المقالاترئيسيةمقالات النفطنفط

عرض مختصر لأخطاء مقال "كاربون تراكر" وتوقع انهيار إيرادات أوبك!

المقال كله مبني على سيناريو قالت وكالة الطاقة إنه لن يتحقق!

اقرأ في هذا المقال

  • وسائل الإعلام كانت مُطالبة بالبحث والتمحيص في المزاعم التي ذكرها مقال كاربون
  • مؤلفو تقرير كاربون تراكار افترضوا سيناريو قالت وكالة الطاقة إنه لن يتحقق
  • لايمكن لأسعار النفط أن تنخفض في المدى الطويل إلى أقل من التكلفة الحدية 40 دولارًا للبرميل
  • استخدام سيناريو وكالة الطاقة وتوقعات ريستاد يدل على أن من قاموا بما يسمى "البحث" يريدون الأسهل والأرخص

أصدرت مجموعة كاربون تراكر مقالًا غطته وسائل الإعلام حول العالم بكثافة على أنه دراسة أو تقرير يتنبأ بحدوث كوارث في الدول النفطية. وهذه الكوارث هي حصيلة انخفاض إيراداتها النفطية بنحو 13 تريليون دولار بحلول عام 2040 مع انخفاض صادرات النفط النفط وأسعاره.

لم يقم الإعلام بدوره بالتمحيص، إنما نقل ما ذكر في المقال كما هو، وهذه مأساة بحد ذاتها، خاصة أن عددًا من الصحفيين في وسائل إعلام مرموقة أخبروني بأنهم قد يخسرون وظائفهم إذا أثاروا الشكوك حول جدوى سياسات التغير المناخي الأوروبية، أو تعرضوا للتناقض في سياساتها، لهذا علينا ألا نستغرب عدم إخضاع المقال للبحث والتمحيص.

إلا أن هذا الأمر يعكس -أيضًا- فشل الدول النفطية في التعامل مع الإعلام، ومن الواضح أن أحد الأخطاء التاريخية هو ربط سياسة الدولة النفطية الخارجية بالنفط، مع أن المفروض أن كل الدول النفطية تفصل سياساتها في المجالات المختلفة، وتتفق بينها على الدفاع على مصالحها النفطية، بعض النظر عن خلافاتها الأخرى.

الخداع للنخاع!

ما فهمه الناس من تغطية وسائل الإعلام للمقال، أن هناك دراسة أو تقريرًا على درجة عالية من الثقة تتنبأ بكوارث اقتصادية في الدول النفطية نتيجة انخفاض إيراداتها بمقدار 13 تريليون دولار بحلول عام 2040.

المشكلة أنه ليس هناك دراسة ولا تقرير! كل ما في الأمر أنهم قارنوا "أحد" سيناريوهات وكالة الطاقة الدولية في استشرافها السنوي الأخير بتوقعات لشركة رستاد الاستشارية، وأخذوا الفرق بينهما.

ففي سيناريو الاستدامة في استشراف وكالة الطاقة، اختارت الوكالة سعر 40 دولارًا لاستشراف العرض والطلب بناء على هذا السعر.

هذا السعر -40 دولارًا- هو مجرد اختيار، وليس توقعاً، والاختيار ليس مبنيًا على أي أسس اقتصادية سوى أنهم يعتقدون أنه التكلفة الحدية لإنتاج النفط في العالم، وفي استشراف ريستاد، توقعوا أن يكون متوسط السعر 60 دولارًا للبرميل.

الأحداث التاريخية تؤكد أن الدول النفطية -خاصة الخليجية- أكثر مرونة في التعامل مع الأزمات مما يتوقع الكثيرون، أو يريد لها الأعداء

افترض كتاب تقرير كاربون تراكار، أن التكلفة الحدية -40 دولارًا للبرميل- التي استخدمتها وكالة الطاقة في سيناريو الاستدامة، هي سعر النفط في حالة الاستدامة وانخفاض الطلب على الخام، كما افترضوا أن السعر الذي توقعته شركة ريستاد -60 دولارًا- هو السعر الذي سيسود في حالة عدم الاستدامة.

ثم افترضوا أن الفرق بينهما، 20 دولار للبرميل، هو الانخفاض في واردات الدول النفطية للبرميل الواحد، فإذا تم ضربها بعدد البراميل المصدرة حتى عام 2040، تصبح الخسائر بالترليونات، وبناءً على ذلك استعرضوا البيانات العامة للسكان والاقتصاد واستنتجوا أن هذه الدول ستعاني كثيراً.

المشكلة أن وكالة الطاقة الدولية قالت في الاستشراف نفسه "إن هذا السيناريو لن يتحقق وليس هناك ما يدل على أنه سيتحقق"!.. لماذا تبنّى كتّاب مقال كاربون تراكر هذا السيناريو كأساس لمقالهم رغم أن وكالة الطاقة قالت إنه لاقيمة له لأنه لن يتحقق؟.. ولماذا قام مؤلفو المقال الأوروبيون بالاعتماد على تقرير أوروبي واحد.. واحد فقط، من مؤسسة نرويجية؟.

أكبر أخطاء مقال كاربون تراكر

أكبر خطأ في المقال هو التحيز! إذا كانت وكالة الطاقة الدولية، وهي التي تتزعم فكر التغير المناخي والحياد الكربوني والطاقة المتجددة، والتي أُنشئت أصلًا في عام 1974 لمحاربة النفط، قالت إن هذا السيناريو لن يتحقق، لماذا استخدم موظفو كاربون تراكر هذا السيناريو كأساس في مقالهم إذًا؟.

ومن الأخطاء المقارنة بين سعرين مستقبليين والقول إن الفارق بينهما خسارة، ومن الأخطاء أنهم أخذوا سعر وكالة الطاقة الدولية "المفترض" وقارنوه بسعر شركة ريستاد "المتوقع".

السعر المتوقع يكون مبنيًا على معادلات الطلب والعرض، السعر المفترض هو أي سعر يمكن اختياره عشوائيًا أو بشكل مقصود.

المشكلة هنا أن سبب اختيار وكالة الطاقة الدولية لسعر 40 دولارًا الذي بنت عليه السيناريو، هو أن الطلب على النفط سيخفض أسعاره، لكن لا يمكن لأسعار النفط أن تنخفض في المدى الطويل إلى أقل من التكلفة الحدية، ومن ثم فإن الأسعار لن تقلّ عن التكلفة الحدية التي اختاروا أن تكون 40 دولارًا للبرميل.

هذا يعني أن كتًاب كاربون تراكر قارنوا التكلفة الحدية بتوقع شركة ريستاد للأسعار!

لا يوجد ضمن مؤلفي مقال كاربون تراكر أي متخصص في أسواق النفط أو الاقتصاد الكلي! عدم وجود متخصص أوقعهم في هذا الفخ..

ومن الأخطاء -أيضًا- افتراض أن كل التغييرات التي يتطلبها أنصار البيئة ستحصل، بينما ستقف الدول النفطية مكتوفة الأيدي تتفرج طيلة هذه المدة.. أضف إلى ذلك أنهم تجاهلوا تمامًا التطورات الضخمة في السنوات الأخيرة في عدد من الدول النفطية -خاصة في السعودية والإمارات-.

ومن الأخطاء -كذلك- افتراض أن توقعات شركة استشارية نرويجية صغيرة تمثل الصناعة! إلا أن استخدام سيناريو وكالة الطاقة وتوقعات ريستاد لا يدل على تحيز -فقط-، لكن يدل على أن من قام بما يسمى "البحث" يريدون الأسهل والأرخص؛ لهذا تعاملوا مع ما هو متوافر بسهولة ومجانًا، أو بتكلفة بسيطة جدًا.. سطحية المعلومات والبحث ليست جديدة على هؤلاء، إلا أن أثر التلميع الإعلامي كبير.

سعر النفط والموازنة

أغلب التقرير يركّز على أسعار النفط وموازنات الدول النفطية والاقتصاد الكلي، إلا أنه لا يوجد ضمن المؤلفين أي متخصص في أسواق النفط أو الاقتصاد الكلي! عدم وجود متخصص أوقعهم في فخ بيانات صندوق النقد الدولي التي تركز على سعر النفط اللازم لتحقيق التوزان بين الإيرادات والمصروفات في موازنات الدول المنتجة للنفط.

الخطأ هنا أن سعر النفط اللازم لتوزان الموازنة لا معنى له بالنسبة لأسواق النفط وإيرادات الدول النفطية.. المهم هو سعر النفط المفترض لتمويل الإيرادات، فالعجز في الموازنة ليس أمرًا طبيعيًا فقط، إنما استمر في البلاد النفطية لمدة طويلة، وبعضها لأكثر من 20 عامًا.

تشير البيانات التاريخية إلى أن الدول النفطية -خاصة بلدان الخليج- أكثر مرونة في التعامل مع الأزمات مما يتوقع الكثيرون، أو يريد لها الأعداء، فمع انخفاض أسعار النفط خفضت هذه الدول إنفاقها، وأجّلت -أو أخّرت- المشروعات الضخمة، وسحبت من احتياطيها النقدي، واستدانت من الأسواق المحلية والخارجية.

هذا كله يؤكد فكرة أن مقارنة العجز الذي تعانيه هذه الدول في المستقبل لا يتم عن طريق الاعتماد على سعر النفط الذي يحقق التوزان في الموازنة.

إلا أنه ليس من المستغرب أن يقوم أعداء النفط والدول النفطية بالتركيز على السعر اللازم لتحقيق التوزان في موازنة الدول النفطية، وليس مستغرباً أن يتكلموا عن العجز في موازنات هذه الدول، وعن الأثر السلبي لهذا العجز على اقتصادات الدول النفطية.

المستغرب أن يتجاهلوا تمامًا أن بلادهم تعاني عجزًا في الموازنة وتراكم الديون، ثم يطالبونها بمزيد من الإنفاق على إعانات الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية.. باختصار: يرون أن العجز في موازنات الدول النفطية حرام، بينما هو حلال لدولهم، خاصة أنه يستخدم لتمويل مشروعاتهم!.

وهنا لابد من ذكر معلومة مهمة تفنّد مزاعم كتّاب مقال كاربون تراكر وغيرهم: ليس هناك دليل على وجود قلاقل سياسية كبيرة، أو حروب، أو تغير في الحكومات في الدول النفطية في أوقات انخفاض أسعار النفط.. كل المشكلات التي حصلت -تاريخيًا- حصلت في أوقات الأسعار المرتفعة!.

تنبؤات وكالة الطاقة

تصدر وكالة الطاقة الدولية استشرافًا سنويًا للسنوات العشرين المقبلة، واستشرافها الأخير كان حتى عام 2040، ويتضمن الاستشراف تغطية لكل مصادر الطاقة وما يؤثر بها من عوامل مختلفة.

نفطياً، تقدم الوكالة عدة سيناريوهات، بافتراضات مختلفة، لكنها لا تصدر أي توقعات لأسعار النفط.. من معطيات السيناريوهات افتراض سعر نفط ما، منخفض، متوسط، مرتفع، مثلًا، ثم معرفة التغيرات في الطلب والعرض بناءً على هذا السعر ومعطيات أخرى.

وكما ذكر سابقاً، فإن سيناريو الاستدامة يعتمد على سعر 40 دولارًا للبرميل؛ لأن وكالة الطاقة ارتأت أن الأسعار لن تنخفض في المدى الطويل عن التكلفة الحدية، وافترضت أن التكلفة 40 دولارًا للبرميل.

الأثر السلبي على النفط سيأتي من السيارات الكهربائية.. فالخام لا ينافس مصادر الطاقة المتجددة في الدول الصناعية التي تمثل أغلب الطلب العالمي على النفط

سيناريو الاستدامة مبني على أهداف اتفاقية باريس للمناخ (كوب 21) التي عقدت في 2015، ويهدف الاتفاق إلى منع ارتفاع درجة الحرارة فوق 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، وبما أن أغلب الانبعاثات تأتي من إنتاج الطاقة واستهلاكها، فإن قطاع الطاقة هو المستهدف الرئيسي في التخفيض.

في هذا السيناريو يحاول باحثوا وكالة الطاقة دراسة توازنات مختلفة لمصادر الطاقة حتى يصلوا إلى مزيج الطاقة الذي يعطي النتيجة المطلوبة: ارتفاع درجات حرارة الأرض بمقدار 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية.. هذا يعني الوصول إلى قمة الانبعاثات في أقرب وقت ممكن، ثم انخفاضها المستمر بعد ذلك.

هذا السيناريو يتطلب استثمارات تريليونية على مستوى العالم، وسياسات حكومية صارمة، وتجارب تكنولوجية لم تثبت جدواها بعد.

الغريب أن كتّاب كاربون تراكر تجاهلوا -تمامًا- مقدمة هذا السيناريو، حيث إن وكالة الطاقة بدأت السيناريو بالقول إنه لن يتحقق، وإن "العالم ليس في طريقه لمقابلة متطلبات الطاقة للوصول إلى أهداف التنمية المستدامة".

وأردفت: "بناءً على السياسات الحالية والمعلنة للدول، فإن العالم ليس في طريقه للوصول إلى أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة المتعلقة بالطاقة: الوصول الشامل للطاقة على مستوى العالم، وتخفيض الآثار الصحية لتلوث الهواء، والتعامل مع التغير المناخي".

وفقًا لهذا السيناريو، فإن الطلب العالمي على النفط قد بلغ ذروته وأنه سيستمر بالهبوط، ويبلغ مقدار الانخفاض 30 مليون برميل يوميًا حيث يصل إلى 67 مليون برميل يوميًا في عام 2040، وهي أخر سنة في الاستشراف الحالي.. هذا يعني انخفاض 30 مليون برميل يوميًا خلال 20 سنة فقط!.

لنعُد إلى فرض وكالة الطاقة الدولية 40 دولارًا للبرميل.. بناءً على هذا السعر، فإنه ليس هناك حافز للاستثمار، ومن ثم فإن الإنتاج العالمي ينخفض بمقدار 74 مليون برميل يوميًا إلى 23 مليون برميل يوميًا فقط!.

كان خبراء وكالة الطاقة أذكياء عندما ذكروا في بداية السيناريو أنه لن يتحقق، بافتراض 40 دولارًا للبرميل، فإن النماذج الرياضية المعقدة لوكالة الطاقة الدولية تشير إلى أن الطلب العالمي على النفط سيكون 67 مليون برميل يوميًا بحلول عام 2040، وفي السنة نفسها سيكون الإنتاج 23 مليون برميل فقط! كيف ستتم تغطية الفرق البالغ 44 مليون برميل يوميًا؟.

لو أدرك كتاب كاربون تراكر هذا الفرق، لعرفوا أن عجزًا كهذا كافٍ لأن يرفع أسعار النفط إلى ألوف الدولارات، وأن الدول النفطية ستكون أغنى من قبل، وأن إيراداتها ستتضاعف عدة مرات حتى بإنتاج أقل، وهذا عكس ما قالوه في مقالهم! إنه الافتراء البيئي يا عزيزي!.

ختاماً، مالم يدركه كتاب كاربون تراكر هو أن النفط لا ينافس مصادر الطاقة المتجددة في الدول الصناعية والصين والهند، والتي تمثل أغلب الطلب العالمي على النفط، ومن ثم فإن الأثر السلبي في النفط سيأتي من السيارات الكهربائية.

ولو قاموا بحسبة بسيطة لاستبدال كل السيارات في الاتحاد الأوروبي، وأحلوا محلها سيارات كهربائية، فإن الطلب على النفط سينخفض بحدود 12 مليون برميل يوميًا فقط، بينما سيزيد خارج الاتحاد الأوروبي بنحو 23 مليون برميل يوميًا! هذا يعني أن الطلب على النفط سيزيد، ولن ينخفض.. وأغلب أنصار البيئة المتشددين لم يستطيعوا -حتى الآن- فهم أنه متى تم استبدال كل السيارات، سيتوقف الإحلال!.

  • للتواصل مع الدكتور أنس الحجي (هنا).
  • للتواصل مع منصة الطاقة (هنا)

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى