تقنية حديثة قد تنقذ المحيطات والبحار من آثار التغيرات المناخية (مقال)
هبة محمد إمام*

في عالمٍ تُهدده التغيرات المناخية المتسارعة؛ إذ ترتفع حرارة المحيطات وتذوب الكتل الجليدية وتتأثر النظم البيئية البحرية بشكل غير مسبوق، تبرز الحاجة المُلحة إلى أدوات دقيقة لمراقبة المحيطات وفهم تحولاتها.
هنا يأتي دور خدمة كوبرنيكوس البحرية (Copernicus Marine Service)، التي تُعد إحدى أهم المبادرات العالمية في مجال رصد البحار والمحيطات باستعمال أحدث تقنيات الاستشعار عن بُعد والذكاء الاصطناعي.
لكن السؤال الأهم: كيف يمكننا تحويل الكميات الهائلة من البيانات إلى حلول عملية لمواجهة آثار التغير المناخي؟ وكيف يستطيع الباحثون وصناع القرار وحتى المهتمون بالعلوم البيئية الاستفادة منها؟
في هذا المقال، سنستعرض بالتفصيل أهمية خدمة كوبرنيكوس البحرية، وكيفية عملها، وتطبيقاتها في مجالات متعددة، والتحديات التي تواجهها، كما سنناقش مستقبل هذه الخدمة في ظل التطورات التكنولوجية المتلاحقة.
ما هي خدمة كوبرنيكوس البحرية؟
خدمة كوبرنيكوس البحرية (CMEMS) هي مبادرة أوروبية توفر بيانات مجانية ومفتوحة المصدر عن المحيطات، تشمل:
- درجة حرارة المياه.
- مستوى سطح البحر.
- التيارات البحرية.
- نسبة الملوحة.
- جودة المياه (الكلوروفيل، المواد العضوية).
- الغطاء الجليدي البحري.
تستند البيانات إلى الأقمار الصناعية التابع لبرنامج كوبرنيكوس، والقياسات الميدانية (العوامات، السفن البحثية)، والنماذج الحاسوبية المتقدمة.

الهدف الرئيس لخدمة كوبرنيكوس البحرية
- دعم صناع القرار في مجالات البيئة، والأمن البحري، والصيد المستدام.
- تحسين التنبؤات المناخية عبر فهم تفاعلات المحيطات مع الغلاف الجوي.
- تعزيز الأمن البحري من خلال تتبع التلوث والكوارث الطبيعية مثل الأعاصير والتسونامي.
كيف تعمل خدمة كوبرنيكوس البحرية؟
تعتمد الخدمة على 3 ركائز أساسية:
1- جمع البيانات
- الأقمار الصناعية: توفر صورًا وقياسات دقيقة لدرجة حرارة سطح البحر، ومستوى المياه، وحركة التيارات.
- الشبكات العالمية للعوامات: مثل "أرجو" (ARGO) التي تقيس الملوحة والحرارة حتى عمق 2000 متر.
- السفن البحثية والمحطات الساحلية: تسجل بيانات مباشرة عن جودة المياه والرواسب.
2- معالجة البيانات وتحليلها
تُدمج البيانات في نماذج رياضية متطورة لإنشاء: خرائط تفاعلية تُظهر تغيرات المحيطات، وتنبؤات قصيرة وطويلة المدى حول الأحوال البحرية.
3- توزيع البيانات
تُقدم الخدمة بياناتها عبر بوابة إلكترونية مجانية؛ إذ يمكن للباحثين، والحكومات، والشركات الوصول إلى: قواعد بيانات تاريخية، وتقارير دورية عن حالة المحيطات، وأدوات تحليلية لدراسة الظواهر مثل التغيرات في التيارات البحرية.
تطبيقات خدمة كوبرنيكوس البحرية
تُسهِم CMEMS في مجالات حيوية متعددة؛ على رأسها مراقبة التغير المناخي من خلال تتبع ارتفاع مستوى سطح البحر بسبب ذوبان الجليد، وتحليل امتصاص المحيطات لثاني أكسيد الكربون (CO₂) وتأثير ذلك في الحموضة البحرية. دعم الملاحة البحرية من خلال توفير تنبؤات دقيقة للطقس البحري لتجنب العواصف، وتحسين مسارات السفن لتقليل استهلاك الوقود.
كما تدعم الصيد المستدام من خلال تحديد المناطق الغنية بالأسماك بناءً على درجة الحرارة وتوافر العوالق، ومراقبة التلوث البلاستيكي الذي يؤثر في الثروة السمكية، بالإضافة إلى إدارة الكوارث الطبيعية من خلال التنبؤ بموجات التسونامي عبر رصد التحركات التكتونية تحت الماء، وتتبع تسرب النفط بعد الحوادث البحرية.

إنجازات بارزة لخدمة كوبرنيكوس البحرية
رصد الاحترار العالمي: أسهمت البيانات في إثبات أن المحيطات تمتص 90% من الحرارة الزائدة على الأرض؛ ما يؤثر في التيارات.
دعم اتفاقيات دولية: وفرت CMEMS معلومات لدعم اتفاقية باريس للمناخ وأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة لحماية الحياة تحت الماء.
تطبيقات في المنطقة العربية: مراقبة التلوث في الخليج العربي، دراسة تأثير تغير المناخ في البحر الأحمر وارتفاع ملوحته.
التحديات التي تواجه الخدمة
يواجه استعمال بيانات كوبرنيكوس البحرية عددًا من التحديات؛ أبرزها:
1- التحديات الفنية
- تعقيد البيانات وحاجز المهارات: صعوبة معالجة بيانات كوبرنيكوس في بعض الأحيان، ونقص الخبرات المحلية؛ إذ إن الكثير من الدول النامية تفتقر إلى كوادر مدربة على التعامل مع هذه الأنظمة.
- تحديات التغطية والدقة: فجوات في المناطق النائية؛ إذ إن بعض المناطق مثل المحيط الجنوبي أقل تغطية بسبب قلة العوامات والأقمار الصناعية المخصصة، فضلًا عن محدودية الدقة المكانية؛ فبعض البيانات متاحة بدقة 25 كيلومترًا مربعًا؛ ما قد لا يكفي لدراسات دقيقة مثل تتبع تلوث المواني.
2- تحديات البنية التحتية
- الحاجة إلى قوة حوسبة عالية: إذ إن نماذج المحاكاة العالية الدقة تحتاج إلى خوادم قوية؛ ما يُشكِّل عائقًا للمؤسسات محدودة الموارد، بالإضافة إلى الحاجة إلى قواعد تخزين بيانات ضخمة؛ فمجموعات بيانات كوبرنيكوس قد تصل إلى تيرابايتات؛ ما يتطلب مساحات تخزين كبيرة.
- مشكلات الاتصال بالإنترنت: في بعض الدول الأفريقية والآسيوية، يعوق انقطاع الإنترنت أو بطؤه تنزيل البيانات الضخمة.
3- تحديات سياسية ومؤسسية
- القيود على بعض البيانات الحساسة: معلومات التيارات البحرية قرب الحدود قد تخضع لقيود أمنية في بعض الدول، بالإضافة إلى أن بعض الحكومات تفرض عقبات بيروقراطية لاستيراد بيانات الأقمار الصناعية الأجنبية.
- نقص التكامل بين الدول وغياب التوحيد القياسي: بعض الدول تستعمل أنظمة مراقبة محلية غير متوافقة مع معايير كوبرنيكوس، فضلًا عن محدودية المشاركة الإقليمية؛ فالدول العربية مثلًا تشارك بشكل أقل في شبكات الرصد العالمية مقارنة بدول الأوروبية.
4- تحديات التطبيق العملي
- الفجوة بين البيانات واتخاذ القرار: نقص آلية تحويل البيانات إلى سياسات؛ فالكثير من الحكومات لا تستفيد بشكل كافٍ من التقارير المتاحة، بالإضافة إلى محدودية التطبيقات المحلية؛ إذ تركز دراسات كوبرنيكوس على الاحتياجات الأوروبية، في حين أن الاحتياجات المحلية (مثل تأثير التحلية في الخليج العربي) أقل تغطية.
- تحديات التحديث والاستدامة: بعض المؤشرات تُنشر بعد أشهر من جمعها؛ ما يقلل فاعليتها في الطوارئ مثل تسرب النفط، واعتمادية على التمويل الأوروبي؛ فاستمرارية الخدمة مرتبطة بقرارات سياسية ومالية للاتحاد الأوروبي.

توصيات للتغلب على التحديات
- بناء القدرات المحلية من خلال تدريب الباحثين على أدوات مفتوحة المصدر، وإنشاء مراكز وطنية لمعالجة البيانات البحرية.
- تحسين البنية التحتية بتوفير خوادم سحابية مخصصة للبيانات البيئية في الدول النامية، وتطوير أدوات مبسطة لاستخراج البيانات دون حاجة إلى خبرة تقنية عالية.
- تعزيز التعاون الإقليمي من خلال إنشاء شبكات عربية/أفريقية لتبادل البيانات البحرية، ودمج بيانات كوبرنيكوس مع أنظمة المراقبة المحلية.
- تطوير تطبيقات مخصصة بتصميم أدوات تركز على مشكلات إقليمية (مثل تآكل السواحل في شمال أفريقيا).
رغم أن خدمة كوبرنيكوس البحرية تُعد إنجازًا علميًا غير مسبوق؛ فإن تحقيق أقصى استفادة منها يتطلب تذليل العقبات التقنية عبر التدريب، واستثمارات في البنية التحتية، وتعاون دولي.
مستقبل خدمة كوبرنيكوس البحرية
مع تطور الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء (IoT)، تتجه الخدمة إلى دمج بيانات جديدة من الروبوتات البحرية الذاتية القيادة، وتحسين التنبؤات باستعمال التعلم الآلي، والتوسع في مشاركة البيانات مع دول غير أوروبية.
لقد أظهرت خدمات كوبرنيكوس البحرية كيف يمكن للبيانات أن تكون أداة تحوّل في إدارة مواردنا البحرية وحماية بيئتنا. لكن الطريق لا يخلو من تحديات سواء التقنية، والسياسية، والعملية، ومع ذلك؛ فإن الفرص أكبر من التحديات، يمكن للباحثين تطوير نماذج تنبؤية أكثر دقة، يمكن لصانعي القرار بناء سياسات مستنيرة، وتستطيع المجتمعات الساحلية حماية مواردها الطبيعية.
وتظل خدمة كوبرنيكوس البحرية أداة حيوية لفهم المحيطات وحمايتها، في ظل التحديات البيئية المتزايدة، يصبح تعزيز التعاون الدولي لتعظيم فوائد هذه الخدمات ضرورة ملحّة. مستقبلًا، قد تكون البيانات التي توفرها CMEMS عاملاً حاسمًا في إنقاذ النظم البيئية البحرية وضمان استدامة الموارد للأجيال القادمة.
* الدكتورة هبة محمد إمام - خبيرة دولية واستشارية بيئية مصرية
موضوعات متعلقة..
- التغيرات المناخية تهدد قطاع الزراعة في الجزائر (مقال)
- كيف يفاقم تغير المناخ والصراعات المسلحة أزمة الهجرة البيئية؟ (مقال)
- الحد من تغير المناخ باستعمال نظم المعلومات الجغرافية (مقال)
اقرأ أيضًا..
- أبرز حقول النفط في اليمن.. 5 مواقع رئيسة واحتياطيات بـ3 مليارات برميل
- 4 ناقلات نفط تصل إلى سوريا في أقل من أسبوع.. و7 ملايين برميل قريبًا
- سيناريو قطع الكهرباء في مصر.. دراسة تكشف تناقضات الأرقام قبل صيف 2025
المصدر..