أهم المقالاتالمقالاترئيسيةسلايدر الرئيسيةمقالات منوعة

مقال - المعادن الإستراتيجية وصراع أميركا والصين (3/2)

أحمد الطالب محمد*

إن امتلاك الصين احتياطيات هائلة من التربة النادرة (المعادن الإستراتيجية)، إضافة إلى امتلاكها الوسائل التقنية لإنتاجها وفصلها (فصل كل عنصر كيميائي على حدة)، جعل من هذا الأمر سلاحًا تكتيكيًا للقوى العظمى.

ففي سنة 2010، فرضت بكين -لأول مرة- قيودًا على صادراتها إلى اليابان بسبب نزاع إقليمي بالقرب من جزر سينكاكو المتنازع عليها منذ مدة، والتي تطالب بها الصين، وكانت تلك هي الإشارة الأولى لخطورة التحكم في هذه المواد، عندها سارع اليابانيون و المشترون الآخرون فورًا إلى تنويع سلاسل التوريد الخاصة بهم.

بعد ذلك بـ 10 سنوات اتخذت الصين عقوبات تجارية على العديد من البلدان، وأصبح سلاح المعادن الإستراتيجة أو التربة النادرة قائمًا؛ فقد بدأت الولايات المتحدة الأميركية تستعدّ منذ مدة لمواجهة هذا التحدي.

المشكلة الكبيرة هي أن الولايات المتحدة لا يوجد لديها إلّا منجم واحد لإنتاج التربة النادرة، يقع في كاليفورنيا، في حين إن الاستكشاف جارٍ للاحتياطيات المحلية المحتملة في العديد من الولايات.

لكن التقديرات تشير إلى أن الأمر سيستغرق من 10 إلى 15 عامًا لفتح مناجم جديدة، وإنشاء قدرة للمعالجة اللازمة لفطم الولايات المتحدة الأميركية نفسها عن اعتمادها على الصين في التربة النادرة، وهذا حيّز زمني طويل لا يمكن لأميركا انتظاره.

هيمنة الصين معرّضة للخطر

إن هيمنة الصين على تعدين التربة النادرة معرّضة للخطر، ففي الوقت الذي تكاد تحتكر فيه -تمامًا- عملية التكرير والمعالجة -التي تحوّل الخامات إلى مواد جاهزة للمصنّعين-، تتوالى التحركات الأميركية لكسر هذه الهيمنة.

وللعلم، تسيطر الصين على نحو أربعة أخماس قدرة معالجة وفصل التربة النادرة العالمية، وهو ما يحتّم على الولايات المتحدة الأميركية إرسال الخامات المستخرجة إلى الصين، لتفرُّدها بالقدرة على معالجة تلك العناصر وفصلها.

ويعود السبب في قوة الصين في المعالجة والفصل أساسًا إلى درجة تحمّلها التلوث أكثر من الميزة التكنولوجية، وهذا ما يجعل الولايات المتحدة أمام خيارين أحلاهما مر: إمّا الاعتماد على بكين وبعض الدول التي تسمح بعمليات تعدين غير صديقة للبيئة، أو وضع معايير بيئية بعيدة عن المعايير الصارمة والسائدة في الغرب.

أفغانستان المتنفس الأميركي

لمواجهة تحدّي المعادن الإستراتيجة، توجهت أنظار الولايات المتحدة الأميركية نحو أفغانستان، والتي قد يكون أحد أهم أسباب احتلالها من قبل الأميركيين هو ثراؤها المعدني.

تمتلك أفغانستان عناصر من التربة النادرة مثل اللانثانيوم والسيريوم والنيوديميوم، كما تتمتع بمخزون كبير من الليثيوم.

وفي هذا الإطار قد يكون احتلال أميركا لأفغانستان جزءًا من الإستراتيجية لمحاولة تأمين مصادر الليثيوم، وجعلها سلاحًا مضادًا لمقايضته بالتربة النادرة.

لقد حاولت الولايات المتحدة أن توازن معادلتها مع الصين من خلال معدن الليثيوم، عندما أصدرت وزارة الدفاع الأميركية عام 2010 مذكرة تصف أفغانستان يومها بأنها "المملكة العربية السعودية لليثيوم".

لكن لم يكن لذلك كبير تأثير؛ فالليثيوم موجود بوفرة، واحتياطيات الليثيوم، و كذلك تنوّع إنتاجه الجغرافي (من المرجح أن تظل تشيلي وأستراليا أكبر منتجي الليثيوم في العالم في المستقبل المنظور) يُظهر أن تلك الخطة لم تكن موفقة.

ومن خلال مطالعة تقرير هيئة المسح الجيولوجي الأميركية لعام 2021 عن الليثيوم، الذي تُظهر بياناته عدم ذكر أفغانستان بما يتعلق بالليثيوم، أي إنه لم يجرِِ الإبلاغ عن أيّ إنتاج أفغاني، وحتى الاحتياطي لم يذكر، يُظهر ذلك أن الرهان الأميركي لا يمكن أن يوازي قوة الصين فيما يتعلق بالتربة النادرة.

النفط والمعادن في أفغانستان

أمّا الصين، فقد كانت دائمًا على أهبة الاستعداد للتحالف مع أفغانستان، وخير دليل على ذلك هو تصريح متحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية أن بكين مستعدة "لتعاون ودّي مع أفغانستان"، بعد ساعات فقط من اجتياح طالبان لأفغانستان.

كما أعلنت بكين من خلال مبادرة الحزام والطريق، أنها تعتزم توسيع نفوذها الاقتصادي من خلال عدد كبير من استثمارات البنية التحتية، وقد خصصت مبلغ 65 مليار دولار للممر الاقتصادي بين الصين وباكستان بجزء من تريليون دولار من المتوقع أن تستثمره بكين في مشروعات مبادرة الحزام والطريق في جميع أنحاء العالم.

معركة المعادن الإستراتيجية تشتعل على عدّة جبهات

إن المعركة تشتد بين الغريمين (الصين وأميركا) على جميع الأصعدة، بما فيها التجارية والدبلوماسية.

ويجب التنبيه إلى أن بكين كانت لها رؤية أبعد عندما بدأت في وضع حدود إنتاج للتربة النادرة عام 2007، معللة القرار بالحفاظ على ارتفاع الأسعار وتقليل التلوث.

أمّا الولايات المتحدة، فقد أقرّت قانون الأمن المعدني الأميركي في عام 2015، محاولةً بذلك تحديد المعادن الإستراتيجية المهمة وتنويع سلسلة التوريد، وتحتلّ التربة النادرة مركزًا مهمًا في هذه اللائحة.

ومع تحرّك الصين لزيادة حجم خطوط إنتاج السيارات الكهربائية وفرض ضوابط أكثر صرامة على الصادرات، فإنها تعيد توجيهها نحو الطلب المحلي؛ ما يزيد الضغط على الغريم الاقتصادي.

بالنسبة للطرف الآخر، كانت إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب قد أقرّت قيودًا على الشركات الصينية لمنعها استيراد التقنية الأميركية الحساسة، مثل الرقائق الإلكترونية المتطورة، وهو ما قابلته الصين بفرض عقوبات على شركات لوكهيد مارتن وبوينج ورايثيون لبيعها أسلحة لتايوان الجزيرة المتمتعة بالحكم الذاتي التي تدّعي بكين أنها أراضٍ تحت سيادتها.

هذه التوترات هي ما عزّز عزم الولايات المتحدة على فكّ ارتباط سلاسل التوريد للتربة النادرة، خصوصًا بالنسبة لمصنّعي السيارات الأميركية، مثل جنرال موتورز و غيرها.

قلق أميركي

أمّا في مجال الدفاع، فإن البنتاغون لا يُخفي قلقه المتزايد بشأن اعتماد الولايات المتحدة على الصين من التربة النادرة، وهو ما أشار إليه عدّة مسؤولين كبار بالولايات المتحدة، إذ يرون أن لديها "نقطة ضعف حقيقية"؛ لأن الصين تُغرق السوق لتدمير أيّ منافسة في أيّ وقت تكون فيه الدول على وشك البدء في التعدين أو الإنتاج.

وهذا ما حدا بشركات الصناعات الدفاعية إلى البحث عن مورّدين جدد لهذه المعادن، وفي هذا الإطار، جرى توقيع عقد في شهر فبراير/شباط الماضي بين وزارة الدفاع الأميركية وشركة ليناس العملاقة للتعدين، ومقرّها أستراليا -أكبر منتج للتربة النادرة خارج الصين-، لتطوير مصنع للتربة النادرة في الولايات المتحدة.

وستواصل واشنطن -بلا شك- التطلع إلى الحلفاء الرئيسيين وكبريات الدول في التعدين مثل كندا وأستراليا؛ للمساعدة في بناء قدرة أميركا على المعالجة والاستخراج، ومن المحتمل -أيضًا- أن يؤدي السباق لتنويع مصادر المعادن الأخرى المستخدمة في البطاريات القابلة لإعادة الشحن إلى تحويل الولايات المتحدة نظرتها إلى ما يسمى بـ"دول مثلث الليثيوم" في أميركا الجنوبية (الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي).

وقد تتطلع -أيضًا- إلى مناطق أبعد من ذلك، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية ومدغشقر، وكلتاهما تحتوي على احتياطيات كبيرة من الكوبالت.

إن هذا الاتجاه قد تعزَّز فعلًا بعد أن أصدر الرئيس الأميركي، جو بايدن، قبل أشهر، أمرًا تنفيذيًا يدعو فيه إلى إجراء مراجعة كاملة لسلاسل التوريد الإستراتيجية الأميركية، بما في ذلك عناصر التربة النادرة؛ من أجل تحفيز الإنتاج المحلي، وهو ما يثبت أن واشنطن بدأت في التعامل مع هذا الخطر بجدّية أكثر من أيّ وقت مضى.

ويُعدّ الأمر التنفيذي لبايدن أول علامة حقيقية على أن الولايات المتحدة تنوي الانخراط بقوة في التغيير الهيكلي والاستعداد لخوض معركة طويلة وصعبة على هذه الموارد.

ومن شبه المؤكد أن الصين ستظل لاعبا كبيرًا، مع أن هناك فرصة قوية لتلاشي هيمنتها على هذه المعادن، ولكن سيأخذ ذلك وقتًا أطول.

*أحمد الطالب محمد - خبير الموارد المعدنية في موريتانيا

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى