التقاريرتقارير الكهرباءسلايدر الرئيسيةعاجلكهرباء

تعثّر إسكوم.. أزمة تهدّد 95% من إمدادات الكهرباء في جنوب أفريقيا

شركة الطاقة الحكومية تعاني من ديون تصل قيمتها إلى 32 مليار دولار

اقرأ في هذا المقال

  • انخفضت مبيعات شركة الطاقة الحكومية بنسبة 4.7% بين عامي 2009 و2019
  • تكافح إسكوم لإصلاح وصيانة منظومتها المتهالكة من محطات الطاقة
  • تواجه الحكومة الفساد المستشري في جميع مستويات الشركة بإجراءات إصلاحية
  • مستهلكو الكهرباء بجنوب أفريقيا ليس أمامهم إلا الاستعداد لتحمل زيادات حادة بالأسعار

"أكبر خطر على اقتصاد جنوب أفريقيا".. هكذا صنّفت مجموعة غولدمان ساكس للخدمات المالية والاستثمارية، شركة إسكوم للطاقة، منذ عام 2017، وهو ما صادق عليه عدد من الوزراء، في حين جاء ردّ رئيس البلاد سيريل رامافوزا، بأن "إسكوم أكبر من أن تفشل".

جاء التصنيف الكارثي في ضوء معاناة الشركة -التي تمتلكها الحكومة، وتوفّر 95% من إمدادات الكهرباء في البلاد- من سلسلة مشكلات مالية وتشغيلية، على رأسها الديون الضخمة.

وتعاني إسكوم من ديون تصل قيمتها إلى 32 مليار دولار أميركي، منها 23.2 مليار دولار تضمّنتها الذمّة المالية للحكومة.

وانخفض حجم مبيعات إسكوم بنسبة 4.7%، بين عامي 2009 و2019، بناءً على البيانات الواردة في التقارير السنوية المتكاملة للشركة، كما ارتفعت تكاليف التشغيل 30%، في 5 سنوات.

وانخفض عامل توفّر الطاقة -التي تنتجها محطّات الشركة- بنحو 20%، على مدى العشرين عامًا الماضية.

إصلاح المنظومة المتهالكة

في هذا الصدد، تكافح إسكوم لإصلاح وصيانة منظومتها المتهالكة والمُهمَلة من محطات الطاقة، ما أدّى لزيادة إجراءات تخفيف الأحمال الكهربية بتلك المحطّات.

وتواجه أيضًا مشكلات بيئية تتمثّل في تجاوز محطّاتها لمستويات الانبعاثات المسموح بها، وأخرى ثقافية ترتبط بالعلاقة بين الشركة والمجالس البلدية.

شعار شركة إسكوم
شعار شركة إسكوم

تبيع الشركة نحو نصف حصّتها من الطاقة لتلك المجالس، والباقي توجّهه للعملاء بشكل مباشر.

وأدّت ثقافة الاعتياد على ارتكاب مخالفات مالية والفساد إلى إلحاق الضرر بالعديد من مجالس البلديات، وهو ما انعكس سلبًا على الشركة.

ففي عام 2019/20، كانت المجالس البلدية مدينة للشركة بما يعادل 71.7% من إجمالي المستحقّ عليها.

ومن جانبٍ آخر، واصل سكّان مدينة سويتو إضرابهم -ضدّ التمييز العنصري- عن دفع فواتير الكهرباء على مدى 25 عامًا.

ورغم اتّباع إسكوم، مؤخّرًا، نهجًا متشدّدًا لتحصيل الديون، إلّا أن إجمالي مستحقّاتها غير المحصّلة، في يونيو/حزيران الماضي، بلغ 2.5 مليار دولار أميركي.

تفشّي الفساد

هناك أيضًا شواهد تشير إلى تفشّي الفساد في جميع مستويات الشركة، الأمر الذي واجهته الحكومة ببعض الخطوات الإصلاحية.

ففي عام 2018، اختارت الحكومة مجلس إدارة جديدًا، كان معنيًا بالقضاء على الفساد في إسكوم بشكل كامل.

أقال المجلس العديد من كبار المسؤولين بالشركة، ويلاحق حاليًا آلاف الموظّفين الذين ثبت تورّطهم في وقائع تضارب المصالح.

ويتعلّق هذا التضارب عادةً بالمواقف التي يُؤْثر فيها الموظّف مصلحته الشخصية على مصلحة الشركة، عبر اتّخاذ قرارات معينة تجاه طرف ثالث.

ومن نماذج هذا الفساد، ذكرت صحيفة صنداي تايمز، أن أحد كبار المسؤولين التنفيذيين في إسكوم انتفع بخدمات الكهرباء مجانًا، منذ عام 2006.

حاز "بارتليت هيو" عدّادًا متّصلًا على نحو غير قانوني بشبكة إمداد الكهرباء بمنزله في مدينة "فوروايز"، وأوقفته إسكوم عن العمل.

وتبيّن أن قيمة فاتورة الكهرباء المستحقّة على موظّف إسكوم تزيد على 16 ألف دولار أميركي، أضافتها الشركة في بند متأخّراته.

وإذا كانت واقعة "هيو" مثيرة للقلق، فإنها تتضاءل مقارنةً بالخسارة الناجمة عن عقود مخالفة أبرمها مسؤولون فاسدون بإسكوم.

عقود مخالفة

تحمل الشركة تاريخًا طويلًا من الفساد والاستيلاء على مقدّرات الدولة، وخضعت العديد من عقود مشترياتها للتحقيق بسبب احتوائها على مخالفات قانونية.

وعبر تلك التحقيقات، اكتشفت إسكوم عددًا من العقود التي أُبرمت في ظلّ ظروف شاذّة/مثيرة للشبهات، بالإضافة إلى أخرى تلقّى أطرافها مبالغ أكبر من المستحقّة على أرض الواقع.

بدأت شركة الكهرباء إجراءات استرداد الأموال التي أنفقتها على هذه العقود. وقد أعلنت في الآونة الأخيرة أنها استردّت 1.56 مليار راند من شركة "إيه بي بي" للتكنولوجيا بجنوب إفريقيا، مقابل تسوية نزاع حول عقود فاسدة.

وأُبرم العقد المتنازع عليه متضمّنًا بنودًا غير قانونية، من خلال وسائل فاسدة للعمل في محطّة توليد الطاقة في كوسيل، وبموجبه تولّت "إيه بي بي" مهمّة إكمال تركيب نظام التحكّم والأدوات للوحدات الستّ بمحطّة الطاقة.

وتمكّنت وحدة التحقيقات الخاصّة من تحديد هويّة كبار المسؤولين السابقين الذين تورّطوا في هذا العقد، إلّا أن تعقّبهم تعذّر، لأنهم تركوا الشركة منذ إبرام العقد.

وعبّر الرئيس التنفيذي لشركة لإسكوم "أندريه دي رويتر" عن ارتياحه، لأن الشركة تمكّنت من استرداد مبلغ 104 ملايين دولار من "إيه بي بي" جنوب إفريقيا، إلّا أن هذا الإنجاز الملحوظ لن يؤثّر في الديون الضخمة المستحقّة لشركة الطاقة.

فالمبلغ الإجمالي الذي دفعته "إيه بي بي" لا يمثّل سوى 0.25% من إجمالي الدين المستحقّ عليها لإسكوم.

خارطة طريق

وإزاء ذلك، عيّن رئيس جنوب أفريقيا "رامافوزا" فريق عمل استشاري بشأن الشركة، وقد أصدر هذا الفريق تقريرًا لم تنشره وسائل الإعلام.

رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزار
رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزار

كما عيّن وزير المؤسّسات العامّة "برافين جوردان" فريق مراجعة فنّية معني بتقديم المشورة بشأن الأعمال التشغيلية لإسكوم، وتسعى الشركة لتنفيذ التوصيات الصادرة عنه.

وأتْبع "جوردان" تلك الخطوة بإعلان "خارطة طريق إسكوم" (2019)، التي أوضح من خلالها خطّته لتجزئة شركة الطاقة الكبرى إلى 3 شركات فرعية، واحدة لتوليد الطاقة، وأخرى للنقل، وثالثة للتوزيع.

وتعدّ تلك الإجراءات هي التطبيق المخفّف للإصلاحات الموصى بها سابقًا، بشأن إدارة سياسة الطاقة، عام 1998، إذ لم تنجح محاولات إسكوم السابقة لتنفيذ تلك الإصلاحات.

وتقول شركة الطاقة المتعثّرة، إنها تحرز تقدّمًا جيّدًا في خارطة الطريق، ولكن ما زال أمامها طريق طويل لاستعادة توفّر الطاقة إلى مستوياتها التاريخية المرتفعة.

الطامّة الكبرى التي تواجهها إسكوم هي إجمالي الدين الذي بلغ 32.3 مليار دولار أميركي، في مارس 2020. وقد عيّنت الحكومة رئيسًا تنفيذيًا لمهمّة إعادة هيكلة هذا الدين، لكنّه لم يحرز أيّ تقدّم يُذكر.

تمكّنت حكومة جنوب أفريقيا من إبقاء إسكوم على قيد الحياة، رغم فقد أغلب مواردها، من خلال ضخّ حزم إنقاذ مالية بلغت قيمتها 12.5 مليار دولار أميركي، على مدى 5 سنوات.

ورغم احتمال زيادة المبلغ في المستقبل، إلّا أنه يغطّي بالكاد فوائد الديون، ولا يكفي لتغطية أصولها.

الحلول الممكنة

يطرح المشهد الحالي 3 خيارات ممكنة لسداد ديون إسكوم، فإمّا أن يتم ذلك بواسطة دافعي الضرائب، أو مستهلكي الكهرباء، أو من خلال الجمع بينهما.

كما كان هناك حديث مسترسل بشأن إمكان الاستعانة بأموال من صندوق التأمين ضدّ البطالة وصندوق تقاعد موظّفي الحكومة لحلّ أزمة الشركة، ولكن لم ينبثق عنه أيّ خطط معلنة.

ويأتي تردّد الحكومة في آلية علاج هذه الأزمة ليزيدها تفاقمًا. وأيًا ما كان القرار الذي ستعتمده، فسيترتّب عليه بالتأكيد تحمّل مستهلكي الكهرباء أو دافعي الضرائب تبعات حلّ المشكلة.

لكن يبدو أن حكومة جنوب أفريقيا عاجزة عن إلزام نفسها باتّخاذ الإجراء اللازم في هذا الصدد، استنادًا إلى رؤية مفادها أن استمرار فرض الأعباء المالية على دافعي الضرائب ليس جيّدًا للاقتصاد.

غير أن الهيئة الوطنية لتنظيم الطاقة -وهي الجهة المسؤولة عن تنظيم أسعار إسكوم- تقول، إن تكلفة خدمات الشركة ليست رشيدة، الأمر الذي يعيد الكرة لملعب دافعي الضرائب.

وإزاء هذا المشهد، فالحكومة ليس أمامها إلّا أن تغيّر موقفها، أو أن تدفع الدولة إلى خندق التخلّف عن سداد مستحقّات إسكوم.

مزيد من زيادة الأسعار

مع تعذّر الاحتمال الثاني، فإن مستهلكي الكهرباء في جنوب أفريقيا ليس أمامهم إلّا أن يستعدّوا لتحمّل المزيد من زيادات الأسعار الحادّة.

وإلى حين استقرار الحكومة على مخرج من أزمة إسكوم، تتواصل ظاهرة انقطاع الكهرباء، نظرًا لاستمرار تخفيف الأحمال على فترات متقطّعة، منذ 12 ديسمبر/كانون الأوّل.

وكانت إسكوم قد أعلنت أنها ستنفّذ المرحلة الثانية من تخفيف الأحمال، بسبب عجز احتياطيات توليد الكهرباء في حالات الطوارئ واحتياطيات انقطاع التيّار المفاجئ.

وإزاء ذلك، يتوقّع العديد من المعنيين بشأن الطاقة حدوث نقص في السعة الإنتاجية لتوليد الكهرباء في جنوب أفريقيا، بين عامي 2021 و2023. كما تتوقّع إسكوم عجزًا قدره 4000 ميغاواط، في عام 2021، في ظلّ افتراض متفائل بأن تعمل الشركة بنسبة 70% من طاقتها.

إجراءات الحكومة

عوامل عدّة تعتمد عليها الحكومة في رؤيتها لحلّ مشكلة الطاقة في جنوب أفريقيا، منها استئناف المشروعات المؤجّلة للطاقة المتجدّدة قريبًا، والتي تمدّ البلاد بطاقة قدرها 2200 ميغاواط.

كما دعت الحكومة شركات إنتاج الطاقة المستقلّة لتوفير إمدادات تبلغ 2000 ميغاواط، بحلول يونيو/حزيران 2022، وهي مهمّة صعبة.

أحد الميادين الرئيسية في جنوب أفريقيا
أحد الميادين الرئيسة في جنوب أفريقيا

واقتربت الحكومة أيضًا من موعد فتح عطاءات توريد 11,813 ميغاواط، من خلال بناء محطّات طاقة جديدة.

وتسمح جنوب أفريقيا للشركات الكبيرة بتوليد الطاقة لتلبية احتياجاتها الخاصّة، وتمنح الشركات الصغيرة إعفاءات ضريبية مقابل تركيب مولّدات بقدرة أقلّ من 1 ميغاواط، مع إلغاء شرط الحصول على ترخيص لهذه المولّدات.

والخيار الأخير قد يكون أسرع إجراءات الحكومة تطبيقًا، خاصّةً إذا أتيح للشركات الصغيرة بيع فائض الطاقة، وإعادة توجيهه إلى الشبكة.

الشركات المستقلّة

في ظلّ هذه الخيارات، يُسمح للعديد من المجالس البلدية التي لا تزال تتمتّع بوضع مالي جيّد بشراء الطاقة من الشركات المستقلّة، لكن قانون الإدارة المالية للبلديات يجعل هذا الأمر صعبًا.

قدّمت الحكومة لجميع الشركات المستقلّة، التي توفّر إمدادات الطاقة للشبكة الوطنية، اتّفاقيات شراء وتعرفة أسعار سخيّة طويلة الأجل (تمتدّ لـ 20 عامًا)، ما يجعل استثمارات تلك الشركات مربحة ومنخفضة المخاطر.

ولكن بعد تأثير جائحة كورونا في الاقتصاد، هل ستظلّ الحكومة قادرة على الاستمرار في تحمّل هذه الالتزامات؟

تشير الدلائل الواقعية إلى أن المصارف لن تقرض شركات الطاقة دون ضمانات حكومية، خاصّةً بعد تجربتها في إقراض إسكوم سابقًا.

ولأن إسكوم في وضع الإفلاس حاليًا، ولا يمكنها الاستثمار بأيّ سعة إنتاجية أخرى، يتعيّن على الشركات المستقلّة تلبية إمدادات الطاقة.

ولكن في ظلّ غياب الضمانات الحكومية الممتدّة لفترة 20 عامًا، فإن تلك الشركات ستكون بحاجة إلى وجود شركة نقل مستقلّة، ووجهة موثوقة تتولّى مسؤولية إدارة السوق.

خارطة طريق إسكوم

لسوء الحظّ، لا توفّر "خارطة طريق" إسكوم ذلك (من المقرّر إطلاقها في مارس/آذار 2022)، إذ يقتصر ما تقدّمه على ما تملكه الشركة من مرافق لا تزال بحاجة إلى تصاريح حكومية.

هل سيكون لدى شركات الطاقة المستقلّة ثقة كافية في شركة النقل التابعة لإسكوم تدفعها لاستثمار المليارات؟ إذا كانت الإجابة: لا، فإن جنوب إفريقيا ستكون معرّضة لفترات من انقطاع الكهرباء، على مدار سنوات قادمة، ما لم تحدث إصلاحات أكثر شمولًا.

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق