صفقة نفط بـ2 مليار دولار.. أول تحرك أميركي بعد الإطاحة بالرئيس الفنزويلي

أعلنت الولايات المتحدة التوصل إلى صفقة نفط مع فنزويلا لتصدير ما يصل قيمته إلى ملياري دولار من الخام الفنزويلي إلى السوق الأميركية، في أول خطوة عملية كبرى بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قبل القوات الأميركية.
الاتفاق، الذي كشفه الرئيس الأميركي دونالد ترمب -وفق بيانات اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- لا يحمل أبعادًا اقتصادية فقط، بل يعكس تحوّلًا سياسيًا وجيوسياسيًا عميقًا، ويشير إلى بداية مرحلة جديدة لقطاع النفط في فنزويلا، الذي ظل لسنوات رهينة العقوبات الأميركية، وتدهور البنية التحتية، وتراجع الاستثمارات.
وقال ترمب، إن الاتفاق (صفقة نفط) يقضي بتسليم فنزويلا ما بين 30 و50 مليون برميل من "النفط الخاضع للعقوبات" إلى الولايات المتحدة، بقيمة إجمالية تقارب ملياري دولار، على أن يُباع النفط بسعر السوق، مع تولّي واشنطن الإشراف على إدارة العائدات.
ووفق التصريحات الأميركية، تهدف الصفقة إلى إعادة توجيه شحنات نفطية كانت مخصصة في الأصل للصين، أكبر مشترٍ لنفط فنزويلا خلال العقد الماضي، إلى المصافي الأميركية، في خطوة من شأنها تقليص النفوذ الصيني في قطاع النفط الفنزويلي، وتعزيز أمن الطاقة الأميركي.
ويمثّل التحول ضربة مباشرة لبكين، التي استفادت طوال سنوات من الحسومات الكبيرة التي قدّمتها كاراكاس لتجاوز العقوبات الأميركية، إذ كانت فنزويلا تبيع خامها الثقيل، ولا سيما خام "ميري"، بحسم يصل إلى 22 دولارًا للبرميل مقارنة بخام برنت.
النفط في فنزويلا
تملك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، لكن إنتاجها تراجع من أكثر من 3 ملايين برميل يوميًا قبل عقدين إلى أقل من مليون برميل يوميا حاليًا، بسبب نقص الاستثمارات، وهجرة الكفاءات، وتهالك البنية التحتية، فضلًا عن العقوبات الأميركية.
ومنذ منتصف ديسمبر/كانون الأول الماضي، فرضت واشنطن حصارًا بحريًا فعليًا على صادرات النفط الفنزويلية، ما أدى إلى تراكم ملايين البراميل في ناقلات النفط وخزانات التخزين، ودفع شركة النفط الوطنية الفنزويلية "بي دي إف إس إيه" (PDVSA) إلى خفض الإنتاج لتفادي امتلاء السعات التخزينية.
ويُنظر إلى صفقة النفط الجديدة بوصفها مخرجًا مؤقتًا لفنزويلا لتصريف المخزونات المتراكمة، وتجنّب تخفيضات أعمق في الإنتاج، في وقت تمرّ فيه البلاد بمرحلة سياسية انتقالية حسّاسة، عقب تنصيب ديلسي رودريغيز رئيسة مؤقتة للحكومة.

النفط الفنزويلي
تُعدّ شركة شيفرون الأميركية حجر الزاوية في تنفيذ الصفقة، إذ تسيطر حاليًا على تدفقات النفط الفنزويلي إلى الولايات المتحدة، بموجب ترخيص أميركي خاص يعفيها من العقوبات.
وتُصدّر شيفرون ما بين 100 ألف و150 ألف برميل يوميًا من النفط الفنزويلي إلى المصافي الأميركية، لتكون الشركة الغربية الوحيدة التي حافظت على شحنات منتظمة من فنزويلا خلال الأسابيع الأخيرة، في ظل توقُّف تحميل الشحنات الموجهة إلى الصين.
وتشير بيانات الشحن إلى أن ناقلات استأجرتها شيفرون كانت الوحيدة التي تواصل التحميل في مواني خوسيه وباخو غراندي، بينما ظلّت ناقلات أخرى عالقة أو مخصصة للتخزين، بسبب امتلاء الخزانات البرية.
ورغم أهمية الصفقة، ما يزال الغموض يحيط بحصّة فنزويلا الفعلية من العائدات، إذ تمنع العقوبات شركة "بي دي في إس إيه" من الوصول إلى النظام المالي العالمي أو إجراء معاملات بالدولار الأميركي، ما يثير تساؤلات حول آلية إدارة الأموال، والجهة التي ستتحكم فيها فعليًا.
وناقشت واشنطن وكاراكاس خلال الأيام الماضية آليات متعددة لبيع النفط، من بينها تنظيم مزادات تتيح للمشترين الأميركيين التنافس على شحنات النفط الفنزويلي، إضافة إلى إصدار تراخيص جديدة لشركاء شركة النفط الفنزويلية التجاريين.
وفي حال تنفيذ هذه الآليات، قد تعود شركات دولية كانت نشطة سابقًا في فنزويلا، مثل إيني الإيطالية، وريبسول الإسبانية، وريلاينس الهندية، إلى المشهد، ولو بشكل محدود، شريطة الحصول على موافقات أميركية.
كما طُرحت فكرة استعمال النفط الفنزويلي مستقبلًا لتعزيز احتياطي النفط الإستراتيجي الأميركي، خاصةً أن المصافي الأميركية في ساحل الخليج مُهيّأة لمعالجة الخامات الثقيلة الفنزويلية، وكانت تستورد قبل العقوبات نحو 500 ألف برميل يوميًا.
أسعار النفط
تفاعلت أسواق النفط سريعًا مع أنباء الصفقة، إذ تراجعت أسعار الخام الأميركي بأكثر من 1.5% عقب إعلان ترمب، في ظل توقعات بزيادة الإمدادات الثقيلة إلى خليج المكسيك.
كما انخفضت الفروقات السعرية لبعض الخامات الثقيلة في السوق الأميركية بنحو 50 سنتًا للبرميل، مدفوعة بتوقعات تدفّق النفط الفنزويلي، وهو ما قد ينعكس على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة خلال الأشهر المقبلة.
وقال وزير الداخلية الأميركي دوغ بورغوم، إن زيادة تدفّق النفط الفنزويلي ستكون "خبرًا رائعًا" لأمن الطاقة والوظائف وأسعار البنزين، مؤكدًا أن الشراكة مع الولايات المتحدة قد تفتح لفنزويلا باب إعادة بناء اقتصادها المنهك.
ولا تخفي إدارة ترمب رغبتها بإعادة هيكلة قطاع النفط في فنزويلا، وفتحه أمام الشركات الأميركية الكبرى، التي كانت فاعلة في البلاد قبل موجة التأميم التي قادها الرئيس الراحل هوغو تشافيز.

وأكد ترمب أن شركات النفط الأميركية قادرة على توسيع عملياتها في فنزويلا خلال أقل من 18 شهرًا، بدعم من التكنولوجيا والاستثمارات، وربما من خلال حوافز أو إعانات حكومية.
وتستعد واشنطن لاستضافة اجتماع رفيع المستوى بين ترمب ومسؤولي شركات النفط الأميركية، لبحث فرص إعادة الاستثمار في فنزويلا، في مسعى لإعادة البلاد إلى خارطة الإنتاج العالمي، لكن بشروط سياسية واقتصادية جديدة.
تحديات واقعية
رغم التفاؤل الأميركي، يبدي محلّلو النفط تشككًا واسعًا في قدرة فنزويلا على تحقيق قفزة إنتاجية سريعة، في ظل تدهور البنية التحتية، وارتفاع كلفة تطوير احتياطياتها الثقيلة، التي تُعدّ من الأعلى عالميًا.
ويشير خبراء إلى أن زيادة الإنتاج بأكثر من 300 إلى 400 ألف برميل يوميًا خلال عام واحد تبدو غير واقعية، مع توقعات بأن يستغرق الوصول إلى مستوى 1.5 أو 2 مليون برميل يوميًا سنوات طويلة، ويتطلب تغييرات مؤسسية عميقة، واستثمارات بمليارات الدولارات.
وتُعدّ احتياطيات النفط في فنزويلا من بين أغلى الاحتياطيات في العالم من حيث التكلفة للتطوير، لأن النفط كثيف وثقيل للغاية، مما يتطلب معدّات متخصصة لاستخراجه ونقله وتكريره إلى وقود قابل للاستعمال.
مع انخفاض أسعار النفط العالمية نسبيًا وفقًا للمعايير التاريخية، نحو 60 دولارًا للبرميل، يركّز المنتجون على الاحتياطيات الأرخص والأسهل في التطوير.
موضوعات متعلقة..
- توقعات إنتاج النفط في فنزويلا.. هل تتأثر الأسواق على المدى القريب؟ (تحليل)
- هل يرتفع إنتاج النفط في فنزويلا حال سقوط النظام؟.. مقارنة مع تجربة العراق
اقرأ أيضًا..
- الدول المنتجة للنفط والغاز.. هل تصبح هدفًا أميركيًا بعد الهجوم على فنزويلا؟
- تزويد السفن بالغاز المسال.. صفقات أوروبا وأميركا تنعش القطاع في 2025
- أكبر 10 شركات مصنعة لمحولات الطاقة الشمسية تسيطر على 71% من السوق
المصادر:
- فنزويلا ستصدر نفطًا بقيمة ملياري دولار إلى الولايات المتحدة بموجب اتفاق مع واشنطن، من رويترز
- ترمب: فنزويلا ستسلم ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط إلى الولايات المتحدة، من رويترز
- تواصل شيفرون شحن النفط الفنزويلي.. لكن عمليات التحميل متوقفة للمشترين الصينيين، من رويترز
- ترمب سيلتقي بممثلي شركات النفط في البيت الأبيض لبحث فنزويلا، من رويترز





