مقالات منوعةالمقالاترئيسيةمنوعات

المعادن الإستراتيجية وصراع أميركا والصين (3/3) - مقال

أحمد الطالب محمد*

عندما اتضح أن مكافحة التفوق الصيني وهيمنته لم تعد مسألة تجارية عادية -خاصة في المعادن الإستراتيجية- بل أصبحت مسألة أمن قومي، توجهت الولايات المتحدة الأميركية إلى بعض حلفائها، وكان أبرز تحرّك قد جرى على مستوى أستراليا والهند واليابان.

ومن أهداف هذا التحالف: ضمان عدم ممارسة الصين سيطرة مفرطة على إمدادات المعادن الضرورية للتكنولوجيا الحديثة، إذ نُوقش هذا الأمر وجهًا لوجه خلال الاجتماع الأول لقادة "الرباعي" الذي عُقد بداية هذا العام.

وقد برزت المجموعة الرباعية مجموعةً تعمل معًا لمواجهة النفوذ المتزايد للصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ويتّحد قادتها لإضعاف الهيمنة الصينية على معادن التربة النادرة، كما وافق زعماؤها -موريسون وبايدن ومودي وسوجا- على رسم خرائط لسلاسل التوريد للمعادن والمنتجات الرئيسة -مثل الرقائق الإلكترونية-.

كما تناولت تلك المحادثات قضية أخرى لا يبدو أن لها علاقة بالموضوع، ولكنها في الحقيقة تصبّ في محاصرة الصين، وهي قضية الغواصة التي تعمل بالطاقة النووية، التي اتُّفِق مع أستراليا بشأنها، و هو ما شكّل تحديًا إضافيًا للصين.

وفي ظل التوتر القائم منذ مدة، لا تظهر في الأفق أيّة مؤشرات على مرونة بين الجانبين، بل إن التنافس الجيوسياسي بين الصين والولايات المتحدة قد ينحو منحىً أكثر تعقيدًا، ومن الشواهد على ذلك: إعلان وكالة المخابرات المركزية إنشاء مركز جديد دوره مكافحة بكين وتأثيرها المتزايد في جميع أنحاء العالم.

الصين تمدّ أذرُعها

في المقابل، فإن الجهود الصينية لاحتكار المعادن الإستراتيجية أو التربة النادرة لا تتوقف على مصادرها المحلية، بل سعت -بقوة- وراء مناجم التربة النادرة في أفريقيا، وغالبًا ما تبادلت تطوير البنية التحتية أو بيع المواد الدفاعية مقابل حقوق التعدين الحصرية.

مثلًا في جمهورية الكونغو الديمقراطية اكتسبت الصين حقوقًا في مناجم الليثيوم والكوبالت والكولتان، وتُستخدم هذه المعادن في بطاريات السيارات الكهربائية والإلكترونيات، بما في ذلك الهواتف الذكية وأجهزة الحواسيب المحمولة.

ومقابل الحصول على هذه الموارد، وافقت الصين على بناء المشروعات التي تشتد الحاجة إليها، مثل الطرق الحضرية والطرق السريعة والمستشفيات.

كينيا -أيضًا- هي هدف صيني آخر، فقد حصلت الدولة التي تقع شرق القارّة الإفريقية على 666 مليون دولار من الصين لبناء مركز بيانات، وهو قيد الإنشاء حاليًا.

ومن بين الدول الأفريقية التي تفاوضها الصين، نجد كلًا من: الكاميرون، وأنغولا، وتنزانيا، وزامبيا.

وتحظى تنزانيا بأهمية خاصة؛ بسبب وجود العديد من عناصر التربة النادرة ذات الأهمية العسكرية، بما في ذلك النيوديميوم والبراسيوديميوم، وهما عنصران أساسيان في تقنية الذخيرة الموجهة بدقّة.

كما أصبحت الصين لاعبًا اقتصاديًا جديدًا مهمًا في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، إذ زادت التجارة بين الصين وأميركا اللاتينية من مستويات لا تكاد تُذكر في عام 1990، إلى 10 مليارات دولار في عام 2000، و270 مليار دولار في عام 2012، و في السنة نفسها اكتُشف مخزون مهم من التربة النادرة بقيمة 8.4 مليار دولار في البرازيل، و اليوم أصبحت الصين أكبر شريك تجاري للبرازيل بلا منازع.

الآفاق المستقبلية

يُرجّح أن التغييرات المقبلة التي سيحدثها هذا الصراع قد تُلقي بثقلها على كل جوانب الحياة، كالطاقة والنقل والدفاع، وستؤسس لإعادة هيكلة الاقتصاد العالمي أكثر من أيّ وقت مضى.

ويكتسي تأمين المعادن المهمة طابعًا خاصًا و معقدًا.

إن الجهود الأميركية لاستخراج العناصر المعدنية النادرة تجري في ولايات، مثل وايومنغ وتكساس وكاليفورنيا.

لكن تجربة المنجم الوحيد في الولايات المتحدة الأميركية هي بحدّ ذاتها تجربة تستدعي الحذر، وستلقي بظلالها على أيّ محاولة لإنتاج التربة النادرة في أميركا.

شركة موليكورب -الشركة المشغّلة لمنجم ماونتين باس في كاليفورنيا- أعادت فتحه في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لكنها أفلست في عام 2015، ثم اشترت شركة (إم بي ماتيريالز) المنجم، واستأنفت الإنتاج في عام 2017 بمحاولة لخفض كلفة الإنتاج حتى يبقى المنجم على قيد العمل.

ويرى المتابع للأحداث أن ذلك صعب جدًا لولا تدخّل الحكومة الفيدرالية التي أعطت عددًا لا يحصى من المنح والعقود، وتحديدًا من وزارتي الدفاع والطاقة بهدف تطوير القدرات.

ولكي يزيد الأمر تعقيدًا، فإن أحد أكبر عملاء الشركة، شركة صينية اسمها شنغهاي ريسورسز هولدنغ، وهي شركة مسؤولة عن المعالجة والتوزيع والتكرير، و تمتلك -أيضًا- حصة في الشركة، وهي المسؤولة عن فصل ومعالجة معادن التربة النادرة في آسيا.

نجد إذن أن التنين الصيني يدخل بكل كبيرة وصغيرة في هذا المجال؛ ما يجعل مهمة تنويع مصادر التموين هدفًا صعب المنال.

الإشكال البيئي يزيد تعقيد الأمور

يعدّ استخراج العناصر الأرضية النادرة أو المعادن الإستراتيجية، عملية صعبة بسبب مجموعة من العوامل البيئية والتقنية والسياسية.

إن العديد من المناطق -بما في ذلك حلفاء للولايات المتحدة الأميركية- لديها وفرة في هذه الموارد، ولكنها تفتقر إلى الخبرة التي تمتلكها الصين في المعالجة وإنتاج المغناطيس.

وتتعرض صناعة التربة النادرة لانتقادات بسبب المخاوف البيئية، ومن بين ما يخشاه الجمهور: وجود مواد مشعة مصاحبة لهذه المعادن، قد يشكّل تسرّبها إلى المياه الجوفية مشكلات بيئية كبيرة، ناهيك عن احتمال إطلاق المنتجات الثانوية الخطرة في الغلاف الجوي عند المعالجة.

وتشكّل النصوص القانونية حاجزًا آخر لتطوير صناعات محلية في الولايات المتحدة الأميركية؛ لأنها أكثر صرامة من تلك الموجودة في الصين، وحتى ثاني أكبر منتج للتربة النادرة -شركة ليناس الأسترالية- قد خضعت مؤخرًا للتدقيق من قبل النشطاء والحكومة الماليزية بخصوص النفايات المشعة التي تنتجها ضمن عملية التخصيب.

وتتحرك الولايات المتحدة الأميركية على أصعدة أخرى -وخصوصًا البحث العلمي- لرفع هذه التحديات، ومن بين الخطط التي تدرسها حاليًا: إنشاء نظام لإعادة تدوير البطاريات القديمة أو محركات الأقراص.

كما تُجري بعض المختبرات بولايات آيوا و إداهو -بعضها يتبع لوزارة الطاقة الأميركية- بحوثًا بخصوص بكتيريا يمكن أن تساعد في إعادة تدوير العناصر الأرضية النادرة، وكذلك إيجاد طرق جديدة أكثر صداقة للبيئة لإنتاج هذه المعادن، إضافة إلى طرق جديدة لإعادة تدوير مغناطيس مصمم لاستعادة أكاسيد التربة النادرة، دون الأحماض أو الأبخرة الخطرة المرتبطة بها.

فيا ترى.. كيف سيكون تأثير التغييرات و الصدمات التي لا مفرّ منها -مع توجّه العالم للطاقات الخضراء- في الولايات المتحدة الأميركية، وتأثير ذلك بموقعها الاقتصادي والسياسي العالمي؟

الخلاصة

قد نخرج بخلاصة مفادها أن الحرب على المعادن الإستراتيجية هي من أهم العوامل الجيوسياسية، لقدرتها على إحداث تغيّر جذري في العالم مستقبلًا.

ويظهر أن الولايات المتحدة -رغم محدودية إمكانات التحرك- تسعى جاهدة بكل ما أوتيت من قوة لحصر النفوذ الصيني وتنويع سلاسل التوريد، إلّا أنه لا يمكنها تحقيق ذلك قبل عقد من الزمن، وأن أيّ تحرك جذري بعيدًا عن الصين وسلاسل التوريد الأخرى في آسيا من شأنه أن يؤثّر بشكل كبير لدى المستهلكين الأميركيين؛ لكونه سيؤدي إلى زيادة كبيرة في أسعار هذه المواد، خاصة مع تزايد الطلب المحلي على البطاريات والمركبات الكهربائية التي من المقرر أن تصل مبيعاتها إلى 12.2 مليونًا في عام 2025، حسب بعض المعطيات الموثوقة.

ويبقي الخيار الأفضل للولايات المتحدة الأميركية في الوقت الحالي، هو العمل مع الحلفاء -مثل الاتحاد الأوروبي- لتقليل الاعتماد على اللاعبين المهيمنين -مثل الصين- ومحاولة تأمين مراكز معالجة خارج الحدود يمكنها إنتاج المواد المهمة بكلفة معقولة، وبعيدًا عن تحركات قوى الضغط في مجال البيئة.

*أحمد الطالب محمد - خبير الموارد المعدنية في موريتانيا

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى