صادرات النفط والغاز الروسية تسعى إلى زيادة الإيرادات وسط استمرار العقوبات (مقال)
فيلينا تشاكاروفا* – ترجمة: نوار صبح

- مستويات تخزين الغاز تحت الأرض في أوروبا تبلغ 78.68%
- مرونة هيكل إمدادات الغاز المسال في أوروبا آخذة في التدهور
- إيرادات الطاقة الروسية دخلت مرحلة ركود حاد في نوفمبر 2025
- قدرة روسيا على زيادة إنتاج النفط لا تحدها العقوبات بل حصص تحالف أوبك+
تسعى صادرات النفط والغاز الروسية إلى زيادة الإيرادات لدعم الموازنة الفيدرالية وسط العقوبات التي تستمر في استهداف هذه الموارد، ويأتي ذلك في ظل دخول أوروبا الأسبوع الأخير من نوفمبر/تشرين الثاني 2025 في مشهد طاقة متناقض.
فقد انخفضت أسعار الغاز للشهر الأول من العام إلى ما دون 365 دولارًا أميركيًا لكل 1000 متر مكعب، أو 29.85 يورو (34.55 دولارًا)/ميغاواط/ساعة، وهي مستويات قد تشير عادةً إلى استقرار وثقة في السوق.
ويقف وراء هذا الهدوء الظاهري واقع مادي متسارع الوتيرة، فقد وصلت عمليات سحب الغاز من مواقع تخزين الاتحاد الأوروبي إلى مستويات قياسية لشهر نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، قبل وقت طويل من أن تشهد القارة أقصى درجات حرارة الشتاء.
ويؤكد هذا الانفصال بين أسعار السوق المطمئنة والهشاشة الهيكلية التي اتسم بها نظام الغاز في أوروبا بعد عام 2022، ولا يمكن المبالغة في الأهمية السياسية لهذا التباين.
*(اليورو = 1.16 دولارًا أميركيًا)
فترات الاستقرار الظاهري
منذ بداية أزمة الطاقة الأوروبية في عام 2022، دأبت فترات الاستقرار الظاهري على إخفاء نقاط ضعف أعمق مدفوعة بأنماط الطقس المتقلبة، وأسواق الغاز المسال التي تشهد تنافسًا متزايدًا، والتآكل التدريجي للبنية التحتية لخطوط الأنابيب في أوروبا. وتعاود هذه الأنماط الظهور هذا الشتاء، كاشفةً عن مرحلة جديدة من الانكشاف في ظل تفاقم حالة الضبابية الجيوسياسية.
وتبلغ مستويات تخزين الغاز تحت الأرض في أوروبا، وفقًا لمؤسسة البنية التحتية للغاز في أوروبا "جي آي إي" (GIE) 78.68 %، أي ما يعادل 84.76 مليار متر مكعب.
ورغم أن هذا الرقم يبدو مُرضيًا، فإنه مُضلِّل، فالمهم ليس الحجم نفسه، وإنما وتيرة السحب.

سحب الغاز في أوروبا
في 21 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، سحبت أوروبا 630 مليون متر مكعب من الغاز، وهو رقم قياسي لذلك التاريخ.
ويبلغ متوسط السحب اليومي الآن نحو 108 ملايين متر مكعب، وهو أعلى بكثير من المعدل الموسمي لـ5 سنوات.
ومنذ بدء موسم السحب في 12 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، استخرجت أوروبا 4.75 مليار متر مكعب، على الرغم من أسابيع من درجات الحرارة المعتدلة وأوقات توليد طاقة الرياح العالية.
وحدثت عمليات السحب هذه حتى في الوقت الذي شهدت فيه دول أوروبا الغربية درجات حرارة تتراوح بين صفر درجة مئوية و5 درجات مئوية، ما يعني أن المنطقة لم تواجه بعد موجة برد طويلة الأمد على مستوى القارة.
في غضون ذلك، انخفضت درجات الحرارة في أوروبا الوسطى والدول الإسكندنافية إلى درجات حرارة سالبة عميقة، وتشير التوقعات إلى تقدم هواء أكثر برودة غربًا في بداية ديسمبر/كانون الأول المقبل.
ودخلت أوروبا هذا الموسم من خط أساس أضعف؛ إذ بلغ التخزين ذروته عند 83.15% فقط في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وهو أقل من هدف الاتحاد الأوروبي البالغ 90%.
وأسهمت عدة عوامل في هذا النقص؛ إذ أدى ارتفاع أسعار الغاز المسال في الصيف الناتج عن المنافسة الشديدة في العطاءات مع المشترين الآسيويين إلى زيادة تكلفة الحقن.
من ناحية ثانية، أدى توليد طاقة الرياح القوية في لحظات مختلفة إلى تأخير الطلب على الكهرباء المولّدة بالغاز، ما أخفى اتجاهات الاستهلاك الأساسية.
مرونة خطوط الأنابيب في أوروبا
نتيجة لبقاء مسار خط أنابيب روسي رئيس واحد فقط، تراجعت مرونة خطوط الأنابيب في أوروبا، وأصبحت أكثر اعتمادًا من أي وقت مضى على شحنات الغاز المسال في الوقت المناسب ودورات الشحن العالمية.
وتحدث هذه التطورات في وقت انهارت فيه خريطة خطوط الأنابيب في أوروبا فعليًا في ممر واحد.
وبعد أن كانت شبكة الغاز الروسية في أوروبا نظامًا متنوعًا، انكمشت لتقتصر على خط أنابيب "ترك ستريم" وامتداده البري إلى بلغاريا وصربيا والمجر والنمسا.
وأصبحت جميع الطرق الأخرى متوقفة، وانتهى النقل عبر أوكرانيا رسميًا في 1 يناير/كانون الثاني 2025 بانتهاء اتفاقية النقل.
وأُغلق خط أنابيب "يامال-أوروبا" المار عبر بولندا منذ مايو/أيار 2022 بسبب العقوبات الروسية المضادة. ودُمّر خطا "نورد ستريم 1" و"نورد ستريم 2" في انفجارات بحر البلطيق عام 2022، وأغلقت أوكرانيا نقطة دخول الغاز في منطقة سوخرانوفكا منذ مايو/أيار 2022.
وهذا يجعل أوروبا معتمدة على شريان واحد من الشرق إلى الغرب للغاز الروسي، وهو ما يترتب عليه آثار إستراتيجية عميقة.
وتُظهر بيانات التدفق الحالية عبر نقطة دخول "ستراندزا-2/مالكوكلار" أحجامًا تبلغ 52.54 مليون متر مكعب في 24 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، وترتفع إلى 53.59 مليون متر مكعب في اليوم التالي.
ووصلت عمليات التسليم التراكمية عبر هذا الممر إلى 15.6 مليار متر مكعب في عام 2025، بزيادة قدرها 8% تقريبًا مقارنة بعام 2024.
وعلى الرغم من أن الحجم المطلق متواضع بالنسبة إلى مزيج الإمدادات المتنوع في أوروبا، فإن تركيز التدفقات يمنح روسيا مصدرًا ضيقًا، ولكنه قوي للضغط، ويرفع مكانة تركيا بوصفها وسيطًا لا غنى عنه في دبلوماسية الطاقة الأوروبية.

اعتماد أوروبا على الغاز المسال
أصبحت أوروبا تعتمد بصفة كبيرة على الغاز المسال، وهو مصدر مرونة يعمل بصورة متزايدة بوصفه نقطة ضعف. وتجاوزت واردات الغاز المسال 130 مليار متر مكعب في عام 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى حجم مماثل هذا العام.
لكن مرونة هيكل إمدادات الغاز المسال في أوروبا آخذة في التدهور.
وتستحوذ آسيا على حصة متزايدة من الشحنات الفورية العالمية مع انتعاش النشاط الصناعي في الصين، وتقلص كميات الغاز المسال طويلة الأجل في الهند.
وتُضيّق هذه المنافسة على الشحنات المرنة الخناق على السوق العالمية، وتُقلّل من ركود أوروبا عند ارتفاع الطلب في فصل الشتاء.
ورغم أهميتها البالغة، تُقيّد إمدادات الغاز المسال الأميركية دوريًا بسبب دورات الصيانة، والتأخيرات التنظيمية، والاضطرابات المرتبطة بالطقس.
وأي انقطاعات في الإنتاج بسبب الأعاصير في خليج المكسيك ستؤدي فورًا إلى انخفاض الكميات المتاحة لأوروبا.
وحتى عند وصول شحنات الغاز المسال، لا تستطيع أوروبا توزيعها بالتساوي. تحتفظ إسبانيا وفرنسا بقدرة كبيرة على إعادة التغويز، لكن أسواق شمال ووسط أوروبا تعتمد بصورة كبيرة على المحطات العائمة وخطوط الربط التي لا تزال تعاني من الاختناقات.
والنتيجة هي عدم توافق هيكلي؛ فالسعة الوفيرة للغاز المسال في شبه الجزيرة الأيبيرية لا تُترجم تلقائيًا إلى أمن شامل للنظام.
وما يزيد الأمور تعقيدًا استمرار وصول الغاز المسال الروسي إلى أوروبا عبر محطات في بلجيكا وفرنسا وإسبانيا؛ ما يُسبب انزعاجًا سياسيًا ويكشف عن فجوة بين خطاب الاتحاد الأوروبي بشأن التنويع وواقع إدارة الإمدادات الشتوية.
ويزيد ارتفاع أقساط تأمين الشحن، والعواصف في شمال الأطلسي، وتأخيرات المسارات المرتبطة بقيود قناة بنما، من الضبابية التي يمكن أن تُعطل جداول الشحن إلى أوروبا في الوقت غير المناسب تمامًا.
ومن شأن تزامن عمليات سحب قياسية من المخزون، وتراجع توليد الكهرباء بطاقة الرياح، وتدفقات غير متوقعة من الغاز المسال، أن يُعرّض أوروبا لخطر مألوف: أزمة شتوية مفاجئة وليست تدريجية.
ومن السهل تخيّل مثل هذا السيناريو، فقد تدفع موجة برد شديدة الطلب الإقليمي إلى ارتفاع حاد، في الوقت الذي تتجه فيه ناقلات الغاز المسال نحو آسيا أو تواجه تأخيرات بسبب الأحوال الجوية.
وقد تنخفض مستويات التخزين إلى أقل من 60% في يناير/كانون الثاني المقبل، ما يدفع أسعار الغاز المسال من نطاقها الحالي إلى ما بين 50 و70 يورو/ميغاواط/ساعة، أي ما يعادل 600-800 دولار أميركي لكل 1000 متر مكعب.
وقد تعود التخفيضات الصناعية إلى الظهور في ألمانيا والنمسا وجمهورية التشيك وشمال إيطاليا، في حين ستواجه الحكومات في جميع أنحاء أوروبا ضغوطًا سياسية مجددًا لدعم الاستهلاك، ودعم الأسر، وحماية الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة من الإفلاس.
رسالة غازبروم التحذيرية
تُدرك روسيا هذه الديناميكيات جيدًا، ولا يُعد تحذير شركة غازبروم الروسية (Gazprom) الأخير من أن أوروبا قد تواجه صعوبة في إمداد المستهلكين خلال فترة صقيع مطولة مجرد تعليق على أنماط الطقس، بل هو رسالة إستراتيجية مدروسة.
وتهدف هذه الرسالة إلى تعزيز الرواية القائلة إن إستراتيجية التنويع الأوروبية لها حدود، وإن موسكو تحتفظ بنفوذها، حتى مع انخفاض إجمالي أحجام صادراتها.
التداعيات الجيوسياسية
يكشف المشهد الحالي للغاز في أوروبا عن حقيقة أعمق؛ فعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي قلّص اعتماده بصورة حادة على غاز الأنابيب الروسي منذ عام 2022، فإنه لم يُزل هشاشته الهيكلية أمام النفوذ الروسي، وتقلبات أسعار الغاز المسال العالمية، وطقس الشتاء القارس.
وقد أدى تآكل جميع طرق النقل، باستثناء خط أنابيب "ترك ستريم"، إلى تركيز النفوذ الجيوسياسي في أنقرة، وإعادة تشكيل هيكل الطاقة في القارة، ما جعل جنوب شرق أوروبا المحور الإستراتيجيي الجديد لأمن الطاقة الأوروبي.
ويزداد نظام أوروبا المتمركز حول الغاز المسال، الذي يُفترض نظريًا أن يوفّر المرونة، هشاشة في الواقع العملي.
وهو يعتمد على التجارة البحرية العالمية، وسلاسل التوريد المتنازع عليها، وتقلبات الطقس، والعطاءات التنافسية مع الاقتصادات الآسيوية التي تتزايد دورات الطلب عليها.
وفي حال تزامن موجة برد مع تقلّص سوق الغاز المسال، فقد تواجه أوروبا صدمة طاقة متجددة تقوّض القدرة التنافسية الصناعية، وتُرهق الموارد المالية، وتُعيد إشعال الانقسامات السياسية بشأن الطاقة النووية والفحم والعقوبات المفروضة على الغاز المسال الروسي.
بالنسبة إلى موسكو، الرسالة واضحة: حتى انخفاض الكميات يمكن أن يُضخّم الضغط الجيوسياسي.
وبالنسبة إلى أوروبا، فإن شتاء 2025-2026 يختبر قوة نظام الطاقة لديها، وسيختبر مصداقية إستراتيجيتها طويلة الأجل للاستقلال في عالم تتشكّل معالمه بصورة متزايدة من خلال محور "الصين-روسيا"، والمنافسة على الموارد، والتفتت الجيواقتصادي النظامي.

انكماش إيرادات صادرات النفط والغاز الروسية
دخلت إيرادات صادرات النفط والغاز الروسية مرحلة ركود حاد في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، مسجلةً بذلك أحد أشد الانخفاضات الشهرية منذ بداية الحرب في أوكرانيا، كاشفةً عن ضغوط هيكلية متزايدة على الهيكل المالي للكرملين.
ووفقًا لتقييم وكالة "رويترز" المستند إلى بيانات أولية لوزارة المالية، انخفضت إيرادات صادرات النفط والغاز الروسية بنحو 35% في نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، لتصل إلى 520 مليار روبل (3 مليارات و250 مليون دولار)، وهو أدنى مستوى شهري لها منذ عدة أشهر، رغم ارتفاع أحجام صادرات النفط الخام واستقرار تدفقات خطوط الأنابيب إلى أسواق مختارة.
(الروبل الروسي = 0.013 دولارًا أميركيًا)
ويُعزى هذا الانكماش في صادرات النفط والغاز الروسية إلى التأثير المتزامن لارتفاع قيمة الروبل، وانخفاض ملحوظ في أسعار الهيدروكربون العالمية،
بالإضافة إلى الاتساع الحاد في خصم خام الأورال مقابل خام برنت، وقد قوّض هذا المزيج إيرادات روسيا من الصادرات وعقّد تخطيط موسكو المثقل أصلًا لموازنتها لعام 2025.
من يناير/كانون الثاني إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ولّدت روسيا ما يقرب من 8 تريليونات روبل من قطاع الطاقة، أي أقل بنسبة 22% عن الفترة نفسها من عام 2024، عندما تجاوزت إيرادات صادرات النفط والغاز الروسية 11 تريليون روبل.
ويُعدّ هذا الرقم أقل بكثير من هدف وزارة المالية لعام 2025، وهو ما يقرب من 11 تريليون روبل.
بعبارة أخرى، تتجه روسيا نحو عجز قدره 3 تريليونات روبل في دخل النفط والغاز إذا لم تنتعش الأسعار أو تُعتمد تدابير مالية إضافية.
ويتمثّل الدافع الأساسي في انهيار سعر التصدير المُحقّق لروسيا.
خلال الشهور الـ11 الأولى من العام، بلغ متوسط سعر النفط الخام الروسي 57.3 دولارًا أميركيًا فقط للبرميل - أي أقل بنحو 11 دولارًا أميركيًا عن العام السابق.
ويخفي هذا الرقم الإجمالي الضغط الأكثر حدة الذي ظهر في نوفمبر/تشرين الثاني الجاري نفسه، عندما فرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة على شركتي روسنفط ولوك أويل، أكبر شركتَيْن مُصدّرتين خاصتَيْن في روسيا.
وأدت هذه الإجراءات إلى ارتفاع حاد متجدد في خصم سعر خام الأورال، الذي توسع من 12-13 دولارًا أميركيًا للبرميل إلى 18-20 دولارًا أميركيًا، وفقًا للخبير البارز في الجامعة المالية والصندوق الوطني لأمن الطاقة، إيغور يوشكوف.
ويؤدي هذا الخصم المتزايد إلى تآكل ربحية الصادرات الروسية حتى مع استقرار أسعار النفط الخام الرئيسة. وتتأثر الموازنة الروسية بصفة خاصة بهذا الفارق؛ فكلما اتسع الفارق بين خام الأورال وبرنت، انخفضت رسوم التصدير وإيرادات ضريبة استخراج المعادن التي تُغذّي الإيرادات الفيدرالية.
تأثير العقوبات
من الجدير بالذكر أن العقوبات لم تُخفّض بصورة مباشرة أحجام صادرات النفط والغاز الروسية، وهو تأثيرٌ يتماشى مع النمط المُلاحظ منذ عام 2022.
وتُجبر العقوبات روسيا على بيع النفط الخام بخصومات أكبر، ونقل قيمة أكبر إلى الوسطاء ومُشغّلي أساطيل النفط في الظل، وتحمّل تكاليف لوجستية وتأمينية أعلى.
وحسب تعبير الخبير البارز في الجامعة المالية والصندوق الوطني لأمن الطاقة، إيغور يوشكوف، غالبًا ما يتبنّى صانعو السياسات الغربيون "نظرة بدائية" لتأثير العقوبات في إنتاج النفط الروسي.. نادرًا ما تُقيّد العقوبات الأحجام، بل تُخفّض السعر الذي يُمكن لروسيا الحصول عليه.
و"هذا يُضعف الإيرادات المالية حتى مع بقاء الشحنات المادية مرتفعة".
وهناك مؤشرٌ دالٌ على ذلك من الهند، سوق النفط الخام الرئيسة لروسيا منذ عام 2022.
في نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، عُرضت البراميل الروسية على المصافي الهندية بأقل الأسعار منذ عامَين على الأقل، بخصومات تصل إلى 7 دولارات أميركية للبرميل، أي أكثر من ضعف مستوى ما قبل العقوبات البالغ 3 دولارات أميركية.
وهكذا، اضطر المُصدّرون الروس إلى التنازل عن تخفيضات إضافية في الأسعار للحفاظ على حصتهم السوقية، لا سيما مع تزايد الضغط الأميركي على وسطاء البنوك والشحن في الهند.
في الوقت نفسه، ازداد اعتماد روسيا المالي على الإيرادات غير النفطية. أفادت وزارة المالية في وقت سابق من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري أن الإيرادات غير النفطية والغازية بلغت 22.5 تريليون روبل بين يناير/كانون الثاني وأكتوبر/تشرين الأول الماضيين، بزيادة قدرها 11.3% عن العام السابق.
في المقابل، انخفضت إيرادات النفط والغاز خلال الفترة نفسها بنحو 21.5%، لتصل إلى 7.5 تريليون روبل. وأشارت الوزارة إلى انخفاض متوسط أسعار النفط بوصفه تفسيرًا أساسيًا.
رغم ذلك، تُخفي هذه الأرقام قيودًا أعمق، لأن قدرة روسيا على زيادة إنتاج النفط لا تحدها العقوبات، بل حصص تحالف أوبك+، التي تضع حدًا أقصى للإنتاج وتمنع موسكو من تعويض انخفاض الأسعار بكميات أكبر.
وهذا يعني أنه حتى في حال حدوث تحولات دبلوماسية في اجتماع جنيف -أو تخفيف افتراضي للعقوبات- فلن تتمكن روسيا من "إغراق السوق" بإمدادات إضافية.
وتُعدّ مخاوف السوق من أن يؤدي اتفاق مع أوكرانيا إلى زيادة كبيرة في إنتاج النفط الروسي في غير محلها. إن القضية الحقيقية ليست توسيع العرض بل ضغط الأسعار، فسوف تظل خامات الأورال مخفضة هيكليًا ما دامت العقوبات المفروضة على الشحن والتمويل والمنتجين الرئيسين مستمرة.
إزاء ذلك، تواجه روسيا ضغطًا ماليًا ثلاثيًا:
أولًا: انخفاض أسعار الطاقة العالمية، ما يعكس ضعفًا أوسع في أسعار السلع الأساسية.
ثانيًا: ارتفاع قيمة الروبل، مما يقلل من القيمة المحلية لإيرادات التصدير.
ثالثًا: اتساع خصم أسعار خام الأورال، الذي تفاقم بفعل العقوبات الأميركية الجديدة والتكاليف اللوجستية.
ويُلقي هذا المزيج بظلاله على الموازنة الفيدرالية الروسية، حتى مع استمرار ارتفاع نفقات الحرب.
ونتيجة لاعتماد الكرملين بصورة كبيرة على صندوق الرفاه الاجتماعي الوطني والاقتراض المحلي لتغطية العجز، قد يُمثل شهر نوفمبر/تشرين الثاني الجاري نقطة تحول أوسع؛ اللحظة التي تدخل فيها قدرة روسيا على تمويل حرب طويلة مرحلة جديدة من الضعف الهيكلي.
محور الطاقة الجديد بين الصين وروسيا
تُسرّع روسيا والصين بناء بنية طاقة جديدة، تُصبح بسرعة العمود الفقري الإستراتيجي لعلاقاتهما الثنائية، وتُصبح، على نحو متزايد، ركيزة أساسية للنظام الأوراسي الناشئ.
وإن ما بدأ تعاونًا قائمًا على المصالح قبل عقدَيْن من الزمن، تطور -في خضمّ اضطرابات عالمية- إلى جهد منهجي لبناء نظام بيئيّ متكامل للأمن والتجارة والتكنولوجيا والقوة الصناعية.
وتقع الطاقة الآن في صميم هذا التحوّل؛ فهي الرابط بين قاعدة الموارد الهائلة لروسيا ومكانة الصين بوصفها قوة صناعية عظمى، والدرع الواقية من العقوبات الغربية التي يراها كلا البلدَيْن هيكلية وليست مؤقتة.
في هذا الإطار، سلّط منتدى أعمال الطاقة الروسي الصيني السابع في بكين الضوء على هذه الحقيقة.
وبمشاركة أكثر من 450 مشاركًا -من كبار المديرين التنفيذيين من شركات الطاقة الكبرى، والممولين، وخبراء التكنولوجيا، وصانعي السياسات- سلّط الحدث الضوء على شراكة تجاوزت نقطة اللاعودة.
وقد حولت كلمات الرئيسَيْن فلاديمير بوتين وشي جين بينغ المنتدى إلى أداة للتنسيق الإستراتيجي، وليس مجرد حوار اقتصادي.
وأكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن روسيا تحتل الآن المرتبة الأولى بوصفها أكبر مورد للنفط والغاز الطبيعي إلى الصين، مشيرًا إلى التوسع المستمر في البنية التحتية للطاقة عبر الحدود.
بدوره، أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ، في رسالة ألقاها نائب رئيس مجلس الدولة دينغ شيويه شيانغ، التزام الصين بتحقيق الاستقرار في سلسلة الطاقة العالمية وتعزيز الشراكة، في وقت تشتد فيه المنافسة العالمية على الموارد.
الطاقة جوهر التحالف بين الصين وروسيا
وصف الرئيس التنفيذي لشركة روسنفط الروسية (Rosneft)، إيغور سيتشين، بصفته المهندس الرئيس المتحدث باسم تحول روسيا شرقًا، الشراكة بصراحة قائلاً: الصين هي الحليف الإستراتيجيي لروسيا، والطاقة هي جوهر هذا التحالف.
وأوضح أنه على مدى السنوات الـ25 الماضية، وصل التعاون الاقتصادي الثنائي إلى نطاق غير مسبوق. ويتمثّل أبرز رمز لذلك في الارتفاع الكبير في حجم التجارة إلى 245 مليار دولار أميركي، متجاوزًا بكثير الأهداف التي حُدّدت قبل بضع سنوات فقط.
ويعتمد هذا النجاح على ما وصفه سيتشين بـ"القرارات المُتخذة في الوقت المناسب"، وأبرزها إنشاء بنية تحتية حديثة لخطوط الأنابيب، مثل نظام شرق سيبيريا-المحيط الهادئ "إسبو" (ESPO)، الذي سبق أن أيّده نائب الرئيس وانغ تشي شان.
ويُعزز نظام إسبو الآن مكانة روسيا بوصفها موردًا رئيسًا للنفط إلى الصين، والمحرك الرئيس لإعادة تشكيل تدفقات الهيدروكربون في أوراسيا بسرعة.
أصبحت الشراكة الآن جزءًا لا يتجزأ من واقع مالي جديد، إذ تخلّت روسيا والصين بصورة شبه كاملة عن الدولار واليورو في التسويات الثنائية، وانتقلتا بدلًا من ذلك إلى الروبل واليوان.
وانخفضت حصة العملات الغربية إلى ما وصفه سيتشين بـ"مستوى الخطأ الإحصائي".
بالنسبة إلى موسكو، يُعد تآكل أنظمة التسوية القائمة على الدولار رد فعل طبيعيًا على استغلال واشنطن المتزايد للدولار بوصفه سلاحًا جيوسياسيًا.
أما بالنسبة إلى بكين، فإن ارتفاع اليوان -من 2% فقط من تسويات التجارة الخارجية عام 2010 إلى أكثر من 52% اليوم- يعكس طموحات طويلة الأجل لعزل التجارة الصينية عن النفوذ الغربي وترسيخ اليوان بوصفه عملة تسوية إقليمية موثوقة.
ولم يرَ سيتشين هذا التحول بوصفه رد فعل على العقوبات، بل هو جزء من تحول هيكلي أوسع نطاقًا: ضعف دور الدولار بوصفه احتياطيًا عالميًا، وصعود الذهب بصفته أصلًا بديلًا، والتشرذم التدريجي للتمويل العالمي إلى مجالات نفوذ متنافسة.
ويُكمل هذا الهيكل المالي حجم القوة الصناعية الصينية، إذ صوّر سيتشين الصين على أنها القوة الصناعية العظمى الحقيقية الوحيدة في العالم، حيث تمثّل 35% من الناتج الصناعي العالمي.
وأشار إلى أن الاعتماد الأميركي على المدخلات الصناعية الصينية أصبح الآن أكبر بـ3 مرات من اعتماد الصين على الولايات المتحدة، وهو عكس ما كان عليه الحال في أوائل العقد الأول من القرن الـ21.
إن هيمنة الصين ليست عرضية؛ فهي تعكس الأهداف الإستراتيجيية لإنشاء "قوة اشتراكية حديثة" بحلول عام 2035، ومضاعفة الناتج المحلي الإجمالي، والريادة في التقنيات التي تشكّل القرن الـ21.
وتنتج الصين، حاليًا، كهرباء أكثر من أي دولة أخرى -أكثر من ضعف إنتاج الولايات المتحدة- وتمثّل ثلث الاستثمار العالمي في الطاقة.
وبحلول عام 2025، من المتوقع أن يصل إجمالي استثمارات الصين في الطاقة إلى ما يقرب من 900 مليار دولار أميركي، متجاوزة أميركا الشمالية وأوروبا مجتمعتَيْن.
من ناحيتها، تضع روسيا نفسها نظيرًا لا غنى عنه في هذا المشهد.
وتشكّل ثروتها من الموارد الطبيعية -التي يقدّرها سيتشين بمبلغ 100 تريليون دولار أميركي- العمود الفقري للطاقة القارية التي تحتاج إليها الصين لتغذية صعودها الصناعي والتكنولوجي.
وتُشكّل روسيا نحو 15% من صادرات الهيدروكربون العالمية، وأصبحت المورد الرئيس للنفط إلى الصين، بحصة سوقية تبلغ 20% وحصة مماثلة من واردات الغاز الصينية، ويُلبّي الفحم الروسي أكثر من ربع الطلب الصيني.
وتُعدّ القيمة الاقتصادية لهذه الشراكة كبيرة؛ فقد وفّرت الصين ما يُقدّر بنحو 20 مليار دولار أميركي منذ عام 2022 من خلال شراء النفط الخام الروسي بأسعار مُخفّضة مُقارنةً بالبدائل الشرق أوسطية.
ويشمل التعاون في مجال الطاقة حاليًا النفط والغاز والفحم والبتروكيماويات والطاقة المتجددة والطاقة النووية. وتواصل شركة روسنفط توسيع إنتاجها من البتروكيماويات، مُواكبةً بذلك صعود الصين بوصفها أكبر مُصدّر عالمي للمنتجات البتروكيماوية.
وقد انخفض معدل استبدال الاحتياطي لشركات النفط الغربية إلى أقل من 40% في السنوات الأخيرة، بسبب نقص الاستثمار المزمن، في حين تُحافظ "روسنفط" على معدل استبدال أعلى من 100%، وهي نقطة اتخذها سيتشين لتأكيد أن روسيا لا تزال في وضع هيكلي أفضل من العديد من منافسيها الغربيين.
نهج الصين في تحول الطاقة
يتماشى نهج الصين في تحول الطاقة بصورة وثيقة مع نهج روسيا.
وعلى الرغم من أن بكين تستثمر بكثافة في مصادر الطاقة المتجددة، فإنها تُوسّع في الوقت نفسه توليد الطاقة بالفحم، إذ أصدرت تراخيص لنحو 100 غيغاواط من الطاقة الجديدة في العام الماضي وحده.
ويعكس موقف الرئيس الصيني شي جين بينغ -"قبل التخلي عن القديم، يجب علينا أولاً إنشاء الجديد"- تفكير الكرملين؛ فالطاقة البديلة يُمكن أن تُكمّل، ولكن لا تُستبدل، الهيدروكربونات والطاقة النووية التي تُعزز المرونة الصناعية.
ويمثّل التعاون النووي أحد أكثر مجالات الشراكة تقدمًا.
وقد بنت روسيا 4 وحدات نووية في محطة تيانوان للطاقة النووية، وتعمل على بناء 4 وحدات أخرى.
وتساعد الصين في تطوير تقنيات مفاعلات النيوترونات السريعة، وتوفّر عناصر وقود حيوية.
وأكد الرئيس التنفيذي لشركة روسنفط الروسية، إيغور سيتشين، أن مفاعل "في في إي آر-1200" الروسي أرخص بكثير من مفاعل "إيه بي-1000" الأميركي، ما يعزّز الميزة التنافسية لموسكو في الصادرات النووية.
وبعيدًا عن المجال التجاري، استغل سيتشين المنتدى لتوضيح نقاش جيوسياسي شامل.
وأشار إلى أن استمرار ضغط العقوبات على روسيا والصين سيؤدي إلى أزمة اقتصادية جديدة في الغرب من خلال رفع أسعار الكهرباء، وزيادة تكاليف التصنيع، وتقويض القدرة التنافسية للصناعات الغربية.
وقارن أسعار الكهرباء في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بتكاليف الكهرباء الصناعية المنخفضة بصورة كبيرة في روسيا والصين، مدعيًا أن الاقتصادات الغربية تخاطر بفقدان استقلاليتها وتميزها التكنولوجي إذا قطعت الوصول إلى الموارد الروسية والتقنيات الصينية.
إن هذا السرد -المحدد من خلال الإشارات إلى الأمثال الصينية والمنطق الإستراتيجيي الأوراسي- يقدم روسيا والصين بوصفهما ركيزتَيْن متماثلتَيْن لتكتل اقتصادي بديل صاعد.
وفي رواية سيتشين، يوفّر توليف الموارد الروسية والتكنولوجيا الصينية منصة دائمة للتنمية المتبادلة على الرغم من الضغوط الغربية، وقد يؤدي في النهاية إلى تسريع التحول العالمي نحو نظام اقتصادي أكثر تجزئة ومتعدد الأقطاب.

منتدى أعمال الطاقة الروسي الصيني السابع
اختتم منتدى أعمال الطاقة الروسي الصيني السابع بخطط شاملة لتوسيع التعاون في مجالات الهيدروجين، واحتجاز الكربون وتخزينه، والغاز المسال، والطاقة النووية، والبتروكيماويات، والطاقة الكهرومائية، وتكنولوجيا المعلومات، والتقنيات البيئية.
وسلّط نائب رئيس الوزراء الروسي، ألكسندر نوفاك، الضوء على التوسع الهائل في التجارة الثنائية؛ من 108 مليارات دولار أميركي في عام 2018 إلى 245 مليار دولار أميركي في عام 2024.
وأشار إلى المشروعات الإستراتيجية طويلة الأجل التي تشكّل العمود الفقري للشراكة: خط أنابيب إسبو، وباور أوف سيبيريا، التي تصل إلى سعتها المستهدفة البالغة 38 مليار متر مكعب، واستثمارات الغاز المسال في القطب الشمالي التي تتجاوز 55 مليار دولار أميركي.
من جهته، أكد رئيس مجلس إدارة شركة البترول الوطنية الصينية "سي إن بي سي" (CNPC)، داي هوليانغ، استعداد الصين لتعميق التعاون في قطاعَي الطاقة التقليدي والناشئ، وربط التعاون بمبادرة الحزام والطريق الصينية الأوسع نطاقًا ومسارات الحياد الكربوني.
وتؤكد نتائج المنتدى على تحول حاسم: لم تعد الطاقة سلعة تبادلية في العلاقات الروسية الصينية، بل أصبحت الآلية الرئيسة التي تسعى من خلالها القوتان إلى تعزيز التكامل الأوراسي، ومواجهة الضغوط الغربية، وبناء نظام موازٍ من الترابط المالي والصناعي.
ومع تعميق الشراكة، فإنها تُعيد تشكيل أسواق الطاقة العالمية، وتتحدى أنظمة العقوبات الغربية، وتُسرّع من ظهور نظام طاقة بديل يتجه مركز ثقله شرقًا بلا شك.
فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.
*هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- حقول النفط والغاز في روسيا.. أبرز الإمكانات والاحتياطيات (ملف خاص)
- النفط والغاز والطاقة النووية بين روسيا والهند.. تعاون إستراتيجي وتداعيات محتملة (مقال)
- تغيرات سوق النفط والغاز في روسيا والصين (مقال)
اقرأ أيضًا..
- أنس الحجي: الطاقة النووية في السعودية مسار حتمي.. وهكذا تحقق الاستقرار
- هل انبعاثات السيارات الكهربائية أقل من التقليدية؟.. دراسة تكشف مفارقة أول عامين
- رئيس شركة إمباور: بديل الغاز الطبيعي هدف أوروبا للاستغناء عن روسيا (حوار)





