سلايدر الرئيسيةرئيسيةغازمقالات الغازمقالات النفطنفط

قطاع النفط والغاز الروسي بين استقرار الإنتاج وتراجع الإيرادات (مقال)

فيلينا تشاكاروفا* – ترجمة: نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • حصة إيرادات النفط والغاز في الموازنة الفيدرالية انخفضت إلى النصف خلال السنوات القليلة الماضية
  • تحالف أوبك+ يعمل بوصفه منصة لإدارة الأسعار في سوق تهيمن عليها الضبابية والتوترات الجيوسياسية
  • الهدف الرئيس من نظام العقوبات لعام 2025 لم يكن وقف تدفق النفط والغاز الروسيين
  • قطاع الطاقة الروسي لم يعد محركًا للنمو بل أصبح محركًا للمرونة

يشهد قطاع النفط والغاز الروسي استقرارًا في الكميات وتراجعًا في الإيرادات، وبحلول أواخر عام 2025، بدا القطاع مستقرًا من حيث الإنتاج، ولكنه هشٌّ بصورة متزايدة في استغلال قيمته.

ولا يُعدّ تحذير وزير المالية الروسي، أنطون سيلوانوف، من انخفاض حصة إيرادات النفط والغاز في الموازنة الفيدرالية إلى النصف تقريبًا خلال السنوات القليلة الماضية، مجرد تعديل كلامي، بل يُعدّ اعترافًا بأن أداة امتصاص الصدمات المالية الأساسية للكرملين أصبحت رصيدًا متناقصًا.

ويتوقع منطق الموازنة الروسية طويل الأجل الآن انحدارًا هيكليًا، نتيجة لنضوب حقول الحقبة السوفيتية وتزايد صعوبة استخراج البراميل الهامشية.

ومن المتوقع أن تنخفض إيرادات موازنة قطاع النفط والغاز الروسي من نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي، حاليًا، إلى 1.9% بحلول عام 2042، وهو أضعف مستوى لها منذ أوائل العقد الأول من الألفية الثانية.

أسباب التحول

يحدث هذا التحول عند تقاطع 4 قوى أصبحت واضحة لا لبس فيها في عام 2025:

أولًا: نظام عقوبات مشدد يهدف إلى صافي الإيرادات بدلًا من البراميل.

ثانيًا: "حرب التوقعات" بشأن طول عمر الطلب على النفط التي تشكّل تدفقات رأس المال.

ثالثًا: تزايد مخاطر الخدمات اللوجستية، بما في ذلك ديناميكيات شبه الحظر.

رابعًا: تحول صناعي قسري من تصدير الجزيئات إلى تصدير عمليات المعالجة ذات القيمة الأعلى و"تكنولوجيا الطاقة"؛ وهي إستراتيجية ما تزال طموحة للغاية، وتفتقر إلى دليل قابل للتطبيق على نطاق واسع.

مضخات النفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان الروسية
مضخات النفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان الروسية - الصورة من رويترز

أولًا: التحول المالي.. المحروقات تموّل الدولة

يُعدّ تفسير وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف -انخفاض أسعار الطاقة عن المتوقع وانخفاض قيمة الروبل مقارنةً بتوقعات الموازنة- مهمًا، لأنه يُوضح كيف تنظر موسكو إلى عام 2026: ليس كونه عام انتعاش، بل بوصفه استمرارًا لتوازن مالي أكثر صرامة.

عمليًا، تتعرّض إيرادات روسيا من النفط والغاز لضغوط من جانبين: ضغوط الأسعار العالمية والخصومات الناجمة عن العقوبات على جانب الإيرادات، وارتفاع تكاليف الاحتياطيات المعقدة، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية والامتثال على جانب النفقات.

ويتمثّل الأثر السياسي في انخفاض معدل تحويل "المحروقات إلى سيادة" لدى الكرملين، إذ يُشير معدل تحويل المحروقات إلى سيادة إلى قدرة الدولة على تحويل إيرادات تصدير النفط والغاز إلى قدرة مالية مستدامة، واستقلال إستراتيجي، ونفوذ جيوسياسي.

وهذا يضغط على الدولة لاستخراج المزيد من القيمة من القطاع المحلي غير النفطي، وتوسيع نطاق الضرائب والأدوات شبه المالية، ومضاعفة الجهود في إعادة تخصيص رأس المال بصفة موجّهة، تحديدًا عندما يُظهر الاقتصاد أعراض التباطؤ الهيكلي وارتفاع تكاليف التمويل بصورة مستمرة.

ثانيًا: "حرب التوقعات".. روايات الطلب سلعة إستراتيجية

في عام 2025، تصاعدت حدة الصراع المعلوماتي بين المنتجين والمستهلكين إلى صراع على تخصيص رأس المال.

وأدى تراجع وكالة الطاقة الدولية التدريجي عن إطار "ذروة الطلب قريبة" المتفائل، بالتزامن مع إصرار منظمة أوبك على النمو المستدام، إلى خلق فضاء سردي مزدوج؛ فالنفط في الوقت نفسه "يتراجع" في بعض أجزاء النظام السياسي الغربي، و"لا غنى عنه هيكليًا" لدى المنتجين.

ويُعد هذا التناقض ذا أهمية عملية كبيرة لروسيا، فحتى لو ظلّ الطلب قويًا، فإن قدرة البلاد على استثماره تتأثر بصورة متزايدة بهيكل العقوبات أكثر من العوامل الأساسية.

في عالم لا تزال فيه الأسواق ووسائل الإعلام تعتمد بصفة كبيرة على سيناريوهات وكالة الطاقة الدولية، يصبح الاقتصاد السياسي للاستثمار (خصوصًا المشروعات ذات التكلفة العالية) أكثر تقييدًا، وذلك تحديدًا في الوقت الذي تدفع فيه روسيا جيولوجيًا نحو احتياطيات يصعب استخراجها.

ثالثًا: التزام أوبك+.. هامش المناورة يتقلّص

حافظ تحالف أوبك+ على موقفه القائم على القدرة على التنبؤ؛ إذ أبقى أهداف عام 2026 متوافقة مع أهداف عام 2025، في حين عايرت مجموعة الـ8 "الطوعية" ضمن أوبك+ إيرادات الإمدادات التي خُفّضت سابقًا، وحافظت على مرونتها في إيقاف الإنتاج أو استئنافه بناءً على الطلب والمخزونات.

ويكتسب هذا الأمر أهمية بالغة بالنسبة إلى روسيا، فتحالف أوبك+ لا يزال يعمل بصفته منصة لإدارة الأسعار في سوق تهيمن عليها الضبابية والتوترات الجيوسياسية.

بدورها، تُقلل العقوبات من نفوذ روسيا داخل هذه الآلية، فعندما يواجه المنتج قيودًا على الشحن، ومشكلات في التأمين، ومسارات أطول، وعلاوة مخاطر أعلى هيكليًا، فإن "الحصة نفسها" لا تعني "الإيراد نفسه".

وبإمكان موسكو الوفاء بالتزاماتها الرسمية، ومع ذلك تتكبّد خسائر اقتصادية من خلال الخصومات وارتفاع تكاليف المعاملات، ما يحوّل الامتثال إلى مقايضة مالية بدلًا من كونه إستراتيجية سوقية مباشرة.

جزء من خط أنابيب الغاز أورينغوي-بوماري-أوزغورود
جزء من خط أنابيب الغاز أورينغوي-بوماري-أوزغورود - الصورة من بلومبرغ

رابعًا: "العقوبات الصارمة".. استنزاف صناعي

لم يكن الهدف الرئيس من نظام العقوبات لعام 2025 هو وقف تدفق النفط والغاز الروسي، بل جعل كل تدفق أقل ربحية، وأصعب تأمينًا، وأصعب شحنًا، وأكثر تكلفة سياسيًا.

وتشير حزم الاتحاد الأوروبي المعجلة، وقوائم الأساطيل غير الرسمية الموسعة، وإجراءات المواني، والقيود المشددة على مسارات المنتجات المكررة، مجتمعةً، إلى نية تقويض إيرادات النفط والغاز الروسي مع تجنب صدمة أسعار عالمية.

إنّ هدف الاتحاد الأوروبي الأوسع نطاقًا، وهو برنامج "ريباور إي يو" REPowerEU -التخلص التدريجي من مدخلات الطاقة الروسية من خلال جداول زمنية قابلة للتنفيذ- يحوّل أوروبا من سوق متنازع عليها ولكنها مربحة إلى سوق في طريقها إلى الزوال.

وهذه ليست مجرد قصة غاز، بل هي قصة مالية، فكلما زاد اعتماد أوروبا على "الامتثال" في عملية الخروج، زاد تحويلها إلى القوة التفاوضية الروسية بعيدًا عن العقود طويلة الأجل نحو سلوك انتهازي يشبه الصفقات الفورية وشركاء غير غربيين -حيث تكون الأسعار أقل ملاءمة والنفوذ السياسي غير متكافئ-.

خامسًا: الخدمات اللوجستية.. خط المواجهة الجديد

في عام 2025، تجنّبت الخدمات اللوجستية العالمية للطاقة اضطرابًا كارثيًا، حتى في ظل مخاطر التصعيد في الشرق الأوسط وتقلبات البحر الأحمر.

في المقابل، برز عامل زعزعة استقرار هيكلي أكبر: وهو تطبيع المضايقات والمراقبة والهجمات المبهمة على سفن الطاقة.

وتشير الحوادث التي شملت سفن أسطول الظل، والحديث عن "مطاردة" ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات، ووسائط مراقبة الناتو البحرية، إلى واقع عملي جديد؛ فقد أصبحت طرق تجارة الطاقة ساحة متنازعًا عليها، إذ يُمارس الإكراه دون الوصول إلى عتبة الحصار الرسمي.

وتُضيف الحالة الفنزويلية نموذجًا مهمًا.

من جهتها، تراقب الصين هذه التجارب من كثب، لأنها تكشف كيف يمكن تفعيل الضغط البحري دون اللجوء إلى الحرب.

وبالنسبة إلى روسيا، النتيجة واضحة: ترتفع تكاليف الشحن، وتصبح الحمولة "النظيفة" نادرة، وتتوسع أطوال الطرق، ويصبح الغموض مركز تكلفة، ويصبح احتكاك النظام شبه دائم بدلًا من أن يكون عرضيًا.

سادسًا: الغاز.. أوروبا تُغلق والصين تحدّ من مكاسبها

كان واقع الغاز عبر خطوط الأنابيب الروسية في عام 2025 واضحًا بصورة قاسية؛ فقد توقف عبور الغاز من أوكرانيا، وتتجه أوروبا نحو الخروج من القيود التنظيمية، وتتجه الكميات الأوروبية المتبقية بصورة متزايدة عبر خط أنابيب "ترك ستريم" مع مخاطر سياسية مُتزايدة.

في الوقت نفسه، حقّق خط روسيا الشرقي إلى الصين إنجازًا مهمًا: تشغيل خط أنابيب "باور أوف سيبيريا-1" بكامل قدرته التصميمية، مع زيادات مُتفق عليها بمرور الوقت ومناقشات إضافية حول مسارات أخرى، ورغم ذلك، لا توجد قدرة فورية على "استبدال أوروبا العام المقبل".

وهنا يُصبح الغاز المسال جسرًا لروسيا ونقطة ضعفها في آنٍ واحد.

وتُظهر قدرة روسيا على توجيه شحنات الغاز المسال الخاضعة للعقوبات إلى نقاط الاستقبال في الصين قدرتها على التكيف.

ويُعد التوسع مُقيدًا بالشحن المُتخصص (سفن مُصنفة للعمل في الجليد)، والعقوبات المفروضة على المشروعات، وقدرة الغرب على ممارسة الضغط على المحطات والتمويل والجهات المُقابلة.

ويؤكد تقرير وكالة رويترز الذي يفيد بأن العقوبات قد أخّرت طموحات روسيا في مجال الغاز المسال، أن عام 2026 من المرجح أن يكون عامًا تدريجيًا أكثر منه تحويليًا.

سابعًا: الأزمات المتكررة.. مصافي النفط والفحم تحت ضغط

أكد عام 2025 أن نظام الطاقة المحلي في روسيا قادر على العمل بكفاءة تحت الضغط، ولكنه يعتمد بصورة متزايدة على الضوابط اليدوية: قيود التصدير، والتدخلات الطارئة في السوق، والتعديلات التنظيمية المخصصة.

ويُعدّ تعزيز مرونة مصافي النفط في مواجهة هجمات الطائرات المسيّرة وانقطاعات الصيانة إنجازًا تشغيليًا حقيقيًا، ولكنه يُسلط الضوء على مشكلة أعمق: تناقضات تصميم سوق الوقود المحلي تُجبر على إدارة الأزمات بصورة متكررة.

في الوقت نفسه، أصبح الفحم حلقة ضعيفة واضحة، إذ تأثر بتكاليف الخدمات اللوجستية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وضعف الطلب، وانهيار الأسعار، ما دفع الدولة إلى تقديم الدعم لمنع حالات الإفلاس وخسائر الإنتاج.

ولهذا الأمر أهمية جيوسياسية لأنه يُبرز نمطًا أوسع؛ إذ إن روسيا تُعيد توجيه صادراتها، وتدعم تكاليف الانتقال الناتجة عن العزلة، غالبًا عبر الموازنة نفسها التي تفقد حصتها من إيرادات المحروقات.

موقع بناء خط أنابيب الغاز الروسي (ترك ستريم)
موقع بناء خط أنابيب الغاز الروسي (ترك ستريم) - الصورة من رويترز

ثامنًا: التكيف مع الواقع.. قطاع الطاقة الروسي في 2025

بحلول نهاية عام 2025، دخل قطاع الوقود والطاقة الروسي مرحلةً يمكن وصفها بأنها تتسم بغموض إحصائي مقرون بوضوح إستراتيجي.

ونُشرت البيانات الرسمية بصورة متقطعة، وغالبًا بتأخير، إلا أن الأرقام المتاحة كافية للتوصل إلى استنتاج قاطع: كان العام صعبًا، إذ اتسم بانخفاض أو ركود المؤشرات في معظم القطاعات، ولكن دون انهيار هيكلي.

وصمد القطاع في ظل ضغوط العقوبات، والسياسة النقدية التقييدية، والاضطرابات اللوجستية، والظروف الجوية غير المواتية، وإن كان ذلك على حساب ارتفاع التكاليف الاقتصادية والمالية.

ومن المتوقع أن يظل إنتاج النفط ومكثفات الغاز في عام 2025 دون تغيير يُذكر عن العام السابق، عند نحو 516 مليون طن، ويُخفي هذا الاستقرار الظاهري تحولًا هيكليًا أعمق.

ووصلت روسيا فعليًا إلى مرحلة استقرار الإنتاج، إذ يتطلّب الحفاظ على الإنتاج زيادة كثافة رأس المال والتدخل التشغيلي مع استمرار نضوب الحقول الناضجة التي تعود إلى الحقبة السوفيتية.

ولم يعد النمو نموًا طبيعيًا؛ يُحافظ على الأحجام الحالية بدلًا من زيادتها.

ويظهر نمط مماثل في قطاع تكرير النفط، وتُقدّر أحجام التكرير الإجمالية بنحو 267 مليون طن، وهو ما يتماشى تقريبًا مع توقعات عام 2024.

تعكس هذه النتيجة مرونة العمليات في ظل ظروف استثنائية، بما في ذلك انقطاعات صيانة المصافي والهجمات المتكررة على البنية التحتية.

وتحقق هذا الاستقرار من خلال التنظيم اليدوي -قيود التصدير، وجدولة الطوارئ، والتنسيق الإداري- بدلًا من التحسين القائم على السوق. لقد صمد قطاع التكرير، ولكن على حساب الكفاءة والقدرة على التنبؤ.

وشهد إنتاج الغاز انكماشًا أكثر وضوحًا؛ ففي الشهور الـ11 الأولى من عام 2025، بلغ إجمالي إنتاج الغاز الطبيعي والغاز المصاحب له نحو 600 مليار متر مكعب، مسجلًا انخفاضًا بنسبة 3.3% على أساس سنوي، إذ يُقدّر الإنتاج السنوي بـ660-670 مليار متر مكعب، أي أقل بنسبة 2-3.5% تقريبًا عن عام 2024.

وبرز عاملان رئيسان: اعتدال الأحوال الجوية الذي أدى إلى انخفاض الطلب المحلي، والصدمة الهيكلية الناجمة عن توقف أوكرانيا عن نقل الغاز في 1 يناير/كانون الثاني 2025.

ورغم تشغيل الصادرات الشرقية بكامل قدرتها، لم يكن بالإمكان تعويض خسارة الممر الغربي بشكل كامل.

واستمرت رقعة الصادرات في التقلص، وبلغت الإمدادات إلى الصين عبر خط أنابيب "باور أوف سيبيريا" نحو 38.8 مليار متر مكعب، بزيادة قدرها 25% مقارنة بعام 2024، وهو ما يمثّل الحد الأقصى التقني لهذا الخط.

في المقابل، انخفضت صادرات الغاز عبر خطوط الأنابيب إلى الدول الأوروبية خارج الاتحاد السوفيتي السابق إلى ما يُقدّر بـ17.6 مليار متر مكعب، أي بانخفاض قدره 1.8 ضعف على أساس سنوي.

الجدير بالذكر أن تدفقات الغاز عبر خط أنابيب ترك ستريم الثاني قد زادت بأكثر من 8%، ما يُبرز الانقسامات الداخلية في أوروبا بدلًا من خروج موحد من الغاز الروسي.

رغم ذلك، فإن المسار العام واضح؛ فقد أصبحت أوروبا منفذًا متقلصًا وغير مستقر سياسيًا بدلًا من أن تكون سوقًا رئيسة، إذ وفّر الغاز المسال حلًا للتكيف، لكنه لم يُسرّع وتيرة النمو.

وبلغ إنتاج الغاز المسال خلال الشهور الـ11 الأولى من عام 2025 نحو 29.9 مليون طن، بانخفاض قدره 3.3% على أساس سنوي، مع تقديرات للإنتاج السنوي بنحو 33 مليون طن، أي أقل بنحو 5% من عام 2024.

واستمر الغاز المسال الروسي في الوصول إلى الأسواق الآسيوية، خصوصًا الصين، لكن التوسع كان مقيدًا بالعقوبات المفروضة على المشروعات والتمويل والشحن المتخصص في ظروف الجليد.

ولا يزال الغاز المسال جسرًا إستراتيجيًا بين أحجام خطوط الأنابيب الأوروبية المفقودة والطلب الآسيوي، إلا أنه جسر ضيق النطاق ويتطلّب استثمارات رأسمالية ضخمة.

بيانات الفحم والكهرباء

تؤكد بيانات الفحم والكهرباء صورة المرونة مع تناقص الإيرادات.

وبلغ إنتاج الفحم خلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى نوفمبر/تشرين الثاني الماضيين 389 مليون طن، مسجلًا زيادة طفيفة بنسبة 0.1%، إلا أن هذا الاستقرار الإحصائي يُخفي ضغوطًا شديدة على الربحية الناجمة عن فقدان الأسواق الأوروبية، وانهيار الأسعار، وارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية.

وانخفض توليد الكهرباء بنسبة 1.5%، ليصل إلى 1079 مليار كيلوواط/ساعة، ما يعكس ضعف النشاط الصناعي وتباطؤ الزخم الاقتصادي في مختلف قطاعات الاقتصاد.

وبالنظر إلى البيانات مجتمعة، تؤكد بيانات عام 2025 حدوث تحول جوهري، فلم يعد قطاع الطاقة الروسي محركًا للنمو، بل أصبح محركًا للمرونة.

ولا تزال مستويات الإنتاج مرتفعة وفقًا للمعايير العالمية، لكن الكفاءة المالية ومرونة التصدير والخيارات الإستراتيجية آخذة في التراجع.

ويُحافظ على الاستقرار من خلال الرقابة الإدارية والدعم الحكومي بدلًا من توسيع السوق.

ومن الناحية الكمية، يمثّل عام 2025 نقطة تحول حلّت فيها المحافظة على الكميات محل توليد النمو بوصفه هدفًا تشغيليًا أساسيًا لمجمع الوقود والطاقة الروسي، وهو وضع سيحدد مسار القطاع في عام 2026 وما بعده.

تاسعًا: التحول الإستراتيجي.. إلى تكنولوجيا الطاقة و"المعالجة المتقدمة"

يُعدّ المسار الأكثر طموحًا من الناحية الإستراتيجية هو السعي لتحويل روسيا إلى مُورِّد لتكنولوجيا الطاقة والمعالجة ذات القيمة المضافة العالية، وليس فقط للمواد الخام.

وتُوسِّع إستراتيجية الطاقة 2050 أفق التخطيط وتُحدِّد الأولويات: أمن الإمداد المحلي، وتوسيع إمكانات التصدير، وأهداف إنتاج الغاز المسال على نطاق واسع، وتطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية.

وأظهر عام 2025 أن بعض الأهداف الرئيسة (ولا سيما الغاز المسال) ستشهد انخفاضًا في التوجه، وشكّل اعتماد إستراتيجية الطاقة حتى عام 2050 الحدثَ الأبرز سياسيًا في ذلك العام.

وتُوسّع هذه الوثيقة آفاق التخطيط وتُؤكّد أولويتَيْن: تأمين إمدادات الطاقة المحلية والحفاظ على إمكانات التصدير في ظلّ القيود الجيوسياسية الجديدة.

وتضع معايير طموحة، منها إنتاج 540 مليون طن من النفط والمكثفات بحلول عام 2030، وإنتاج 100 مليون طن من الغاز المسال بحلول عام 2030، وسعة خطوط أنابيب غاز تقارب 100 مليار متر مكعب باتجاه أسواق آسيا والمحيط الهادئ.

وتستهدف في الوقت نفسه تعميق عمليات التكرير، وتوسيع قدرة توليد الكهرباء، وإجراء تغييرات هيكلية في تعدين الفحم.

وحتى مع اعتماد الإستراتيجية، أُجل العديد من الأهداف، لا سيما في مجال الغاز المسال.

وتكمن القيمة الحقيقية للإستراتيجية لا في دقتها العددية بقدر ما تكمن في منطقها التوجيهي: إعطاء الأولوية للاحتياطيات التي يصعب استخراجها، وتطوير الخدمات اللوجستية، وتعميق عمليات المعالجة، وتعزيز السيادة التكنولوجية، مع ترسيخ أمن الطاقة بشكل متزايد ضمن الاقتصاد المحلي.

ويعكس التوجه نحو "المعالجة المتقدمة" -الذي تجسّده مشروعات معالجة الغاز والبتروكيماويات الكبرى- منطق الاقتصاد السياسي في زمن الحرب: فإذا ما أُغلقت أسواق التصدير، تُحوّل الموارد إلى منتجات ذات قيمة أعلى محليًا، للحفاظ على فرص العمل والقدرة الصناعية والاقتصادات الإقليمية.

في المقابل، تشير فكرة "استعمال الموارد المحصورة محليًا" -أي تحويل الغاز/الفحم من المناطق النائية إلى كهرباء لمراكز البيانات والصناعات كثيفة استهلاك الطاقة- إلى نموذج جديد: استثمار الموارد محليًا عندما يكون استثمار الصادرات محدودًا.

وتُعدّ هذه إستراتيجية تكيّف منطقية، ويبقى السؤال المطروح هو السرعة: هل يمكنها توليد عملة صعبة وتعزيز القدرة التنافسية التصديرية على نطاق واسع في ظل العقوبات، أم أنها ستبقى في المقام الأول أداة لتحقيق الاستقرار المحلي.

الجدول التالي يستعرض مؤشرات قطاع الطاقة الروسي خلال 2025:

مؤشرات قطاع الطاقة الروسي 2025

التداعيات الجيواقتصادية

تتمثّل التداعيات الجيواقتصادية في أن روسيا ستدخل عام 2026 بصفتها قوة طاقة ضخمة ذات قدرة متضائلة على تحديد الأسعار، دولة لا تزال قادرة على نقل النفط والغاز، لكنها تجني إيرادًا إستراتيجيًا أقل لكل وحدة، لأن الغرب تحول من "العقوبات بوصفها عقابًا" إلى "العقوبات بوصفها آلية لتصميم السوق".

ويؤدي خروج أوروبا الموجه إلى ترسيخ خسارة هيكلية في الأسواق المتميزة؛ لتصبح الصين وأجزاء من آسيا هي المَنفذ، ولكن بشروط أكثر صرامة وتبعية جيوسياسية أكبر.

في الوقت نفسه، يُسرّع التنافس على الممرات المائية الرئيسة ومعايير الشحن العالم نحو التجارة القسرية دون حصار رسمي، ما يرفع تكاليف الشحن العالمية وعلاوات المخاطر للجميع، وليس لروسيا وحدها.

بالنسبة إلى النظام الأوسع، فإن هذا بمثابة مخطط لجيواقتصاد الطاقة في الحرب الباردة الثانية: تستمر التدفقات، ولكن يتم إعادة تخصيص الإيرادات والنفوذ والقدرة على الصمود - بعيدًا عن المصدر ونحو التحالف الذي يسيطر على التمويل والتأمين والمعايير وإنفاذ القوانين البحرية.

ويستجيب المنتجون من خلال بناء لوجستيات موازية، ومعالجة أعمق في الداخل، و"السيادة التكنولوجية" بوصفها بديلًا إستراتيجيًا لفقدان الوصول إلى السوق.

* فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.

*هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ في هذا المقال..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق