سلايدر الرئيسيةالمقالاترئيسيةمقالات النفطنفط

مقال - الخفض السعودي أوجد سيناريوهات لم تكن موجودة في أسواق النفط

حامي الصناعة يضطلع بدوره

صبري ناجح*

تعددت السيناريوهات التي ترسم ملامح اتجاه النفط على مدار العام الجاري، ورغم اختلافها في آلية التسعير إلا إنها تتفق جميعها على ارتفاع الأسعار، غير أن أكثر ما وصلت إليه التوقعات كان 65 دولارًا للبرميل خلال يوليو/تموز المقبل.

والمعطيات الحالية في السوق، تدعم بالتأكيد الاتجاه الصعودي للنفط، بيد أن هناك تداعيات أخرى تبنى على المعطيات الحالية، مما يسرّع من ارتفاع أسعار النفط، لتتخطى التوقعات.

وكم من مرة قامت بنوك الاستثمار ومؤسسات دولية بتغيير توقعاتها لأسعار النفط، بناء على التغيرات السريعة في الاقتصاد العالمي وبالتالي أسواق النفط.

وتتحرك شركات التحوط والدول إلى شراء عقود آجلة للتحوط من ارتفاع الأسعار المتوقع، مما سيزيد من الطلب وبالتالي الارتفاعات.

كورونا وأخواتها

بدأت حملات تطعيم في معظم دول العالم بنسب متباينة، لمكافحة جائحة كورونا المستجد كوفيد19، الذي يعقبه عودة الحياة لطبيعتها، فبدلاً من العمل من المنزل الآن، سيضطر ملايين العاملين والموظفين إلى النزول من منازلهم واستخدام المواصلات العامة أو سياراتهم الملاكي، الأمر الذي يزيد من الطلب على البنزين، ما ينعكس على نشاط مصافي التكرير، التي ستقوم بدورها بطلب المزيد من النفط.

لكن ولأنه أول وباء عالمي في الألفية الثانية، فالتعامل معه من حيث إنتاج وتوزيع اللقاح عالميًا يمر بمراحل متعثرة أحيانا ومحبطة أحيانا أخرى، وهذا بالطبع ينعكس بدوره على اتجاه أسعار النفط بشكل يومي. فضلا عن عدم وجود توقيت محدد للتطعيم، وهنا يكسو المشهد الضبابية.

والضبابية تمنع الرؤية على مدار بعيد أو متوسط، وأحيانا على المدى القريب، لكن طالما لم يصطدم النفط بشيء في وقت ذروة عدم الرؤية (في بداية ظهور الفيروس وتفشي المرض)، فهذا يحيلنا إلى من يقود.. وهي السعودية.

السعودية

تطوعت السعودية بتخفيض إنتاجها من النفط بمليون برميل يوميًا خلال شهر فبراير/شباط الجاري ومارس/آذار المقبل.

أصبح هذا الخبر الآن مستاغ لدى البعض، وذلك لكثرة ذكره بعد الإعلان عنه رسميا على هامش أخر اجتماع لأوبك+، في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، رغم أنه يعتبر المؤثر الرئيس في الأسعار منذ الإعلان عنه وحتى أخر العام الجاري.

حتى إن نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك، اعتبر وقتها هذا التخفيض بمثابة هدية العام الجديد من السعودية لأسواق النفط.

ولكي تدرك عزيزي القارئ، أهمية تخفيض مليون برميل يوميًا من السوق، فعليك أن تضيف للسوق حاليًا مليون برميل يوميًا، ومدى تأثير ذلك على الأسعار.

هذه الجملة توضح ماهية قائد أسواق النفط: "الخفض الطوعي لإنتاج النفط بادرة على حسن النوايا من ولي العهد السعودي". التي قالها وقتها وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان والذي أكد أن القرار "ليس قرارًا تقنيًا، إنه قرار سياسي وسيادي".

وارتفعت أسعار النفط وقتها على الفور بنحو 5%، ووصل خام برنت إلى 50.59 دولار للبرميل، كما صعد الخام الأميركي بنحو 4.8% إلى 49.93 دولار للبرميل. يتداول الآن برنت قرب 60 دولارا للبرميل والخام الأميركي فوق 55 دولارا.

ووقتها أيضًا أكد وزير الطاقة السعودي على دعم السوق وصناعة النفط، وقال: "نحن حماة هذه الصناعة".

وحامي هذه الصناعة يضطلع بدوره جيدًا، وهو ما ظهر جليًا في زيادة التعاملات على النفط الخام من بحر الشمال فور الإعلان عن الخفض الطوعي السعودي، إذ شهدت "منصة بلاتس للتداولات"، بيع وشراء سبع شحنات من خام بحر الشمال، وهو قدر غير مسبوق ربما يرجع إلى شح في المعروض من نفط الخليج.

والتداولات اليومية عادة لا تتجاوز شحنة واحدة أو اثنتين بحجم 600 ألف برميل على المنصة.

وبحر الشمال هو معقل معيار "برنت" المؤرخ المستخدم في تسعير صفقات النفط بأنحاء العالم، وهو مؤشر تقدره وكالات تسعير، مثل "بلاتس"، ويقوم جزئياً على تداولات خامات "برنت" و"إكوفيسك" و"أوزبرج" و"فورتيس" و"ترول".

وبالإضافة إلى الخفض الطوعي السعودي، هناك تخفيضات أوبك+ وخطة التعويضات في فبراير/شباط ومارس/آذار المقبلين، لذا فإن إجمالي الخفض سيتجاوز 1.425 مليون برميل يوميًا.

الاقتصاد العالمي

في 26 يناير/كانون الثاني الماضي، رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي في 2021، وتوقع كعدل نمو 5.5%، بما يزيد 0.3 نقطة مئوية عن توقع أكتوبر/تشرين الأول، عازيا ذلك إلى تسارع ٍتغذيه اللقاحات، ومزيد من إجراءات الدعم في الولايات المتحدة واليابان وبعض الاقتصادات الكبيرة الأخرى.

وقال إن الموافقة على عدة لقاحات وشروع بعض الدول في التطعيم خلال ديسمبر كانون الأول يعززان الآمال بانتهاء الجائحة التي أصابت نحو 100 مليون وأودت بحياة أكثر من 2.1 مليون في أنحاء العالم.

لكنه حذر من "ضبابية استثنائية" مازال الاقتصاد العالمي يواجهها، قائلا إن تجدد موجات كوفيد-19 وظهور سلالات جديدة ينطوي على مخاطر، وإن النشاط العالمي سيظل دون توقعات ما قبل كوفيد الصادرة قبل نحو عام.

وعن أكبر اقتصاد في العالم، توقع الصندوق أن ينمو الاقتصاد الأميركي 5.1% في 2021، وهو ما يزيد نقطتين مئويتين على التوقع السابق بفضل استمرار الزخم القوي للنصف الثاني من 2020، ودعم مالي إضافي بقيمة 900 مليار دولار أُقر في ديسمبر/كانون الأول. فضلا عن خطة التحفيز التي اقترحها بايدن بقيمة 1.9 تريليون دولار، والتي قد تضيف -حال إقراراها- 5% إلى الناتج الأميركي على مدار 3 سنوات.

يضاف إلى ذلك توقعات تراجع أسعار الدولار خلال العام الجاري، وانخفاض الدولار من شأنه رفع أسعار النفط، لأنه سيكون رخيصًا بالنسبة لحائزي العملات الأخرى.

الصين

تعد الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأكبر مستهلك عالمي للطاقة، من القوة الدافعة للاقتصاد وأسواق النفط بالتوازي، يتوقع صندوق النقد الدولي لها نموا 8.1% في 2021، بينما كانت توقعات أكتوبر/تشرين الأول 8.2%.

ومعدل نمو اقتصادي يزيد عن 8%، يعني زيادة وتيرة التعافي الاقتصادي وبالتبعية سيؤثر على معظم القطاعات الاقتصادية، مما سينعكس على الطلب على النفط الخام ومشتقاته، الأمر الذي يعيد نشاط مصافي النفط من جديد لمعدلاتها، وأيضاً الطلب على الوقود.

ولأن المعروض في النفط سيكون أقل من الطلب في الأسواق، فمن المتوقع أن تتجه الصين إلى السحب من المخزونات العالمية من النفط، ومن ثم ستتجه المخزونات إلى الانخفاض، وهذا سينعكس بدوره على اتجاه أسواق النفط، وقد يمنع صعود الأسعار.

ووفق تقرير لشركة كبلر للاستشارات فقد شهدت واردات النفط الصينية حالة من الانتعاش خلال شهر يناير/كانون الثاني الماضي، مقارنة بشهر ديسمبر/كانون الأول السابق عليه. ويعني هذا ارتفاع معدلات التشغيل في المصافي الصينية.

غير أن هذه الارتفاعات من الممكن أن تؤخذ إيجابا وسلبا في نفس الوقت، إذ يمكن استنتاج زيادة الطلب الداخلي على المنتجات النفطية في الصين-وهذا غير معلن حتى كتابة هذه السطور- وأيضًا قد يعني أن الصين تزيد مخزوناتها من النفط في الوقت الحالي بعد التكرير.

كانت الصين استرت كميات ضخمة من النفط، قدرها البعض بـ300 مليون برميل، عندما انخفضت الأسعار في العام الماضي. ويتوقع اللجوء إليها للاستخدام المحلي أو بيعها في الأسواق عند ارتفاع الأسعار.

يتزامن هذا مع دخول الصين فصل الشتاء الذي يتراجع فيه الطلب على النفط بنحو مليوني برميل يوميًا.

مخزونات النفط العالمية

بدأت مخزونات النفط العالمية، في التراجع التدريجي، وسط توقعات بتراجعها إلى أقل من متوسط خمس سنوات بحلول يونيو (حزيران) المقبل. وفق تقرير أوبك+.

كانت المخزونات العالمية ارتفعت بشكل ملحوظ في أعقاب انهيار الأسعار خلال مارس/آذار وأبريل/نيسان 2020.

وتتراجع المخزونات العالمية نتيجة تخفيضات الإنتاج التي ينفذها المنتجون والتي نجحت في إعادة التوازن مجددا إلى السوق.

وتتوقع أوبك+ أن تُبقي تخفيضات الإنتاج السوق في حالة عجز على مدار العام الحالي، وأن يرتفع العجز إلى ذروة عند مليوني برميل يوميا في مايو (أيار) المقبل.

وأمام هذا حدد البنك السويسري يو. بي. إس، عجزا في إمدادات النفط بمقدار 1.5 مليون برميل يوميًا خلال عام 2021، بينما توقع البنك الأميركي غولدمان ساكس، عجزا بمقدار 900 ألف برميل يوميًا في النصف الأول للعام الجاري، وبناء عليه فقد تصعد أسعار النفط إلى 63 دولارًا أو 65 دولاراً للبرميل بحلول يوليو (تموز) المقبل، وفق توقعات البنكين على التوالي.

وقال يو بي إس إن "الخطوة الاستباقية للمملكة تشير لنا إلى رغبة في الدفاع عن الأسعار ودعم سوق النفط وسط مخاوف بشأن الطلب بسبب زيادة القيود على التنقل في أوروبا... لكن إذا هبط الطلب إلى حد أقل، ستساعد الخطوة السعودية أيضا في تسريع عملية خفض المخزونات".

مخاطر السيناريو

-عودة إيران لأسواق النفط، في حال رفع العقوبات الأميركية، رغم أن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن أشارت إلى استمرار العقوبات.

-تحور الفيروس: في حال تحور الفيروس وظهور سلالات جديدة فقد تطيل فترة التطعيم العالمي، مما يبطئ من عودة الحياة لطبيعتها مما ينعكس على الطلب على النفط.

-تراجع الطلب على النفط في فصل الشتاء.

-رد فعل أوبك على زيادة الأسعار: قد يتسرع بعض الأعضاء ويقررون عدم الالتزام باتفاق تخفيض إنتاج النفط، الذي يتم تقليصه الآن، وهو ما يخل بالتوازن الحاصل حاليًا.

الخلاصة

تطوع السعودية بخفض مليون برميل يوميًا من النفط، قلب المعادلة في أسواق النفط، وسرّع وتيرة توازن السوق، إلى حد شح الإمدادات، مما يشير إلى عجز 2.3 مليون برميل يوميًا في الربع الرابع من 2020 على خلفية ارتفاع الطلب وتراجع الإمدادات من منتجين خارج مجموعة أوبك+، وفقا لتوقعات بنك الاستثمار الأميركي غولدمان ساكس.

والخطوة السعودية عوضت بالكامل زيادة أوبك الإنتاج 500 ألف برميل يوميًا في يناير/كانون الثاني الماضي.

والانتعاش الاقتصادي العالمي المتوقع قد يعيد الطلب العالمي على النفط بالقرب من مستواه قبل الأزمة عند 100 مليون برميل يوميًا، والتي من المتوقع الوصول إليها خلال عام 2022، في حين توقع أعضاء أوبك+ بأن يبلغ الطلب العالمي على النفط 97.9 مليون برميل يوميًا في ديسمبر/كانون الأول المقبل.

المعطيات السابقة، بالإضافة إلى توقعات صندوق النقد بأن يبلغ نمو اقتصاد الهند 11.5% في 2021، بزيادة 2.7 نقطة مئوية عن تقدير أكتوبر/تشرين الأول، تحيل القارئ العزيز إلى الأخبار التي تلت تفشي الجائحة وتهاوي أسعار النفط، مما أخرج حقول ومصافي عن العمل، وانسحبت شركات من مشروعات للتنقيب عن النفط وتوقف الإنتاج.

هذا يعني بطء عودة الإنتاج المطلوب في حالة عودة انتعاش سريعة للاقتصاد العالمي. لذا فقد نرى 100 دولارًا لبرميل النفط أو بالقرب من هذا المستوى في 2021.

وازنت السعودية سوق النفط بتحييدها مليون برميل يوميًا خلال شهر فبراير/شباط ومارس/آذار، مقابل انتعاش بطيء للاقتصاد العالمي نتيجة تداعيات جائحة فيروس كورونا المستجد، وفي خلفية القرار المخزونات العالمية التي بدأت في التراجع، لكنها مازالت كبيرة في الصين.

*المقال خاص لـ"الطاقة"

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى