبلة، وهي خطوة أوروبا في عام 2026 لفرض حظر على استيراد المنتجات النفطية المصنعة من النفط الروسي إلى دول ثالثة، بما فيها الهند.
وتُعدّ هذه النقطة الأخيرة محورية؛ إذ ينتقل الصراع حول الامتثال من سؤال "من اشترى النفط الخام؟" إلى سؤال "ما النفط الخام المستعمل في صناعة الديزل ووقود الطائرات والبنزين المُصدّر؟".
وفي حال حاولت أوروبا تطبيق هذا النهج القائم على منشأ المنتج، فإن الهدف الإستراتيجي لروسيا لن يقتصر على بيع النفط الخام، بل سيتعداه إلى ضمان عدم إمكان التمييز بين صادرات المنتجات المكررة من دول ثالثة والمنتجات المشتقة من مواد خام غير روسية، مثل العراق (المذكور في النص كونه ثاني أكبر مورد للهند).
آلية الخصم.. لماذا لن تحصل الهند تلقائيًا على تنازلات أكبر؟
يُفترض عادةً أن زيادة ضغوط العقوبات تعني خصومات أكبر للمشترين.
تاريخيًا، كان الخصم في ميناء المشتري "بضعة دولارات"، ولا يتوقع يوشكوف زيادة جذرية الآن -حتى في ظل الضغوط- لأن الطلب على النفط المخفّض آخذ في التراجع.
والعامل الرئيس هو خسارة الصين للنفط الفنزويلي في الشهر الماضي -نحو 500 ألف برميل يوميًا- وسعيها لاستبدال أنواع أخرى به من النفط المخفّض، بما في ذلك النفط الروسي والإيراني.
وهذا يخلق منافسة داخل سوق النفط المخفّض، بعبارة أخرى، تزيد ضغوط العقوبات على الهند من رغبتها في الحصول على خصم أكبر، لكن اضطرابات الإمدادات في أماكن أخرى تزيد من الطلب المنافس على فئات النفط المخفّض نفسه، ما يقلّل من قدرة المشتري على التفاوض.

فنزويلا بصفتها "خيارًا بديلًا".. ثم يتعطل هذا الخيار
تتجه الهند في بحثها عن بدائل نحو النفط الخام الفنزويلي الثقيل، ولا سيما أنواع مثل ميري 16، الذي يُوصف بأنه بديل مثالي لمجمعات التكرير المتطورة في الهند، بما في ذلك تلك التي تديرها شركة ريلاينس.
لكن الخيار الفنزويلي ليس بديلًا كاملًا، إذ توجد عدة معوقات:
- تعرقلت تدفقات الوقود من فنزويلا إلى الهند بسبب العقوبات الأميركية منذ أبريل/نيسان 2024.
- وفقًا لصحيفة "إل ناسيونال"، توقفت تدفقات الوقود من أميركا اللاتينية بشكل شبه كامل نتيجة للتدخل العسكري الأميركي.
- انخفضت الصادرات الفنزويلية إلى الهند في السنة المالية 2024-2025 إلى 255.3 مليون دولار، أي بنسبة 81.3%.
- في أكتوبر/تشرين الأول 2025، استوردت الهند سلعًا من فنزويلا بقيمة 20.7 مليون دولار فقط، إذ تجنّبت شركات التكرير المخاطر المالية، ما أدى إلى حالة من الجمود في السوق.
في الوقت نفسه، نُقل عن شبكة "إيه بي سي نيوز" ABC News قولها إن الولايات المتحدة تطالب فنزويلا بقطع علاقاتها الاقتصادية مع روسيا والصين، والاكتفاء بالتعاون معها في قطاع النفط.
ويكمن المغزى الإستراتيجي من ذلك في أن الإمدادات الفنزويلية لم تعد مجرد "بديل"، بل أصبحت خاضعة لسيطرة سياسية، ومشروطة بالتوافق مع واشنطن.
وهكذا تحديدًا يصبح نظام العقوبات مُعززًا لذاته: الضغط على الهند لتقليل مشترياتها من النفط الخام الروسي، في حين يصبح البديل الأوضح (النفط الخام الفنزويلي الثقيل) أقل توافرًا بسبب إجراءات الإنفاذ، وعدم الاستقرار، والظروف السياسية الأميركية.
اختبار روسيا للضغوط في عام 2025
يجب النظر إلى مسألة النفط المصدر إلى الهند في سياق دورة الضغط الأوسع لقطاع الهيدروكربونات الروسي في عام 2025:
ووُصِف عام 2025 بأنه من أكثر الأعوام تحديًا لقطاع النفط الروسي: انخفاض الأسعار، والعقوبات، والصعوبات اللوجستية، ومشكلات سوق الوقود المحلية.
وانخفض سعر خام برنت إلى ما دون 60 دولارًا للبرميل لفترات طويلة.
وافترضت موازنة روسيا لعام 2025 متوسط سعر للنفط يبلغ 69.7 دولارًا للبرميل، وضعفًا في قيمة الروبل؛ إلا أن أسعار خام الأورال كانت أقل، وقيمة الروبل أعلى من المتوقع.
وتشير التقارير إلى انخفاض إيرادات النفط والغاز بنحو 22.5% في الشهور الـ11 الأولى من عام 2025، مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق.
واتسع عجز الموازنة إلى ما يقارب 5.5-5.7 تريليون روبل.
(روبل روسي = 0.013 دولارًا أميركيًا)
وتُعدّ آلية التصدير بالغة الأهمية هنا: فالعقوبات لم تُؤدِّ بالضرورة إلى انهيار فعلي في الإنتاج، لكنها وسّعت الفجوة السعرية ورفعت تكلفة الوصول إلى المشترين، لا سيما في آسيا.
ويُعدّ الفارق السعري بين خامَي الأورال وبرنت مؤشرًا ملموسًا على هذا التفاوت:
- بحلول نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بلغ الفارق 22.5 دولارًا للبرميل، مقابل فارق يتراوح عادة بين 12 و13 دولارًا في عام 2024 ومعظم عام 2025.
- في عامَي 2022 و2023، وصل الفارق إلى ما بين 30 و34 دولارًا، لكن سعر برنت كان أعلى من 100 دولار، ما خفّف من تأثيره في السعر الذي تحصل عليه روسيا.
- في ظل النظام الحالي، ومع سعر برنت الذي يبلغ نحو 60 دولارًا، فإنّ خصمًا يتراوح بين 20 و25 دولارًا يعني أنّ روسيا تبيع بسعر يتراوح بين 35 و40 دولارًا للبرميل، وهو ما يُمثّل خسارة كبيرة في الإيرادات لكلٍّ من الموازنة والشركات.
وهنا تبرز أهمية سلوك الهند في مجال الاستيراد؛ فالهند ليست مشتريًا، بل هي عامل استقرار للتدفقات النقدية الروسية، ما يُمكّن روسيا من الحفاظ على أحجام الإنتاج وتجنّب صدمة السوق الناتجة عن تكدّس البراميل.
اضطرابات سوق الوقود الروسي المحلية.. عندما تنهار هوامش التصدير تنتقل السياسة إلى الداخل
تؤكد توجهات سوق الوقود الروسي المحلية هشاشة خط أنابيب النفط الروسي:
- أدى ارتفاع قيمة الروبل وانخفاض ربحية التصدير إلى تضييق الفجوة بين أسعار الوقود للتصدير والسوق المحلية.
- انخفضت المدفوعات "الداعمة" من الموازنة لشركات النفط، وهو أمر إيجابي للموازنة، ولكنه سلبي لحوافز السوق.
- بلغ سعر البنزين المتداول في البورصة مستويات قياسية، وأسهمت الزيادات في ضريبة الإنتاج مطلع عام 2025 في الضغط على أسعار التجزئة.
- أدت ضوابط الأسعار والتدخلات لمكافحة الاحتكار إلى تشوهات: توقفت بعض محطات الوقود المستقلة عن البيع بدلًا من العمل بخسارة، ما أدى إلى نقص محلي (الديزل متوفر، والبنزين نادر).
- أدت الهجمات الأوكرانية على المنشآت الصناعية الروسية، بما في ذلك مصافي التكرير، إلى زيادة تكاليف الإصلاح وفترات التوقف، مع تأثير أكثر حساسية في البنزين، لأن نحو 90% من الإنتاج يذهب إلى السوق المحلية (تُصدّر 10-15% فقط)، ويهدد انخفاض الإنتاج بنسبة 10-15% بحدوث نقص فعلي.
وبالمثل، أسهمت إمدادات المصافي البيلاروسية في استقرار الوضع من خلال اتفاقية متبادلة: تُزوّد روسيا السوق الروسية بمزيد من النفط الخام، في حين تُعيد بيلاروسيا المنتجات المكررة إلى السوق الروسية المحلية، وتُساعد في تلبية بعض احتياجات آسيا الوسطى.
ويكمن المغزى الإستراتيجي في أن ضغوط العقوبات واضطرابات البنية التحتية الناجمة عن الحرب تُؤثر بدورها في الاستقرار الداخلي، فتُصبح سياسات الوقود جزءًا من السياسة الداخلية.
الغاز الطبيعي والغاز المسال.. تعويض جزئي وليس بديلًا
بينما يركز التقرير على النفط المتجه إلى الهند، يُظهر التحليل لماذا لا تستطيع روسيا ببساطة "التخلص من انخفاض إيرادات النفط عبر الغاز":
- توقف عبور الغاز الروسي عبر أوكرانيا، ما قلّل إمدادات خطوط الأنابيب إلى أوروبا بنحو 15 مليار متر مكعب.
- انخفضت واردات أوروبا من روسيا عبر خطوط الأنابيب من أكثر من 30 مليار متر مكعب العام الماضي إلى نحو 16-16.5 مليار متر مكعب في عام 2025؛ إذ يعمل خط أنابيب ترك ستريم فوق قدرته التصميمية، ولكنه غير قادر على التعويض.
- تحسّنت التدفقات الشرقية: وصل خط أنابيب باور أوف سيبيريا إلى قدرته التصميمية السنوية نحو 38.5-39 مليار متر مكعب في عام 2025، ومن المتوقع نمو تدريجي مع المسارات المستقبلية وزيادة القدرة الاستيعابية (نحو 42 مليار متر مكعب بحلول عامي 2027-2028).
- كان من أهم "الاختراقات" تسليمات الغاز المسال الخاضعة للعقوبات إلى الصين: خصّصت الصين محطة للغاز المسال الروسي الخاضع للعقوبات، واستقبلت نحو 19 شحنة بدءًا من سبتمبر/أيلول 2025.
ومن المتوقع زيادة الإنتاج في عام 2026، لكن ذلك مقيد بنقص ناقلات النفط القادرة على العمل في ظروف جليدية قاسية.
ويُفيد هذا روسيا بصورة طفيفة، لكنه لا يُغني عن الدور الهيكلي لصادرات النفط، خصوصًا النفط الخام المنقول بحرًا والمُباع للهند والصين.

جغرافية الصادرات.. لماذا تبقى الهند محورًا رئيسًا؟
يخلص هذا التحليل إلى جغرافية واضحة لصادرات النفط الروسي:
- الهند والصين أكبر مستوردَيْن للنفط الروسي.
- في حال الاقتصار على الشحنات المنقولة بحرًا، تتصدّر الهند القائمة؛ أما إذا أضفنا ناقلات النفط وخطوط الأنابيب فتبقى الصين في الصدارة.
- لا تزال تركيا أكبر مستورد للمنتجات البترولية الروسية (خصوصًا الديزل).
- عمومًا، لم تتغير جغرافية الإمدادات بصفة جوهرية، على الرغم من العقوبات والتهديدات الأميركية بفرض رسوم جمركية.
لهذا السبب تحديدًا يستهدف مشروع القانون الأميركي الهند والصين: لا يستطيع الغرب تقليص إيرادات النفط الروسي بصورة ملموسة دون التأثير في المشترين الذين يستوعبون الجزء الأكبر من التدفقات المُحوّلة.
إعادة تعريف قواعد حياد الطاقة
إن التهديد بفرض رسوم جمركية بنسبة 500% ليس مجرد تحديث روتيني للعقوبات، بل هو محاولة لإعادة تعريف قواعد حياد الطاقة من خلال تحويل مشتريات النفط الروسي إلى أداة لإشعال حرب تجارية ضد دول ثالثة، خصوصًا الهند.
وفي حال سنّ هذا القانون أو إحراز تقدم ملموس فيه، فسيدفع مصافي التكرير الهندية نحو إستراتيجية مزدوجة: تقليل المخاطر علنًا (كما في حالة شركة ريلاينس التي أوقفت عملياتها في جامناغار، وتقديمها تقارير أسبوعية، ونفيها للمسؤولية) إلى جانب خيارات أخرى غير معلنة عبر الوسطاء وإخفاء مصدر النفط.
أما بالنسبة إلى روسيا فإن الخطر على المدى القريب لا يكمن في "البراميل غير المبيعة"، بقدر ما يكمن في انخفاض الإيرادات: خصومات أوسع في منطقة الأورال، وارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية غير الرسمية، وتزايد ضغوط الإنفاذ على النظام البحري.
وبالنسبة إلى أوروبا، فإن نقطة التصعيد التالية هي ساحة معركة المنتجات المكررة -محاولة حظر الوقود المصنوع من النفط الخام الروسي المعالج في الخارج- إلا أن الإنفاذ صعب هيكليًا، لأن المنتجات قابلة للاستبدال ويسهل التلاعب بتتبعها.
وأخيرًا، يُبرز بُعد فنزويلا حقيقة أعمق، وهي أن الإمدادات البديلة أصبحت مشروطة سياسيًا، وليست تجارية بحتة، ما يعني أن خيارات الهند البديلة محدودة في اللحظة التي ترفع فيها واشنطن سعر مشترياتها من النفط الروسي.
والنتيجة النهائية هي نظام هيدروكربوني أكثر إحكامًا وتجزئة، إذ لم تعد تدفقات النفط مُحسَّنة من أجل الكفاءة، بل من أجل القدرة على تحمل العقوبات، وإشارات التوافق، والنفوذ الجيوسياسي.
فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.
*هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- واردات الهند من النفط الروسي تصطدم برسوم ترمب الجمركية والتقلّبات السياسية (مقال)
- الهند تزيد من واردات النفط الروسي الرخيص.. هل تواصل المخاطرة بعلاقاتها الدولية؟ (تقرير)
- هل انخفضت صادرات النفط الروسي إلى الهند.. وكيف تستفيد الصين؟ (تقرير)
اقرأ أيضًا..
- صحيفة: مصر تعرض التنازل عن حصتها في اتفاق الغاز القبرصي
- قطر للطاقة تقتنص رخصة تنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحل الكونغو
- خبير أوابك: التخزين الجوفي للغاز فرصة إستراتيجية للدول العربية.. وهذه تكلفته بالأرقام (حوار)





