التقاريرتقارير الطاقة المتجددةتقارير منوعةسلايدر الرئيسيةطاقة متجددةمنوعات

تمويل سياسات التغير المناخي يتطلب تريليونات الدولارات.. مَن يدفع التكاليف؟ (تقرير)

محاولات لإقناع المستثمرين بجني العائدات من دافعي الضرائب والمستهلكين

نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • تحوّل الطاقة المقترح يعني استبدال فواتير وقود منخفضة طويلة الأجل بالتكاليف الرأسمالية
  • يُعدّ تحوّل الطاقة المطروح مكلفًا ويتطلب تريليونات الدولارات
  • الحد الأدنى للحفاظ على درجة حرارة الأرض يتطلّب استثمارات تصل إلى 40 تريليون دولار
  • الحكومات تستعد لضخ 12 تريليون دولار لدفع الانتعاش الاقتصادي العالمي

يُعدّ تلازم البُعديْن الاقتصادي والسكاني من أبرز ملامح ظاهرة التغيّر المناخي وتحوّل الطاقة، إذ بذلت الحكومات والأفراد جهودًا مضنية لاستكشاف طرق جديدة لتوليد الكهرباء ودرء المخاطر المختلفة للانبعاثات.

ويُمثّل تمويل مكافحة التغيّر المناخي المستمدّ من مصادر التمويل العامة والخاصة والبديلة، المحلية والدولية، والرامي إلى دعم سياسات الحد من الانبعاثات ومعالجة تبعات التغيّر المناخي، ركيزة أساسية لجميع المشروعات والتشريعات والمبادرات ذات الصلة.

ويتطلّب تحوّل الطاقة -من نمط يعتمد على الوقود الأحفوري التقليدي إلى نمط خالٍ من الانبعاثات- مبالغ طائلة لتغطية تكاليف الابتكار ووسائل الإنتاج والنقل والتوزيع والاستهلاك.

خدمات الطاقة ومنتجاتها

نظرًا إلى ارتفاع النفقات الرأسمالية الأساسية للمنظومات الجديدة للمعدّات الاستهلاكية والنقل والتوزيع والإنتاج والتوليد، يصبح تحوّل الطاقة المطروح مكلفًا ويتطلّب تريليونات الدولارات.

ومن هذا المنطلق يسعى صانعو السياسات إلى إقناع المستثمرين بإمكان استرداد التكاليف وجَنْي عائداتها من دافعي الضرائب والمستهلكين.

وتنتهج معظم الدول سياسات متشابهة لاسترداد تكلفة توفير خدمات ومنتجات الطاقة، التي تشمل محروقات التدفئة والكهرباء والغاز وأنواع وقود المواصلات، التي يدفع المستفيدون والمستخدمون تكلفتها، مثل سائر السلع والخدمات الأخرى.

وينقسم المستخدمون والمستفيدون -الذين يدفعون ثمن منتجات الطاقة وخدماتها- إلى 3 مجموعات، هي:

  • مستهلكو الطاقة الأفراد الذين يملؤون سياراتهم بالوقود ويشغّلون أجهزتهم المنزلية.
  • الشركات ومؤسسات القطاع العام التي تشتري الطاقة لإنتاج السلع وتقديم الخدمات.
  • دافعو الضرائب، سواء كانوا أفرادًا أو هيئات اعتبارية.

ممولو التغير المناخي

من الصعب تقدير القيمة الحقيقية للأضرار الناجمة عن التغيّر المناخي، ويتوقع الخبراء أن الحد الأدنى للحفاظ على درجة حرارة الأرض في نطاق درجتيْن أو أقل يتطلّب استثمارات ما بين 30 تريليونًا و40 تريليون دولار أميركي.

ورغم اختلاف التفاصيل الدقيقة لتكاليف الطاقة بين بلد وآخر، تنفق الأسر الفقيرة النصيب الأكبر من دخلها على خدمات الطاقة الأساسية للطهي والإضاءة والتدفئة والتنقل، ولهذا يصبح استرداد التكلفة عبئًا ثقيلًا على تلك الأسر ما لم تحصل على دعم حكومي.

ويعني تحوّل الطاقة المقترح أن تُستبدل بالتكاليف الرأسمالية الأولية المرتفعة فواتير وقود منخفضة طويلة الأجل، كأن تُستَبدل سيارات تعمل بالبطاريات التي تُشحن بطاقة الرياح بالسيارات الخاصة التي تعمل بالبنزين.

وفي عام 2019 أنفقت الأسر الفقيرة في الولايات المتحدة، وسطيًا، 10-14% من دخلها، بعد الضرائب على الغاز والكهرباء والمحروقات وأنواع وقود الطرق، فيما أنفقت الأسر الغنية 5-6% من دخلها بعد الضرائب على منتجات الطاقة نفسها وخدماتها.

ولهذا تصبح الأسر الفقيرة أقل قدرة على تحمُّل تكاليف رأس المال الأولية، وستتضرر كثيرًا إذا استُردّت التكاليف بالطريقة العادية.

تغير المناخ - نقص المعادن- الأمم التمحدة - سول
صورة ترمز إلى تغيّر المناخ - أرشيفية

تكلفة تغيّر المناخ

يقترح المحللون أن تصبح أسعار السوق قريبة -قدر الإمكان- من التكلفة الحقيقية للإنتاج، إذ يشمل سعر الوقود الأحفوري ضريبة الكربون التي تعكس تكلفة الضرر الناجم عن تغيّر المناخ.

وبحسب وكالة رويترز، يرى محلل أسواق النفط والطاقة، جون كيمب، أن التفاعل بين تحوّل الطاقة وبقية نظام الضرائب والإنفاق أمر بالغ الأهمية، ولا بدّ من تحويل بعض تكاليف تحوّل الطاقة من المستهلكين إلى دافعي الضرائب.

ويشير كيمب إلى أن بعض مؤيدي الحد من الانبعاثات حاولوا تقليل المعارضة السياسية من خلال فصل سياسات تحوّل الطاقة عن تشعبات الضرائب والإنفاق، بما في ذلك أسعار الكربون والضرائب، رغم أن المسألتين مترابطتان.

ويطالب كيمب بأن توضح خطط تحوّل الطاقة الشرائح المجتمعية التي تتحمل التكاليف، خصوصًا عند دراسة أنظمة الطاقة المتقدمة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، وكذلك في الصين والهند، والمستهلكون الآخرون للطاقة سريعة النمو.

ويُعدّ كيمب أن الاقتراض أسهل من زيادة الإيرادات الضريبية، من الناحية السياسية، ولهذا يعده واضعو السياسات خيارًا أكثر جاذبية، لأنه سيؤدي إلى توزيع تكاليف رأس المال بمرور الوقت، وهي الطريقة المعتمدة لتمويل معظم نظام الطاقة الحالي.

ويضيف أن لجوء الأسر والحكومات إلى الاقتراض المرتفع سيجبر المستهلكين أو دافعي الضرائب أو كليهما على تحمُّل مدفوعات أعلى من الدخل في المستقبل.

تسعير الكربون

لأن الافتراضات المتنوعة تعطي قيًما مختلفة، حدّدت الولايات المتحدة -سابقًا- أرقامًا تتراوح بين 21.22 دولارًا أميركيًا و216.42 دولارًا أميركيًا/طن من ثاني أكسيد الكربون لعام 2020، وأن الوقت وحده هو الذي يحدّد دقة هذه الأرقام.

من ناحيتها، تسعى المملكة المتحدة لحفز الاستثمارات اللازمة للوفاء بالتزامات خفض الانبعاثات بالتراجع عن تقدير سعر الكربون من 19.80 دولارًا/طن في 2020 إلى114.57 دولارًا/طن في عام 2030.

وأشارت صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية إلى أن الحكومة الألمانية أطلقت -في بداية العام- نظامًا جديدًا لتسعير الكربون، من شأنه إحداث تغيير جذري في تحديد مَن يدفع تكلفة التلوث في أوروبا.

وقد فرضت ألمانيا -منذ يناير/كانون الثاني- ضريبة فعلية بقيمة 30.39 دولارًا لكل طن من الكربون على البنزين والديزل ووقود التدفئة والغاز، بهدف زيادة تكلفة الطاقة الملوِّثة وتحفيز سبل العيش الملائمة للبيئة.

ويعني هذا الإجراء أن ملايين الألمان سيدفعون مبالغ إضافية في مضخات البنزين وفواتير التدفئة.

انبعاثات الكربون - ضريبة الكربون
انبعاثات صادرة من مدخنة - أرشيفية

ضريبة الكربون

تنطوي إضافة ضريبة الكربون إلى سعر الوقود الأحفوري على بعض المساوئ، لأنها تجعل البضائع المنتجة باستخدام هذا الوقود أكثر تكلفة وأقل قدرة على المنافسة، مقابل البلدان التي لا تفرض ضرائب على الكربون، حسبما أورد موقع "يوتيليتي ويك" البريطاني.

وتترتب نتائج عكسية عن استبدال الإنتاج النظيف نسبيًا في المملكة المتحدة بالواردات المنتجة مع انبعاث المزيد من ثاني أكسيد الكربون، كما يجيز قانون التجارة الدولي في البلاد خصم مدفوعات ضريبة القيمة المضافة عند تصدير المنتجات، وفرض ضريبة مماثلة على الواردات.

وهذا يعني أن المصدّرين في المملكة المتحدة لن يتأثروا إذا ارتفعت ضريبة القيمة المضافة، لأن المقابل سيكون تعديل ضريبة الكربون الحدودية.

ويذكر موقع "يوتيليتي ويك" أن ارتفاع ضريبة الكربون -بالقدر الكافي- سيجعل بعض المنتجات والعمليات منخفضة الكربون قادرة على المنافسة دون مزيد من الدعم، وهذا غير كافٍ لإزالة الكربون العميق بالشكل المنشود.

ويشير الموقع إلى وجوب فرض ضريبة الكربون على الشركات للحصول على إيرادات كثيرة يمكن استخدامها للاستثمار منخفض الكربون.

تمويل التغير المناخي
تمويل سياسات التغير المناخي - صورة تعبيرية

تمويل استثمارات الطاقة

يقول الخبير الاقتصادي الأميركي، ديفيد غرين، إن الحكومات تسعى لاستخدام الحوافز لجذب رأس المال الخاص، إلى جانب استثماراتها، من أجل "حشد" الاستثمار وتوسعته، حسبما نشر موقع "يوتيليتي ويك" البريطاني.

ويضيف غرين أن التعرفات الجمركية والمشتريات المضمونة دعّمت عائدات المستثمرين، وحقّقت نجاحات متميزة من مشروعات مصادر الطاقة المتجددة في أنحاء العالم، وأدى تدفق رأس المال إلى زيادة القدرة الإنتاجية ودعم التحسينات التكنولوجية.

وأدّى هذا إلى انخفاض التكاليف -إلى حد كبير- وأصبح بإمكان الطاقة المتجددة -الآن- التنافس على التكاليف مع محطات الوقود الأحفوري الجديدة في العديد من الأسواق الرئيسة.

دور سلسلة القيمة

يقترح ديفيد غرين التركيز على تحويل سلسلة القيمة من توليد الكهرباء إلى نهاية الاستهلاك، لأن الكهرباء -وحدها- لن تكون مجدية في القطاعات ذات الانبعاثات الكبيرة مثل الصلب والأسمنت والتصنيع، التي تتطلّب حرارة عالية، بالإضافة إلى تغيير العملية.

ويعدّ غرين أن التعرفات الجمركية والمقتنيات المضمونة قد تكون فاعلة بالنسبة إلى أجزاء من سلسلة القيمة كما كانت في مصادر الطاقة المتجددة، ولكن ليس لها كلها.

وتتضمن سلسلة القيمة إنتاج وقود الهيدروجين نفسه، وتفعيل الشبكة الذكية للتعامل مع الأحجام الهائلة والمتقطعة من الكهرباء المتجددة، والبنية التحتية، لتوصيل الهيدروجين إلى نقطة الاستهلاك ضمن قطاعات الاستخدام النهائي المتعددة، بالإضافة إلى الخدمات اللوجستية.

دور الحكومات

تلعب الحكومات دورًا حاسمًا في أولى مراحل البحث والتطوير في قطاع الطاقة، ويتعيّن عليها المسارعة للعب هذا الدور، لأن تطوير التقنيات وبناء النطاق يستغرقان وقتًا طويلًا.

ويمكن للحكومات الترويج لمجموعة واسعة من تقنيات المرحلة المبكرة، ما يفتح شهية الشركات والمصانع للمثابرة والابتكار، كما تستطيع الحكومات تحديد أهداف واضحة من سياسة تبني التقنيات العصرية، وجذب رأس المال الخاص لتوسيع نطاقها، إضافة إلى قبول المستهلك.

وخشية أن تتعرض المراحل التجريبية للإخفاقات، ينبغي على الحكومات المبادرة إلى إعادة ترتيب أولويات الاستثمارات لإظهار الفوائد طويلة الأجل للمستهلكين.

وجدير بالذكر أن الحكومات تستعد لضخ 12 تريليون دولار أميركي، لدفع الانتعاش الاقتصادي العالمي خلال الأشهر الـ18 المقبلة، مع تخصيص نحو 4 تريليونات دولار أميركي للاستثمار في الاقتصاد الأخضر.

الاستثمارات الخاصة

يقول كبير المحللين، رئيس مجلس إدارة مؤسسة "وود ماكنزي"، سايمون فلاورز، إن موجة السياسة والحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات وأسعار الفائدة المنخفضة والتقبل المجتمعي تُمثِّل عناصر جذب لمستثمري القطاع الخاص بأنواعه كافة.

ويتطلّع مستثمرو القطاع الخاص إلى تحقيق أهداف شركاتهم وخدمة مصالحها، كما يسعون للاستثمار في مشروعات التنمية طويلة الأجل وصديقة للبيئة تلتزم بالوصول إلى الحياد الكربوني.

ويمثِّل الاستثمار في التحوّل إلى طاقة الهيدروجين موضع تنافس وتسابق بوصفه إنجازًا متميزًا تجاريًا، كما يدرك المستثمرون الأوائل أن التبني السريع للتكنولوجيا يعود بالأرباح الكبيرة.

وقد تُتاح فرصة الاستثمارات الخارجية إلى أولئك المستثمرين، كما ستنتقل البنوك وصناديق التقاعد والمؤسسات الاستثمارية إلى مختلف مشروعات الطاقة المتجددة، سعيًا لاجتذاب التدفقات النقدية المستقرة.

انبعاثات صادرة عن منطقة نفطية
انبعاثات صادرة عن منطقة نفطية - أرشيفية

إيرادات "خطة تجارة الانبعاثات"

عزا نشطاء البيئة البطء في تحقيق الحياد الكربوني إلى المبالغة في زيادة أسعار الكربون والاعتماد على "خطة تجارة الانبعاثات".

وأعربت منظمات حماية البيئة عن خشيتها من عدم جدوى هذه الخطة في إحداث التغييرات النظامية اللازمة للتخلّص التدريجي من الوقود الأحفوري، وتوسيع إنتاج المركبات الكهربائية وإزالة الكربون من الصناعة الثقيلة.

وتقول مديرة المناخ في مجموعة حملات النقل النظيفة "النقل والبيئة"، صوفي ديفور، إن "الصفقة الخضراء للاتحاد الأوروبي يمكن أن تكون مثالاً للعالم على نمط تحوّل الطاقة السريع والعادل، بشرط استخدام الأدوات المناسبة".

الاعتبارات البيئية

يقول سايمون فلاورز إن الانتقال إلى الهيدروجين يعني التحول من وقود أحفوري (نفط أو فحم) إلى وقود آخر، مثل الغاز، ويروّج قطاع صناعة الغاز للهيدروجين بوصفه "وقودًا انتقاليًا" يلعب دورًا رئيسًا في التحول الأخضر، حسبما نشر موقع "فوربس".

وأظهرت دراسة -أجرتها مؤسسة "إنرجي ووتش"- أن التحوّل من الفحم إلى الغاز يمكن أن يزيد في الواقع من تأثير الاحتباس الحراري بنسبة 40%.

ومن المتوقع أن يتطلّب توسيع نطاق مشروعات الهيدروجين نحو 521.65 مليار دولار بحلول عام 2030، وربما يكون ثلثها من الأموال العامة، وقد تمثّل العودة إلى الوقود الأحفوري جزءًا من التحول "الأخضر".

وتُعدّ بولندا إحدى أكبر الدول التي تتلقى هذه الأموال، رغم اعتمادها على الفحم لتزويد احتياجاتها من الطاقة لعقود قادمة، كما يمكن أن تذهب الأموال إلى الحلول التي يقودها المجتمع لتخليص المنطقة من الوقود الأحفوري.

وعند تفشي وباء كوفيد-19، دعّم البنك المركزي الأوروبي برنامج التسهيل الكمي، إذ اشترى سندات حكومية وسندات شركات تصل قيمتها إلى 2,244 تريليون دولار.

وكان في طليعة المستفيدين من هذا البرنامج كبار مصدري الانبعاثات في أوروبا مثل: إيرباص، وريبسول، وتوتال كابيتال، وبي إم دبليو، وإي أون، وشل.

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى