عقد تصدير الغاز الإيراني إلى تركيا يقترب من نهايته.. ما خيارات البلدين؟ (مقال)
أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

- عقد تصدير الغاز الإيراني إلى تركيا انبثق من إعادة تشكيل التحالفات بعد الحرب الباردة
- تركيا تتعامل مع الغاز الإيراني على أنه أمرٌ اختياري
- المسؤولون الإيرانيون أكدوا خططهم للتوقف عن حرق الغاز بحلول عام 2026
- مع اقتراب انتهاء عقد تصدير الغاز الإيراني إلى تركيا، بات ميزان القوى واضحًا
مع اقتراب عقد تصدير الغاز الإيراني إلى تركيا من نهايته، الذي امتدّ لعقود طويلة، تبدو خيارات البلدين واضحة، إذ يتّسم موقف طهران بالضعف نتيجةً لضرورة التجديد بدلًا من تمتُّعها بقوة تفاوضية.
ويسمح الاتفاق -الموقَّع عام 2001 لمدة 25 عامًا- لطهران بتصدير الغاز الإيراني إلى تركيا بأحجام تصل إلى 10 مليارات متر مكعب من الغاز سنويًا عبر خط الأنابيب، على أن ينتهي العقد بين منتصف عام 2026 ونهايته، بحسب تفسير بنوده.
وقد تحوّل ما كان في السابق شراكة طاقة متوازنة إستراتيجيًا، تدريجيًا، إلى مفاوضات غير متكافئة، لم تعد تعتمد على الاحتياطيات المكتوبة بقدر ما تعتمد على تشديد القيود على الإمدادات المحلية الإيرانية، وتزايد خيارات الغاز البديلة المتاحة لتركيا.
وأشارت إيران مرارًا وتكرارًا إلى رغبتها في تمديد الاتفاق، ما يعكس أهمية العقد لتحقيق الاستقرار المالي في ظل العقوبات.
نقص إمدادات الغاز الإيراني محليًا
أدى النقص المزمن في الغاز الإيراني المحلي، وتراجع فائض الصادرات، وإستراتيجية أنقرة المتعمدة للتنويع، إلى ترجيح كفة تركيا في المفاوضات.
وبذلك، يعكس نقاش تجديد العلاقات تحولًا هيكليًا أوسع في علاقات الطاقة الإقليمية، بتداعيات تتجاوز التجارة الثنائية، لتشمل مرونة إيران الاقتصادية ودور تركيا بصفتها مركزًا إقليميًا للغاز.
وانبثق اتفاق تصدير الغاز الإيراني إلى تركيا من إعادة تشكيل التحالفات بعد الحرب الباردة، إذ سعت تركيا إلى تنويع مصادرها وتقليل اعتمادها على الغاز الروسي، بينما هدفت إيران إلى استثمار احتياطياتها الهائلة، التي تُقدَّر بأكثر من 33 تريليون متر مكعب، ثاني أكبر احتياطي في العالم.
وبدأت عمليات التسليم في عام 2001، وبلغت ذروتها عند نحو 9-10 مليارات متر مكعب سنويًا، ما وفّر لطهران مصدرًا نادرًا للعملة الصعبة في ظل العقوبات، ولأنقرة ممرًا جنوبيًا للإمداد.
وفي الوقت نفسه، فإن موثوقية التشغيل كانت متفاوتة، إذ أدت الانقطاعات الدورية في الإمدادات بسبب مشكلات الصيانة، والهجمات على خطوط الأنابيب، ونقص الإمدادات في فصل الشتاء، إلى تقويض الثقة. وبحلول منتصف العقد الثاني من الألفية، تصاعدت التوترات عندما طعنت تركيا في أسعار العقود المرتفعة بموجب بنود "الأخذ أو الدفع"، وحققت انتصارات في التحكيم أسفرت عن استرداد مبالغ وتعديلات في الأسعار.
بدورها، زادت العقوبات الأميركية التي أعيد فرضها في عام 2018 من تعقيد العلاقة، على الرغم من أن الإعفاءات سمحت باستمرار تدفّق الغاز.

بلغت صادرات إيران من الغاز إلى تركيا نحو 5.5 مليار متر مكعب في الأشهر الـ9 الأولى من عام 2025، بزيادة قدرها 17% على أساس سنوي، ما يعكس حاجة إيران الماسّة إلى الإيرادات رغم تفاقم القيود الداخلية.
في المقابل، تكشف نهاية عقد تصدير الغاز الإيراني إلى تركيا عن خللٍ صارخ: فإيران تعتمد على هذه الصفقة لتوفير ما يُقدّر بـ 4 إلى 5 مليارات دولار سنويًا، في حين تتعامل تركيا بشكل متزايد مع الغاز الإيراني على أنه أمرٌ اختياري.
وأعربت طهران عن استعدادها للتجديد، إذ أفادت التقارير بتفضيلها تمديدًا لعدّة سنوات، بل واقترحت زيادة الكميات.
من ناحيتها، أشارت أنقرة إلى تفضيلها تمديدًا قصير الأجل لمدة 5 سنوات تقريبًا بالكميات الحالية أو المخفّضة، وهو ما يعكس نهجها تجاه العقود الروسية المنتهية، ويحدّ من قدرة إيران التفاوضية.
نقاط الضعف الهيكلية في إيران
ينبع ضعف موقف إيران أساسًا من اتّساع فجوة الغاز المحلية، إذ بلغ الإنتاج نحو 290 مليار متر مكعب في عام 2023، مع توقعات بنمو أقل من 2% في عام 2024، وأكثر بقليل من 1% في عام 2025، مدفوعًا بشكل رئيس باستعادة الغاز المحروق بدلًا من الاستثمارات الجديدة في قطاع التنقيب والإنتاج.
أمّا الاستهلاك، فقد بلغ نحو 252 مليار متر مكعب في عام 2023، ويستمر في الارتفاع بسبب الأسعار المدعومة، والاستعمال غير الكفؤ، والنمو السكاني، وتزايد الطلب في قطاعي البتروكيماويات والكهرباء.
ونتيجة لذلك، انخفض فائض إيران المتوقع للتصدير إلى نحو 4 مليارات متر مكعب في عام 2024، ما يترك هامشًا ضئيلًا لاستدامة الصادرات.
وتتجاوز ذروة العجز في فصل الشتاء 300 مليون متر مكعب يوميًا، ما يؤدي إلى انقطاع التيار الكهربائي، وإغلاق المصانع، وزيادة الاعتماد على زيت الوقود الثقيل (المازوت)، مع ما يترتب على ذلك من تكاليف بيئية واقتصادية باهظة.
وتُقيّد العقوبات الوصول إلى رأس المال والتكنولوجيا والشركاء الأجانب، بينما تُفاقم أوجه القصور في الحوكمة من حدّة أزمة الإمدادات.

ورغم تأكيد المسؤولين الإيرانيين خططهم للتوقف عن حرق الغاز بحلول عام 2026، وتحقيق استقرار الإنتاج، فإن الطلب المحلي ما يزال يستوعب أيّ مكاسب إضافية.
ومع اقتصار إجمالي صادرات الغاز على ما يقارب 15-20 مليار متر مكعب سنويًا، التي تُصدَّر بشكل رئيس إلى تركيا والعراق وأرمينيا، فإن أيّ انكماش في هذا القطاع سيترتب عليه عواقب مالية وخيمة.
إضافة إلى ذلك، تُخاطر إيران بالتخلف أكثر عن قطر في حقل بارس الجنوبي/حقل الشمال، ما قد يُفقدها عائدات تصدير إضافية، ويُفسّر هذا الضعف الهيكلي توجُّه طهران الواضح نحو "التجديد".
وتُؤكد التصريحات العلنية لكبار المسؤولين، بمن فيهم مسؤولي الشركة الوطنية الإيرانية للغاز ووزارة الخارجية، التفاؤل بشأن تمديد العقود، ولكن بغياب فائض موثوق في القدرة الإنتاجية، تدخل إيران المفاوضات بنفوذ محدود لا يتجاوز التنازلات السعرية أو المرونة التعاقدية.
قوة تركيا التفاوضية: التنويع والمرونة
تعكس قوة تركيا التفاوضية إستراتيجية مدروسة للتنويع، إذ استقر الطلب السنوي على الغاز عند نحو 53-56 مليار متر مكعب، وكان يُلبى تاريخيًا عبر خطوط أنابيب من روسيا وأذربيجان وإيران، مع دعم إضافي من الغاز المسال.
ونظرًا لاقتراب انتهاء صلاحية العديد من العقود طويلة الأجل في المدة 2025-2026، بما في ذلك اتفاقيات روسية رئيسة عبر خطَّي أنابيب "بلو ستريم" و"ترك ستريم"، اختارت أنقرة تمديد العقود لمدة عام واحد فقط، إشارة إلى انخفاض الاعتماد طويل الأجل.
وأصبح الغاز المسال عنصرًا أساسيًا في هذه الإستراتيجية، ففي سبتمبر/أيلول 2025، أمّنت شركة بوتاش التركية (BOTAŞ) نحو 15 مليار متر مكعب للمدة 2026-2028 من مورّدين، من بينهم إكسون موبيل وشل وتوتال إنرجي وميركوريا، ومعظمها من مصادر أميركية.
ويضيف عقد شركة ميركوريا لمدة 20 عامًا، يبدأ في عام 2026، 4 مليارات متر مكعب سنويًا، مستهدفًا الاستهلاك المحلي وإعادة التصدير إلى أوروبا.

وبلغ إجمالي اتفاقات الغاز المسال الإضافية متوسطة وطويلة الأجل الموقّعة منذ أواخر عام 2024 ما بين 106 و150 مليار متر مكعب، مع زيادة تدريجية في الإمدادات بعد عام 2027.
ويعزز الإنتاج المحلي مكانة تركيا، ومن المتوقع أن يتضاعف إنتاج حقل صقاريا للغاز في البحر الأسود، الذي بدأ تشغيله عام 2023، في عام 2026 مع منصة عثمان غازي، ليصل إلى ما بين 10 و15 مليار متر مكعب بحلول عام 2028.
وتتوسع مقايضات الغاز مع تركمانستان عبر إيران، التي تبلغ حاليًا نحو 1.3 مليار متر مكعب سنويًا، لتصل إلى ما بين 3 و6 مليارات متر مكعب، ما يضيف مرونة أكبر.
بالمثل، فإن زيادة قدرة التغويز، بما في ذلك وحدات التخزين وإعادة التغويز العائمة الجديدة، تعزز من مرونة النظام.
وتتماشى التطورات مع الضغوط الأميركية لتقليل الاعتماد على المورّدين الخاضعين للعقوبات، وتتيح لتركيا التفاوض من موقع قوة.
أمّا الغاز الإيراني، الذي كان لا غنى عنه في السابق، فيتنافس الآن ضمن مزيج إمدادات وفير.
مسار المفاوضات وآفاقها
حتى يناير/كانون الثاني 2026، ما تزال المفاوضات جارية دون التوصل إلى حلّ، إذ أكد وزير الطاقة التركي، ألب أرسلان بيرقدار، نية أنقرة تمديد عقد تصدير الغاز الإيراني إلى تركيا، ولكن بشروط معدلة تركّز على مدة أقصر، وكميات أقل، أو تخفيضات في الأسعار.
بدورها، تواصل طهران الضغط من أجل تجديد عقد تصدير الغاز الإيراني إلى تركيا على المدى الطويل وزيادة محتملة في الكميات، على الرغم من أن الإخفاقات السابقة في تأمين مثل هذه الشروط تؤكد استمرار القيود.
وعلى الصعيد الجيوسياسي، فإن لهذا الخلل تداعيات أوسع، فبالنسبة لإيران، سيؤدي عدم التجديد إلى تفاقم الضغوط المالية والعزلة في ظل العقوبات والمنافسة الإقليمية.
أمّا بالنسبة لتركيا، فإن التنويع يعزز موقفها في مواجهة روسيا وإيران على حدّ سواء، ما يلبي طموحاتها في أن تصبح مركزًا إقليميًا للغاز.
وتواجه أوروبا، التي تعتمد اعتمادًا غير مباشر على طرق العبور التركية، فرصًا ومخاطر في آن واحد مع تعزيز أنقرة لنفوذها.
لذلك، يبدو التجديد مرجحًا، ولكنه محدود النطاق: اتفاق انتقالي لمدة 5-10 سنوات بكمية تتراوح بين 6 و8 مليارات متر مكعب سنويًا مع آليات تسعير مرنة.
ويبقى حدوث انهيار كامل أمرًا غير مرجّح بالنظر إلى المصالح المشتركة، لكن البدائل التي تقدّمها تركيا تضع سقفًا واضحًا للتوقعات الإيرانية.

الخلاصة..
مع اقتراب انتهاء عقد تصدير الغاز الإيراني إلى تركيا، بات ميزان القوى واضحًا، إذ تتفاوض طهران انطلاقًا من الضرورة لا القوة، بينما تتمتع أنقرة بالصبر.
وقد خلّفت سنوات من النقص المحلي، وتأخُّر الاستثمارات، وسوء إدارة الاستهلاك، فائضًا ضئيلًا لدى إيران للتجارة، وقدرةً أقل على التأثير.
في المقابل، أمضت تركيا العقد الماضي في القيام بما يُفترض أن يفعله مستوردو الغاز: التنويع، وبناء المرونة، وتقليل الاعتماد على مورد واحد.
وما يزال التجديد مرجّحًا، لكنه سيختلف اختلافًا كبيرًا عن الاتفاق الأصلي، فالمدة الأقصر، والكميات المحدودة، والشروط الأكثر ملاءمة للمشترين، هي التي تُحدد المشهد الآن.
بالنسبة لإيران، قد يكون قبول هذه الشروط ثمن البقاء في سوق الغاز الإقليمي.
أمّا بالنسبة لتركيا، فتؤكد المفاوضات انتقالها من مستورد تابع إلى مشترٍ انتقائي ومركز طاقة ناشئ.
ولا تقتصر الرسالة الأوسع على هذا العقد، ففي أسواق الغاز اليوم، لم تعد الاحتياطيات تضمن النفوذ.. فالموثوقية، وفائض القدرة الإنتاجية، والمرونة أهم من الحجم على الورق.
وتُظهر حالة إيران وتركيا مدى سرعة تحول موازين القوى في مجال الطاقة عندما ينوّع أحد الجانبين مصادره بينما لا يستطيع الآخر ذلك، وكيف أن العوامل الجيوسياسية ترجّح كفة الاستعداد على حساب التملك.
الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".
* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- تركيا تمدد عقود استيراد الغاز الروسي.. وتدرس زيادة التعاون مع أميركا وإيران
- 4 خيارات أمام واردات تركيا من الغاز.. هل تتخلى عن روسيا وإيران؟
- واردات تركيا من الغاز الإيراني "منتظمة" رغم استهداف حقل بارس الجنوبي
اقرأ أيضًا..
- مصر تستورد الغاز المسال من قطر.. ومفاوضات لصفقة ضخمة (تحديث)
- قطاع الطاقة في المغرب 2025.. مشروعات الكهرباء المتجددة تخطف الأنظار
- أكثر 10 دول عربية امتلاكًا لاحتياطيات الغاز في 2025 (إنفوغرافيك)





