المقالاتسلايدر الرئيسيةمقالاتنفط

أنس الحجي يكتب لـ”الطاقة”: قناة السويس تهدّد أكبر شركة نفط في العالم

5 عوامل أسهمت في تفتيت إمبراطورية روكِفِلّر

اقرأ في هذا المقال

  • اكتُشف النفط بكميات تجارية في باكو قبل اكتشافه في أميركا بعدّة سنوات
  • صنعت شركة نوبل أول ناقلة نفط في العالم بالسويد
  • الشركة التي أسّسها ماركوس وأخوه سمّياها "شل" إكراما لأبيهما تاجر الصَدَف
  • مع عبور أول ناقلة نفط لقناة السويس، اكتُشف الخام في جزيرة سومطرة
  • زيادة الطلب على البنزين شكّلت مشكلة كبيرة لمنتجي النفط
  • مشكلات عديدة انتهت بسيطرة رويال دتش على شركة شل بالكامل

سيطرت شركة ستاندرد أويل على صناعة النفط الأميركية والدولية، وبلغت سيطرتها حدودًا غير مسبوقة في التاريخ، الأمر الذي جعل مالكها جون روكفلر أغنى رجل على وجه الأرض وقتها، وأغنى رجل في تاريخ الولايات المتّحدة الأميركية.

ساعد الشركة على ذلك قدرتها الكبيرة في تجزئة السوق، والسيطرة الكاملة على كلّ جزء، فإذا ظهر لها منافس في سوق ما، فإنها تُغرق ذلك السوق فقط بالكيروسين، بحيث تنخفض الأسعار بشكل كبير، دون التأثير على الأسواق الأخرى، الأمر الذي يجبر المنافس على الإفلاس، أو بيع شركته لـ”ستاندرد”.

رغم المال والدعم السياسي، إلّا إن أكبر مهدّد للمحتكر هو الأفكار الجديدة والتكنولوجيا، خاصّةً أنّه لا يسيطر على أيّ منهما، ونظرًا لأن الأفكار الجديدة والتكنولوجيا لعبت دورًا كبيرا في إضعاف احتكار ستاندرد أويل، فإن شركات النفط العالمية -وأغلبها كانت جزءًا من ستاندرد- قامت تاريخيًا بشراء أيّ تكنولوجيا منافسة أو الاستثمار فيها، مهما كانت، وبأيّ سعر، بعد أن تعلّمت درس ستاندرد جيّدًا.

هذه الفكرة مهمّة جدًّا لفهم ما يحدث اليوم: تحوّل شركات النفط العالمية إلى شركات طاقة واستثمارها بمزارع الطاقة الشمسية والرياح ومحطّات شحن السيّارات الكهربائية لا يمثّل تغيّرًا في سلوكها، ولا يمثّل خطوات على التحوّل الطاقي.

ما تقوم به الشركات هو ما قامت به في العقود الماضية، ولا جديد فيه، والواقع أن استثمار شركات النفط العالمية في مزارع الطاقة الشمسية والرياح ومحطّات شحن السيّارات الكهربائية لا يمثّل نصرًا لدعاة البيئة أو تغيّرًا، كما يدّعون، فإذا لم تستثمر هذه الشركات في تلك المشروعات، فستقوم شركات أخرى بذلك، لذا فإن ما قامت به شركات النفط هو طرد الاستثمارات الأخرى من هذه المشروعات.

ومن عجائب القدر أن منافسي ستاندرد، وهما شركتا شل ورويال دتش، دخلتا عالم النفط دون استهدافه أو التخطيط لذلك، وتم دمج الشركتين فيما بعد لتشّكلا ما هو معروف حاليًا على أنّه “شل”..  فماذا حدث؟

موّلت عائلة روثتشايلد المشهورة شركة بَنَت خطّ سكّة حديد لنقل النفط في القوقاز، فأفلست الشركة، وآلت ملكيّتها للعائلة، التي طلبت بدورها من ماركوس صامويل التفكير بطريقة ما لنقل النفط، مع أنّه لا علاقة له بذلك على الإطلاق، فأسّس شركة “شل” لهذا الغرض.

أمّا شركة رويال دتش فتأسّست من قبل مزارع تبغ هولندي، يمارس مهنته في جزيرة سومطرة الإندونيسيّة، بعد اكتشاف النفط بالقرب من مزرعته.

نهاية احتكار روكِفِلّر

أسهمت العديد من العوامل في التخفيف من قوّة احتكار شركة ستاندرد، ثمّ إنهائها، ويمكن اختصارها فيما يلي:

  • وصول النفط الروسي لآسيا عن طريق قناة السويس.
  • اكتشاف النفط في آسيا (إندونيسيا وبروناي).
  • اكتشاف النفط في تكساس، وظهور المنتجون المستقلّون.
  • اكتشاف محرّك الاحتراق الداخلي وتبنّي البنزين وقودًا.
  • تدخّل الحكومة الفدرالية وقرار المحكمة بتقسيم شركة ستاندرد.

التهديد الأوّل.. وصول النفط الروسي لآسيا

بتخطيط مُحكم، سمحت إدارة قناة السويس لحاملة نفط -تعدّ الأولى من نوعها من حيث تخصّصها في نقل النفط بشكل آمن- بالمرور من القناة محمّلة بالكيروسين الروسي في خزّانات ضخمة ببطن السفينة، إلى الأسواق الآسيوية، وذلك في عام 1892.

الكيروسين تملكه شركة عائلة روثتشايلد، والناقلة تملكها عائلة صامويل التي أسّست “شل”، وكانت عائلة روثتشايلد قد مولّت شراء الحكومة البريطانيّة لأسهم في القناة قبل ذلك بفترة.

عائلة روثتشايلد ضغطت على الحكومة البريطانيّة لأنّها المموّل، والتي ضغطت بدورها -كونها مالكة لأسهم في القناة- على إدارة القناة، وإدارة القناة طالبت بدورها بشهادة تضمن أمن وسلامة السفينة من شركة لويد للتأمين المشهورة، ورئيس الشركة التي بَنَت ناقلة النفط عضو في مجلس إدارة لويد!

عودة إلى البداية 

اكتُشف النفط بكمّيات تجارية في باكو، عاصمة أذربيجان، قبل اكتشافه في الولايات المتّحدة بعدّة سنوات، وكانت المنطقة وقتها تابعة لروسيا القيصرية.

كان المنتج الأكبر في باكو عائلة نوبل التي كوّنت ثروة ضخمة من إيرادات النفط وهي نفس عائلة ألفريد نوبل السويدية الذي اخترع الديناميت وكفّر عن خطئه بتأسيس جائزة نوبل

كانت آبار النفط حول باكو أكثر إنتاجية وغزارة من الآبار الأميركية، إلّا إنّه كان من الصعب تسويق منتجاتها بسبب الموقع الجغرافي للمدينة، وإطلالتها على بحر قزوين المغلق، وإيصاله إلى أوروبّا مكلف جدًّا، لأنّه يتطلّب نقله برًّا إلى البحر الأسود، ثمّ بحرًا في البحر الأسود، ثمّ عدّة أنهار، بينها برّ شاسع، حتّى الوصول إلى بحر البلطيق شمالًا، ومنه إلى بريطانيا، أو عبر مضائق مائيّة من البحر الأسود إلى المتوسّط. لهذا لا يمكن منافسة سوق شركة ستاندرد، التي سيطرت على سوق الكيروسين في أوروبّا الغربية.

وكان المنتج الأكبر في باكو عائلة نوبل، التي كوّنت ثروة ضخمة من إيرادات نفط باكو، وهي نفس عائلة ألفريد نوبل السويدية الذي اخترع الديناميت، وكفّر عن خطئه بتأسيس جائزة نوبل.

وكما كانت الحالة في الولايات المتّحدة وأنحاء مختلفة من العالم المتحضّر وقتها، فإن الطلب الأساس كان على مادّة الكيروسين للإضاءة. فتمّ إنشاء مصافٍ لتكرير النفط في باكو، كما تمّ إنتاج الكيروسين، لكن الأسواق محدودة، أغلبها في روسيا.

المشكلة أن الإنتاج كان أكبر بكثير من الطلب في روسيا، فقام بعض المستثمرين، وبتمويل من عائلة روثتشايلد، ببناء سكّة حديد لنقل النفط من بحر قزوين إلى البحر الأسود، بين مدينتي باكو في أذربيجان وباتومي في جورجيا بالقرب من الحدود التركيّة. وأصبح بالإمكان نقل الكيروسين بالسفن عبر عدّة مضائق مائيّة إلى البحر المتوسّط، ومنه إلى الموانئ الأوروبّية، أو عبر البحر الأسود إلى الموانئ الرومانية. وكلتا المدينتين، وكلّ المنطقة التي بُني فيها خطّ القطار، كانت جزءًا من روسيا القيصرية وقتها.

الأمر يبدو بسيطًا حسب الوصف أعلاه، إلّا أنّه كان أعقد من ذلك بكثير، فناقلات النفط كما نعرفها اليوم لم تكن موجودة، وكان الكيروسين يعلّب في علب صفيح، ثمّ تغلّف، ثم تشحن، فكانت التكلفة عالية جدًا، وتتطلّب عمالة ضخمة.

صنعت شركة نوبل أوّل ناقلة نفط في العالم في السويد، وتمّ ملء خزّانيها الكبيرين بالكيروسين، ووصلت إلى لندن، إلّا أن هذه الناقلة كانت مخيفة جدًا، لأنّها محمّلة بمادة سريعة الاشتعال، ويمكن أن تنفجر، وتسبّب دمارًا كبيرًا.

كما عانت من مشكلات عدّة، أهمّها: أن المادّة السائلة في داخلها كانت تتمايل مع الأمواج، وتهدّد السفينة بالانقلاب على أحد جانبيها، بالإضافة إلى مشكلات أخرى تتعلّق بالأبخرة الصادرة من الكيروسين.

ونظرًا لأن خطر انفجارها كان كبيرًا، فقد وصلت أخبارها، ومثيلاتها، إلى أصقاع العالم، وكانت قناة السويس قد افتُتحت، فقرّرت إدارة القناة منع هذه السفن من العبور.

وجنّ جنون مسؤولي شركة ستاندرد عندما سمعوا خبر وصول السفينة إلى لندن، فشنّوا حرب أسعار شعواء على عائلتي نوبل وروثتشايلد، أثّرت سلبًا في كلّ منتجي النفط الروسي. ونتج عن ذلك خضوع عائلة روثتشايلد لشروط روكفلّر، والقبول بحصّة معيّنة تُسوّق في أوروبّا.

كانت الكمّية أصغر بكثير من كمّية النفط التي تتراكم في ميناء باتومي، ومن ثمّ بدأت عائلة روثتشايلد بالبحث عن طريقة لتسويق النفط في آسيا، وهذا يتطلّب التواصل مع تجّار أوروبّيين لهم خبرة في الأسواق الآسيوية.

توصّلت العائلة إلى ماركوس صامويل، الذي كان تاجرًا محنّكًا، وله علاقات تجارية في عدّة دول آسيوية. وبعد اطّلاعه بشكل مباشر على ما يحصل في ميناء باتومي، بدأ يفكّر بالحلّ.

ماركوس، وأخوه سام، ورثا تجارة والدهما في الصدَف الذي كان يُستخدم كثيرًا بالديكور والتزيين، ثمّ تطوّرت تجارته وكبرت. من هذه الخلفية، بدأ ماركوس يفكّر في طريقة لشحن الكيروسين بشكل أرخص، فقد أيقن أن شحنه في خزّانات ضخمة سيخفض التكاليف بشكل كبير، ولكن لا يمكن مقارعة شركة ستاندرد.

كانت قناة السويس لا تسمح بمرور ناقلات النفط بسبب خطرها والخوف من اشتعال

أدرك ماركوس أن الحلّ في التخلّص من منافسة ستاندرد هو تصدير النفط الروسي إلى آسيا، ولكن هذا يتطلّب أمرين، الأوّل: بناء سفن مخصّصة لحمل النفط، وبكمّيات كبيرة، بدلًا من علب الصفيح، والثاني: مرور السفينة من قناة السويس، لأن ذلك سيخفّف من مسافة السفر حول أفريقيا مرورًا برأس الرجاء الصالح، حيث إن المرور بقناة السويس يوفّر نحو ثلث المسافة إلى أسيا. إذا تحقّق هذان الشرطان، فإنّهما يخفضان التكاليف بشكل كبير، ومن ثمّ يمكن منافسة ستاندرد، ودون أيّ تخوّف منها.

إلّا إن قناة السويس لا تسمح بمرور ناقلات النفط التي بُنيت في ذلك الوقت، بسبب خطرها، والخوف من اشتعال أو انفجار الكيروسين -كما ذُكر سابقًا- الحلّ إذن هو بناء سفينة تستطيع حمل الكيروسين ونقله بشكل آمن، ثمّ إقناع إدارة القناة بذلك.

هذا ما حدث.. تمّ بناء سفينة بمقاييس جديدة، ثمّ جرت محاولة إقناع إدارة القناة بها، وعندما رفضت، رجع ماركوس إلى عائلة روثتشايلد التي موّلت شراء الحكومة البريطانيّة لأسهم في القناة، والتي ضغطت بدورها على إدارة القناة.

وافقت الإدارة على مضض، لكن وضعت شرطًا صعبًا، وهو موافقة شركة لويد للتأمين، عندئذٍ لجأ ماركوس إلى صاحب الشركة التي بَنَت السفينة، والذي كان عضوًا في مجلس إدارة لويد!  من يستطيع أن يقول له: إن سفينتك غير آمنة؟.

وافقت شركة لويد، فردّت إدارة القناة بأنّها تحاول دراسة الأمر، ووضع شروط للسفن المحمّلة بالنفط. وبطريقة ما، وُضعت لائحة شروط، اكتُشف فيما بعد أنّها مأخوذة من كتيّب معلومات السفينة التي بناها ماركوس! بعبارة أخرى: إن حاملة النفط الوحيدة التي يمكنها عبور القناة هي سفينة ماركوس فقط، بينما لا يمكن لمنافسيه ذلك. قام ماركوس ببناء عدّة سفن مماثلة، ولم يعبر القناة إلّا حاملاته النفطية!  ومن ثمّ وضع ماركوس شركة ستاندرد في الزاوية!

الشركة التي أسّسها ماركوس وأخوه سمّياها “شل” إكراما لأبيهما تاجر الصَدَف، و “شل” تعني بالعربية “الصَّدَفة”. وسُمّيت كلّ ناقلات نفط شركة شل بأسماء أنواع مختلفة من الصدف، فقد سمّيت الناقلة الأولى مورَكس، وهو نوع مشهور من الصدف.

ووصل الكيروسين إلى آسيا بأسعار منافسة، ولم تستطع ستاندرد الوقوف في وجهه، ثمّ تمكّن فيما بعد من الحصول على امتياز بالتنقيب عن النفط في بروناي، واكتشف النفط، ووجد مصدرًا أخر بعيدًا عن سيطرة ستاندرد، وبعيدًا عن روسيا.

التهديد الثاني.. اكتشاف النفط في آسيا

في الوقت الذي عبرت فيه أوّل ناقلة نفط لقناة السويس، اكتُشف النفط بجزيرة سومطرة -إندونيسيا الآن- من قبل مزارع تبغ هولندي.

أقنع هذا المزارع المستثمرين وأحد المصارف الرئيسة بتمويله، واستطاع صاحب المصرف إقناع ملك هولندا وقتها بالفكرة، فأسبغ على الشركة صفة “المَلَكية”، لتصبح “شركة النفط الهولندية الملكية”.

لم يكن تهديد رويال دتش لأسواق شركة ستاندرد من ناحية الكمّية فقط، لكنّه جاء من ناحيتين لا تستطيع ستاندرد أن تفعل شيئًا حيالهما: قدّمت رويال دتش نوعية أفضل من الكيروسين وبسعر منافس، كون تكاليف نقله إلى الأسواق الآسيوية أقلّ من تكاليف النقل من الولايات المتّحدة إلى آسيا، ومن ثمّ يمكن أن يباع بأسعار أقلّ، ويحقّق أرباحًا أكثر.

بعبارة أخرى، لا تستطيع ستاندرد أن تشنّ حرب أسعار كما فعلت في الماضي، بسبب انخفاض تكاليف إنتاج الكيروسين في إندونيسيا، وتميّز نوعيّته.

اندماج شل ورويال دتش

رغم الصعوبات الكبيرة التي عانت منها شركة رويال دتش، إلّا أن اعتمادها على طرق جيولوجية جديدة غير شائعة وقتها، مكّنها من اكتشافات جديدة، ورفَعها إلى مصافّ الشركات الكبيرة، وأدركت قيادتها فيما بعد أن كون الشركة في آسيا فإن التهديد الآن ليس شركة ستاندرد، وإنّما شركة شل، ومن ثمّ، فلابد من التنافس بينهما، فشنّت الشركة حرب أسعار على شل، وانتهت حرب الأسعار باندماج رويال دتش وشل، إلّا أن هناك درسًا مهمًا من عملية الاندماج تعلّمته قيادة الشركتين من روكِفِلّر: الكتمان!

فخلال مفاوضات شل مع رويال دتش، قرّر ماركوس صامويل، مؤسّس شركة شل النفطية، الذهاب إلى نيويورك، في محاولة للاتّفاق مع شركة ستاندرد.

أشكال لوغو قديمة لشركة شل

لم يأبه به مسؤولو ستاندرد، ورجع خالي الوفاض، إلّا أنّهم عرضوا عليه أن يعمل لحسابهم، ضمن اتّفاق معيّن، وأعطوه عرضًا، عدّهُ بعض المؤرّخين مُهينًا، وطلبوا منه دراسته، والردّ عليهم، لكن الانطباع لدى مسؤولي شركة دتش شل أن ماركوس يحاول الاتّفاق مع ستاندرد ضدّ رويال دتش، وهذا الاتّفاق يعني -في النهاية- حرب أسعار تُفلس شركة رويال دتش.

وعرف ماركوس هذا الانطباع، ولم يخبرهم بالحقيقة للضغط عليهم، وبالفعل، رضي مسؤولو رويال داتش بكلّ شروط شل للتعاون. وقبل التوقيع النهائي، أراد ماركوس الانتقام من شركة ستاندرد، فأرسل لهم رسالة تلغراف يرمي بعرضهم عرض الحائط، وأصبح هذا التلغراف خبرًا في الصحف، وعرفت قيادة رويال دتش بالموضوع، وانقلب السحر على الساحر، وأصبح موقف شل هو الأضعف في المفاوضات.

وكان السبب الرئيس لموافقة شركة شل على الاندماج مع رويال دتش، هو رغبة ماركوس في التخلّص من الاعتماد على النفط الروسي من جهة، والاعتماد على عائلة روثتشايلد من جهة أخرى، لهذا حصلت الشركة على امتياز التنقيب في بروناي، وكما سنرى لاحقًا، وقّعت تحالفًا مع شركة أميركية لشحن النفط الأميركي. شيئًا فشيئًا، بدأت حصّة ستاندرد تتقلّص، وبدأت قوّتها السوقيّة تتلاشى.

التهديد الثالث.. اكتشاف محرّك الاحتراق الداخلي، وتبنّي البنزين وقودًا

مع انطلاق تسويق محرّك “بنز” للسيّارات، الذي يعمل في البنزين، عام 1888، بدأت صناعة النفط العالمية تتّخذ منحى جديدًا غيّر مسار الصناعة للأبد، فمع انتشار محرّكات البنزين، وانحسار المحرّكات البخارية، وتعدّد اختراعات المحرّكات وتحسينها، بدأ الطلب على البنزين بشكل متسارع وبقفزات كبيرة.

وكما ذُكِر سابقًا بأن الطلب على النفط كان مقتصرًا على الكيروسين، والذي كان يمثّل نحو 40% إلى 60% من برميل النفط، بينما يجري التخلّص من الموادّ الباقية، برميها في الأنهار والأراضي الخالية، وكان البنزين مادّة مزعجة جدًا للمصافي، مع تزايد مبيعات السيّارات، أصبح للبنزين سعر، وأصبح يشكّل موردًا إضافيًا لأصحاب المصافي.

هذه الإيرادات الإضافية أعطت دعمًا للشركات المختلفة، وقوّة ماليّة، مكّنتها من الوقوف في وجه “ستاندرد”، وأسهمت في إضعاف قبضة (روكِفِلّر) على الأسواق.

وكلّما زاد الطلب على البنزين، وتعدّدت أسواقه حول العالم، انتعشت الشركات المنافسة لـ(ستاندرد) أكثر.. من هنا نجد أن التكنولوجيا أسهمت في تحجيم قوّة (روكفلر).

مع انطلاق تسويق محرّك “بنز” للسيّارات الذي يعمل في البنزين عام 1888 بدأت صناعة النفط العالمية تأخذ منحى جديد غيّر مسار الصناعة للأبد

إلّا أن زيادة الطلب على البنزين شكّلت مشكلة كبيرة لمنتجي النفط: بعض نوعيات النفط الخام مناسبة لإنتاج البنزين، وبعضها غير مناسب، وهذه المشكلة سبّبت سباقًا محمومًا بين الشركات، للسيطرة على احتياطيات النفط التي يمكن أن تنتج البنزين بكثرة، كما سنرى أدناه عند الحديث عن اكتشاف النفط في تكساس، وسنرى لاحقًا عندما سيطرت الشركات على منابع النفط في أميركا اللاتينية والشرق الأوسط.

ولعلّ أهمّ ما ساعد على انتشار سيّارات البنزين، في أواخر القرن التاسع عشر، على حساب السيّارات البخارية، هو فوزها في سباق السيّارات في (فرنسا)، نتيجة كون محرّك البنزين أكثر قوّة وعملية من المحرّك البخاري، حيث تطلّب المحرّك البخاري وجود شخص مع السائق، لتلقيم الوقود للمحرّك.

الدرس الأساس من هذه التجربة له علاقة بما يحدث في أسواق السيّارات اليوم: البشرية تتحرّك تجاه الوقود الأصغر حجمًا، والأكثر كثافة، والأسرع، والأخفّ، والأرخص.  هذا الدرس مهمّ جدًا في تقويم مصادر الوقود المختلفة، وبالذات وقود السيّارات.  وهذه المعايير توضّح أن الخيار الكهربائي ليس الخيار الأمثل حاليًا.

خلاصة الأمر أنّ تحوُّل البنزين من مادّة مزعجة إلى مادة قيّمة أعطى الشركات المنافسة لستاندرد قوّة ماليّة أسهمت في صمودها.

التهديد الرابع.. اكتشاف النفط في تكساس وظهور المنتجين المستقلّين

مع اكتشاف محرّك الاحتراق الداخلي، وزيادة الطلب على البنزين، ظهرت أسواق جديدة للبنزين الذي لم يكن له سوق سابقًا، ولكنّه شكّل مشكلة لبعض شركات النفط، فـ”شل” تعتمد على النفط الخام القادم من روسيا، وعلى النفط الخام الذي اكتشفته في بروناي.

النفط الروسي وقتها كان مناسبًا لإنتاج الكيروسين، ولكنّه لم يكن مناسبًا لإنتاج البنزين. الأمر الذي جعل شل تركّز على نفط بروناي الذي يُنتج كمّيات وفيرة من البنزين بعد تكريره، إلّا أن الطلب العالمي على البنزين تجاوز كمّية المعروض، وكان لا بدّ من البحث عن منابع نفط أخرى.

من هذا المنطلق، كان اكتشاف النفط في شرق تكساس مهمًّا جدًّا لصناعة النفط العالمية، ولشركة شل بالذات.

اكتشاف النفط في شرق تكساس غيَّر معالم صناعة النفط، وسبب هذا التغيير ليس حجم الاكتشاف فقط، بل لأن من قام به منتجون أفراد، مستقلّون، بعيدًا عن سيطرة الشركات الكبيرة، وبعيدًا عن سيطرة روكِفِلّر وشركته ستاندرد. وقصّة اكتشاف النفط في شرق تكساس تؤكّد أهمّية المعرفة والخبرة، كما سنرى فيما بعد.

اكتشاف حقل سبيندل توب

يتّضح من سيرة باتيلو هيغنز، أنّه يتميّز بطموح وإصرار عجيبين، فقد كان مبتور اليد، لكنّه كان يصرّ على العمل، حالمًا بثروة كبيرة، سواء في قطع الأشجار، أو صناعة الطابوق، في مدينة بيمونت، في شرق تكساس.

المشكلة التي عانى منها في صناعة الطابوق، أنّه يتطلّب التسخين حتّى يصبح صلبًا، وتسخينه يتطلّب طاقة، وتكاليف الطاقة كانت مرتفعة،  فكان دائم البحث عن طريقة لتخفيض تكاليف التسخين، فذهب إلى بنسلفانيا في محاولة لبحث ما إذا كان النفط بديلًا مناسبًا له.

خلال تنقّله في بنسلفانيا، بدأ يلاحظ أن أماكن الآبار -التي هُجرتْ في ذلك الوقت- موجودة في مناطق محدّدة، وكلّها شبيهة بمكان قريب من بيمونت، يُعرف بأنّه سبخة تتوسّطها هضبة تعرف باسم سبيندل توب.

اقتنع باتيلو بوجود النفط تحتها، خاصّةً أن هناك رائحة كريهة تصدر عنها، هي رائحة الكبريت، وفقاعات غازيّة تصدر من السبخة من حين لآخر، والتي كانت فقاعات الغاز الطبيعي متسرّبًا من باطن الأرض.

أقنع باتيلو بعض المستثمرين، فاشترى نصف الأرض حول الهضبة، وبدأت عمليات الحفر، ولم يجدوا شيئًا، واقتنع أن عليه أن يحفر أعمق ممّا وصلوا إليه، ولكن وصلوا إلى طبقة رملية جعلت الحفر إلى مستويات أعمق أشبه بالمستحيل حسب تكنولوجيا ذلك العصر.

كانت الأبقار لها دور كبير في المساعدة على اكتشاف كمّية كبيرة من الغاز الطبيعي في بئر كان يساوي نصف إنتاج الولايات المتّحدة كلّها في ذلك الوقت

ولمّا شارف على الإفلاس، كتب إعلانًا في إحدى الجرائد، يشرح فيه ما حصل، فاتّصل به أنثوني لوكاس من لويزيانا، وعُقدَت شراكة بينهما، وفشل لوكاس أيضًا، لكنّه كان أحسن حظًّا من باتيلو، إذ التقى بمستثمرَيْنِ من بنسلفانيا، كانا قد نجحا سابقًا في مجال النفط.

تمكّن هذان المستثمران من الحصول على تمويل كبير من بنك ميلون، التابع لعائلة ميلون المشهورة، وقاما- مع لوكاس- بتأسيس شركة سمّوها جي أم جوفي بتروليوم، نسبة لاسم أحد الشريكين، ولم يكن باتيلو شريكًا فيها، لأنّه لم يكن لديه أيّ شيء يقدّمه.

توظّف أخوان من عائلة هاميل لحفر المزيد من الآبار في هضبة سبيندل توب، وكان مصير البئر نفس مصير سابقيها، حيث وصلوا إلى طبقة رملية أوقفتهم عن الحفر.. هذه الطبقة الرملية تجعل جوانب البئر تنهار، وتؤدّي إلى استمرار الرمال بالتدفّق، ومهما حاولوا، فإنّهم لم يستطيعوا تعميق البئر.

هنا يأتي دور الخبرة! عندما تمّ الحفر سابقًا في منطقة كورسيكانا، جنوب شرق مدينة دالاس، واجه العاملون المشكلة نفسها، ولكن صبّ الماء المستمرّ لإجبار التراب على الارتفاع إلى الأعلى، و الخروج من فوّهة البئر، جعل الطين يوقف تدفّق الرمل، ولكن، من أين يأتون بالطين؟.

دور البقر

لنتذكّر الآن: المكان عبارة عن سبخة تتوسّطها هضبة، وهم يحفرون في الهضبة، وتحيط بها مزارع، بعضها مزارع أبقار..  قام أحد الأخوين بالمشي في اتّجاه إحدى مزارع البقر، وطلب من المُزارع أن يعيره بقراته، وقادها إلى السبخة.

دخلت الأبقار في السبخة، ومرحت فيها كما شاءت، وحوّلتها من بحيرة ماء إلى بحيرة طين. بعدها أرجع الأبقار لصاحبها، ثمّ بدأ العاملون بضخّ الطين في البئر، الأمر الذي شكّل جدارًا داخل البئر، ومنع الرمال من التدفّق للبئر، فأكملوا الحفر.

وفجأة انفجرت البئر، وطارت أدوات الحفر، وكلّ ما في البئر من طين وأحجار وتراب، في الهواء، ثمّ انبعثت –بقوّة- كمّية ضحمة من الغاز الطبيعي، تلاها تدفّق النفط الذي شكّل عمودًا في الهواء، يتجاوز 100 متر، وانهارت الحفّارة.

إنتاج هذه البئر، لم يتجاوز التوقّعات فقط، بل تجاوز حتّى الأحلام، بإنتاجها نحو 100 ألف برميل يوميًا. لمعرفة أهمّية هذا الاكتشاف تاريخيًا، فإنّ إنتاج هذه البئر وحدها كان يساوي نصف إنتاج الولايات المتّحدة كلّها في ذلك الوقت!

إن أهمّية اكتشاف النفط في “سبيندل توب” تكمن في أن تهديد المنتجين المستقلّين لهيمنة شركات النفط الكبيرة تهديد حقيقي، وأدّى في النهاية إلى تحطيم سيطرة هذه الشركات، ليس في الولايات المتّحدة فقط، ولكن حول العالم.

وكما سنرى فيما بعد، فإنّ توسّع المنتجين المستقلّين في الإنتاج، هو الذي مكّن الدول النفطية من الوقوف في وجه سيطرة شركات النفط العالمية. لهذا يمكن القول: إن النقطة التي وُلدت منها أوبك، جاءت يوم اكتشاف النفط في سبيندل توب.

هذه الاكتشافات هي التي أعطت القوّة للمنتجين المستقلّين، وهي في النهاية، سبب ثورة الصخري الأميركية منذ نحو 15 سنة، وهي التي جعلت الولايات المتّحدة أكبر منتج للنفط في العالم، تمامًا كما كانت في الماضي.

بداية تدفّق النفط من البئر الأولى في سبيندل توب

هنا لابدّ من ذكر مفارقة تاريخية.. كان إنتاج النفط الأميركي قبل اكتشاف بئر سبيندل توب في انخفاض مستمرّ، وكان يُتوقّع نهايته بعد سنوات، لكن اكتشاف النفط في شرق تكساس غيَّر كلّ شيء.

وكان إنتاج النفط الأميركي في انخفاض مستمرّ منذ السبعينات، وبدأت الحكومة حينها تستعدّ لزيادة اعتمادها على واردات النفط، حتّى جاءت ثورة النفط الصخري، وتغيّر بعدها كلّ شيء!

الآن، لنعود إلى البداية.. إلى هيغنز، صاحب اليد المبتورة الذي أفلس.. لقد كان اختياره للمكان صحيحًا تمامًا، ولكن عدم الخبرة بالتعامل مع الرمال في البئر هو ما أدّى إلى خسارته. و لنتذكّر أنّه اشترى نصف الأرض حول الهضبة، ومازال يملك جزءًا كبيرًا من تلك الأرض.

مع اكتشاف أكبر حقل في تاريخ الولايات المتّحدة، حتّى ذلك الوقت، في وسط أرضه، أصبح تراب أرضه ذهبًا! فقام بتقطيع أرضه قطعًا صغيرة، بالكاد تكفي لوضع حفّارة فيها، وباع كلّ قطعة بـ5 آلاف دولار (في حدود 165 ألف دولار اليوم)، وخلال وقت قصير، تحوّلت المنطقة إلى غابة من حفّارات النفط، وتحوّلت المنطقة إلى مدينة لا تنام، تعجّ بآلاف الناس على مدار الساعة.

هذا المناخ الهستيري جذب كلّ من يحلم بالغنى من كلّ أطراف الولايات المتّحدة، وأصبحت عمليات النصب قصص كلّ يوم في المنطقة، وتلك القصص تحوّلت إلى ما يشبه قصص ألف ليلة وليلة.

تم تقطيع الأرض إلى قطع صغيرة وبيعها للمستثمرين

وازداد إنتاج النفط بشكل كبير، وانهارت الأسعار، ما أسهم فيما بعد بتدخّل الحرس الوطني لترشيد الإنتاج. ولكن المهمّ في قصّة آبار شرق تكساس ما يلي:

ازدياد الطلب على البنزين، مع عدم قدرة شركة شل على مقابلة الطلب من حقولها في بروناي، وعدم مناسبة النفط الروسي في باكو لإنتاج كمّيات كافية من البنزين، وفي محاولة لكسر احتكار شركة ستاندرد أويل، قامت شركة شل بتوقيع عقد مع شركة جي أم جوفي بتروليوم التي اكتشفت حقل سبيندل توب لتوريد النفط لشركة شل، خاصّةً أن النفط المُنتج مناسب جدًّا للحصول على البنزين.

كان هذا العقد “ضربة معلّم” كما يقول المثل، من قبل صامويل مؤسّس شركة شل، وسمّي الاتّفاق “اتّفاقية القرن”، لأهمّيته.

وفي بداية القرن الـ20، كانت شركة شل تسيطر على 70% من كمّيات النفط المشحونة بحريًا، وكانت ناقلاتها هي الوحيدة التي يُسمح لها بالمرور من قناة السويس.. هذه التطوّرات، أضعفت قبضة ستاندرد على الصناعة، ووضعت شل في موقع قوي في مفاوضاتها في شركة رويال دتش قبل الاندماج.

التهديد الخامس.. تدخّل الحكومة الفدرالية والحكم بتفتيت إمبراطورية روكِفِلّر

بدأت شل تعاني من مشكلات عدّة، منها انخفاض إنتاج النفط في شرق تكساس وبروناي، وتأزّم وضعها المالي بشكل خطير بعد حريق مدينة باكو الشهير، في 1905، بسبب إضراب العمّال، ثمّ حرب أهلية بين التتر المسلمين والأرمن المسيحيّين، وحصل من الفظائع ما يندى له جبين البشرية من الطرفين، وحُرِقَت آبار النفط وجزء كبير من المدينة.

هذا يعني أن مصادر النفط الأساسية لشركة شل أصبحت كلّها في خطر، في الوقت ذاته، كان مؤسّسها ورئيسها ماركوس صامويل مشغولًا بمناصب حكومية، وشغوفًا بتحصيل ما يمكن تحصيله من ألقاب شرفية من ملك بريطانيا (باختصار، يريد أن يصبح إنجليزيًا نبيلًا مهما كلّف الأمر).

مصادر النفط الأساسية لشركة شل أصبحت كّلها في خطر بسبب الحرب الأهلية في باكو

هذه المشكلات انتهت بسيطرة شركة رويال دتش على شركة شل بالكامل، وتقاعد ماركوس صامويل، والذي اشترى يختًا من أعظم اليخوت في العالم وقتها، وقضى وقتًا طويلًا يجوب البحار، ويتنقّل بين المدن الأوروبّية.

مازلنا نتحدّث عن ماركوس صامويل، اليهودي العراقي المهاجر لبريطانيا، والذي كوّن ثروة طائلة، وكان أوّل من شحن النفط بالسفن، وأوّل من أبحرت سفنه في قناة السويس.  ولكن قصّته لم تنته هنا، بل له بُعْد أخر في صناعة النفط العالمية: تبنّي البحريّة البريطانيّة النفط بدلًا من الفحم، الأمر الذي لم يغيّر مجرى الحربين العالميّتين الأولى والثانية فقط، بل غيّر خارطة العالم، وجعل صناعة النفط أكثر إستراتيجية ممّا يحلم به رجال النفط.

اندماج رويال دتش مع شل، وتبنّي البحريّة البريطانيّة للنفط، ثمّ التزام رويال دتش شل بخدمة التاج البريطاني، لم تشكّل تهديدًا كبيرًا لسيطرة روكِفِلّر فقط، بل امتدّ الأمر لأبعد من ذلك، بعد اكتشاف البريطانيّين للنفط في إيران، عام 1908، وتشكيل شركة “أنغلو الفارسية للنفط”، (والتي أصبحت شركة النفط البريطانيّة الآن، أو  “بي بي”)، ثمّ دخول شركة رويال دتش شل الأسواق الأميركية عن طريقة الاستثمار في حقول النفط، بالقرب من مدينة تلسا في وكالة أكلاهوما.

كلّ هذه الأمور مجتمعة حجّمت من قوّة شركة ستاندرد، كما لعب اختراع السيّارات دورًا كبيرًا في أسواق النفط، وتقوية منافسي ستاندرد، واختُرعت الطيارات، التي تستخدم منتجات نفطية أيضًا.

تدخّل الحكومة الفدرالية وقرار المحكمة العليا بتقسيم شركة ستاندرد

الحقيقة أنّني احترتُ فيما إذا كان عليّ أن أجعل هذه الفقرة فقرتين بدلًا من فقرة واحدة، بحيث تكون الفقرة الخامسة عن الدور الحقيقي للإعلام في المجتمع، والفقرة السادسة عن قرار المحكمة العليا، ولكن لارتباطهما ببعضهما في موضوع روكِفِلّر، دمجتُهما في فقرة واحدة، ولكن قد أعود إلى موضوع الإعلام فيما بعد، لأنّه من أهمّ مواضيع الساعة.

تبنّى روكِفِلّر طرقًا مختلفة لسحق منافسيه، حتّى تمكّن من السيطرة على الصناعة، ونتيجة ذلك كان ضحاياه كثرًا، وأغلبهم نظروا إليه وكأنّه مجرم حرب، لكنّهم لم يستطيعوا الوقوف في وجهه، وكلّما تدخّلت الحكومة في أمر ما، لم تتمكّن من إيجاد الأدلّة، وكلّما حاولوا حصره في زاوية، اكتشفوا أنّه سبقهم بخطوتين أو ثلاث.

بداية النهاية لشركة ستاندرد جاءت على يد صحفية اسمها إدا تاربل، والتي نشأت بين حفّارات النفط في غرب بنسلفانيا، وشهدت بعينها كيف ابتلعت شركة ستاندرد الشركات الواحدة تلو الأخرى، وشهدت بعينها كيف قام جون روكِفِلّر بإفلاس أبيها، ولكنّها تعلّمت، وحصلت على شهادة جامعية، وهو أمر نادر للنساء وقتها.

كانت إدا مصرّة على فضح شركة ستاندرد، إلّا أن تحرّياتها لم تُنتج شيئًا، لأن روكِفِلّر كان حريصًا وكتومًا للغاية، لدرجة أنّها لم تستطع الحصول على أيّ أدلّة، رغم معرفتها الشخصية بروكِفِلّر، حيث كانت صغيرة عندما كان يتنقّل من مكان لآخر في المنطقة نفسها التي كانوا يعيشون فيها غرب بنلسفانيا، ويعرف أباها جيّدًا، لأنّه كان من منافسيه.

إدا تاربل (1857-1944)

ولكن فجأة تمكّنت من الوصول إلى هنري روغر، أحد كبار المديرين في الشركة، عن طريق الكاتب الشهير مارك توين!  قدّم هنري معلومات ووثائق كثيرة، ولا أحد يعرف حتّى الآن سبب مشاركته لأسرار وملفّات كثيرة على مدى تسعة شهور من اللقاءات المتعدّدة في بيته ومكتبه، والتي نتج عنها أكثر من 30 تحقيقًا صحفيًا، وأصبحت هذه التحقيقات الشغل الشاغل للناس وقتها، لدرجة أنّها لفتت انتباه البيت الأبيض والكونغرس، وكان قد أٌصدِر قبلها قانون “شيرمان” نسبة للسيناتور جون شيرمان الذي قدّم مشروع القانون، والذي يركّز على مكافحة الاحتكار.

وعلى ضوء هذه التقارير الصحفية، جرت التحرّيات، وجرت محاكمة الشركة وإداريّيها، إلّا أن المشكلة في القانون الأميركي أن الشخص المطلوب للمحكمة يجب أن يُبَلّغْ شخصيًا بالحضور للمحكمة، فإذا لم يُبَلَّغ شخصيًا، فلا يمكن أن تُعقد أيّ محكمة حتّى يجري التبليغ.

بناءً على نصائح محامي الشركة، اختفى روكِفِلّر مع المديرين الكبار، وأصبح على المُكلّف بتبليغهم أن يلاحقهم من مكان إلى مكان، بطرق مختلفة، وبأوقات مختلفة، حتّى تصيّد أغلبهم وبلّغهم بالحضور للمحكمة، ومتى جرى إبلاغهم ولم يحضروا يصبحوا مخالفين للقانون ويمكن القبض عليهم وزجّهم في السجن، لكن روكِفِلّر اختفى لفترة طويلة، حيث أصبح أغنى رجل في العالم مطاردًا ويتنقّل من مكان لآخر متخفّيًا، وما كان لهم أن يصلوا إليه لولا ولعه ببعض أنواع الجبن، حيث إنّه لعقود طويلة كان يصرّ على أكل الجبن وقت الغداء، مهما كلّف الأمر.

ولاحظ سائق تاكسي أنّه في وقت محدّد من كلّ يوم، يُوضع صندوق جبن أمام باب بيت فخم، فبلّغ الشرطة، وهكذا اكتُشِف مكانه وتبليغه بالحضور للمحكمة. وسبب ذكر هذه التفاصيل هو تفسير سبب تأخّر عقد المحاكمة.

وحكمت المحكمة ضدّ الشركة، واتّهمتها بالاحتكار، استأنفت الشركة القرار، ووصل الأمر إلى المحكمة العليا، وأيّدت المحكمة العليا القرار، وقضت بتقسيم شركة ستاندرد، يوم 15 مايو/أيّار 1911، على أن يحصل ذلك جغرافيًا، وخلال ستّة شهور. جاء هذا بعد جهد جبّار من المحكمة التي استمعت إلى 444 شاهدًا، وبلغ عدد الصفحات نحو 12000 صفحة.

قرار المحكمة بتقسيم ستنادارد غطته الصحف الأميركية بكثافة

كان (روكِفِلّر)، يلعب لعبته المفضّلة الغولف التي بلغ ولعه بها حدّ الجنون، عندما جاءه خبر قرار المحكمة، وكان يلعب مع صديق له يعمل قسّيسًا، فكان أوّل ما فعله روكفلر بعد قراءة القرار أن نظر إلى القسّيس، وقال له: هل لديك أيّ مدّخرات؟ اشتر أسهم شركة ستاندرد!

هذا الجواب لا يمكن أن يتوقّعه أحد، من رجل ستُقسّم شركته، إلّا إنّه كان يعرف ما لا يعرفه أحد!

لنعد إلى البداية، عندما كان مراهقًا وعمل محاسبًا: معرفته بطرق وأساليب المحاسبة المختلفة، وممارسته لها بقيّة حياته، مكّنته من إخفاء الكثير من المعلومات. أدرك روكِفِلّر أن تقسيم شركته يعني أن قيمة الشركات منفصلة ستكون أكبر بكثير من الشركة الأمّ.

وهذا ما حدث، حيث ارتفعت أسعار أسهم الشركات في الشهور الأولى بعد التفكيك، ما بين 65% و 123%. وهذا ما جعله أغنى رجل في العالم، وربّما في التاريخ، حتّى السنوات الأخيرة، لكن لو حسبنا ثروته بوصفها نسبة من الناتج المحلّي الأميركي، فإن ذلك يجعله أغنى رجل دون أيّ منازع، ربّما حتّى في القرون المقبلة.

وعندما تقاعد، وقرّر أن يتبرّع للأعمال الخيرية، عيّن موظّفًا لإدارة أعماله، فاحتجّ الموظّف بأن تدفّق الأموال من الشركات المختلفة على الرجل المسنّ أكبر بكثير من كلّ ما ينفق، فأمره بزيادة الإنفاق على الأعمال الخيرية، ففعل ذلك، ولكن لم يغيّر ذلك من الأمر شيئًا، لأن تدفّق الأموال كان هائلًا، ثمّ أسّس جمعية خيرية باسمه، ووهبها كمّية ضخمة من المال، قُدِّرت بما يعادل 1.3 مليار دولار.

هذه الجمعية مازالت موجودة، وتعدّ من أكبر الجمعيات الخيرية في العالم، حيث تُقدَّر الأموال التي تديرها بأكثر من أربعة مليارات دولار. ولكن من عجائب القدر، أن كلّ أموالها الأصلية جاءت من النفط، إلّا إن مجلس إدارتها الحالي قرّر وقف أيّ استثمار في الوقود الأحفوري، بما في ذلك النفط، وذلك لاقتناعهم بأن الوقود الأحفوري، بما في ذلك النفط، يسهم في التغيّر المناخي والاحتباس الحراري!

ووفقًا لإحدى الدراسات، فإنّه لو لم يجرِ تقسيم ستاندرد، فإن قيمتها السوقية كانت ستتجاوز الترليون دولار في بداية الألفية!

قُسِّمَت ستاندرد إلى 34 شركة، من هذه الشركات إكسون وموبيل، واللتان اندمجتا وأصبحتا شركة (إكسون موبيل)، ومنها شركة شيفرون، وماراثون. ومنها أمكو وأركو اللتان اشترتهما بي بي فيما بعد، وبنز أويل التي اشترتها رويال دتش شل فيما بعد. أمّا بقيّة الشركات الأصغر، فقد قامت الشركات الأكبر، مثل إكسون وأخواتها، بشرائها.

في الأشهر الأولى من تفكيك امبراطورية روكفلر، كان المدراء يجتمعون أسبوعيًا، وكأن شيئًا لم يكن، رغم أنّهم يديرون شركات منفصلة ومستقلّة تمامًا، إلّا أن روكفلر وشركاءه مازالوا يملكون كلّ هذه الشركات، لكن مع تقاعد هذه الشخصيات، ومجيء دماء شابّة لهذه الشركات، بدأت تتباعد، ثمّ تتنافس فيما بينها، الأمر الذي أدّى إلى انهيار أسواق النفط فيما بعد.

ما يهمّنا في الموضوع ما يلي:

ما الدروس التاريخية من تجربة ستاندرد الاحتكارية؟

ما الدروس المستفادة من إدانة الحكومة الأميركية لشركة ستاندرد بالاحتكار؟

الإجابة على السؤال الأوّل واضحة من التطوّرات التاريخية لأسواق النفط، لا يمكن لمحتكر أن يستمرّ باحتكاره بسبب قوى السوق، دخول منتجين آخرين من جهة، والتكنولوجيا من جهة أخرى، أسهمت في إضعاف ستاندرد، فعلى سبيل المثال، تقلّصت حصّتها السوقية في الولايات المتّحدة من 90% إلى 60% قبل حلّها.

بعبارة أخرى، من الصعب قبول نتائج الدراسة التي ذكرت أعلاه بأن قيمة ستاندرد لو لم تُقسّم لوصلت إلى ترليون دولار، في بداية الألفية، لأن حصّتها السوقية ستتقلّص باستمرار بسبب المنافسة، وهذه التجربة تؤكّدها تجربة أوبك، حيث إن ارتفاع أسعار النفط أدخل دائمًا لاعبين جددًا، وزاد إنتاج الشركات الموجودة، والذي أدّى في النهاية إلى انخفاض حصّة أوبك السوقية، وليس هناك أدلّ على ذلك من توسيع أوبك إلى أوبك+، التي تضمّ عشرة منتجين إضافيّين.

إذا ما جرى تبنّي قانون “لا أوبك” في الكونغرس الأميركي، فإن هذا سيعطي الحقّ للنائب العامّ بمحاكمة أوبك ودولها في المحاكم الأميركية بتهمة الاحتكار، مستخدمًا القانون نفسه الذي طُبِّق على ستاندرد لتقسيمها

بالنسبة للسؤال الثاني، فإنّه من الواضح أن إدانة ستاندرد تتوقّف على موضوع “تقييد التجارة”، وما إذا كان هذا التقييد مستهدفًا، ويهدف إلى إيذاء الآخرين، سواء كانوا منافسين أو مستهلكين، وما إذا كان يجب التمسّك بحرفية كلمات القانون أو بروح القانون، كلّ القضاة، ماعدا قاضيًا واحدًا، أصرّوا على اعتماد روح القانون، وعلى إدانة الشركة بالاحتكار، وذلك لأنّه جرى التمسّك بالنصّ الحرفي للقانون، فإن أيّ عقد تجاري، مهما كان، مقيّد للتجارة.

أهمّية ما سبق: أنّه إذا جرى تبنّي قانون “لا أوبك” في الكونغرس الأميركي، ووافق عليه مجلس الشيوخ، ووقّعه الرئيس الأميركي، فإن هذا سيعطي الحقّ للنائب العامّ بمحاكمة أوبك ودولها في المحاكم الأميركية بتهمة الاحتكار، مستخدمًا القانون نفسه الذي طُبِّق على ستاندرد لتقسيمها. في هذا الحالة، سيُنظَر إلى أمرين، الحصّة السوقية، وما إذا كان هناك تقييد للتجارة ومنع الآخرين من دخول السوق.

ولا يمكن بأيّ شكل من الأشكال مقارنة قوّة أوبك بقوة ستاندرد، حيث إن أوبك أضعف سوقيًا من ستاندرد بكثير، ولا يمكن بأيّ شكل من الأشكال مقارنة ما تقوم به أوبك بما قامت به ستاندرد، فالأدلّة التي جمعتها الصحفية “إدا” تشير إلى وجود مخطّط مدروس من قبل قادة ستاندرد للسيطرة على السوق وطرد المنافسين  بأساليب ملتوية لا تتناسب مع الأخلاق والقوانين.

أمّا أوبك فهي منظّمة دولية ضعيفة، لم تتّفق دولها في أغلب الأحيان، وإذا اتّفقوا على الورق، فعلوا شيئًا آخر في الواقع، وكما قال أحد المؤرّخين، فإن روكفلر كان يعتقد أنّه إذا كان منافسه يحقّق ربحًا قدره دولار، فإن هذا الدولار من حقّ روكفلر، وسيبذل أقصى جهده لإزاحة الشريك وأخذ أرباحه!

لكلّ شيء نهاية

في نهاية المطاف، لنعد إلى البداية، كان روكفلر يهدف إلى: 100 و 100، أن يجمع مئة مليون دولار، وأن يعيش مئة عام.  الرجل جمع أكثر من مئة مليون دولار بكثير، ومات يوم 23 مايو/أيّار من عام 1937، عن عمر يقترب من 98 سنة. وكما كانت نهاية ماركوس صامويل غريبة نوعًا ما، لم يَخْلُ موت روكفلر من الغرابة.. فقبل أن يموت بسويعات، دفع كلّ ديون الكنيسة التي كان يذهب إليها.

جون روكفلر وعمره 88 عامًا

الآن عرفنا نهاية ماركوس صامويل، وعرفنا نهاية روكفلر، وعرفنا نهاية شركة ستاندرد، ماذا عن نهاية أوّل ناقلة نفط عبرت قناة السويس، والتي كان يملكها ماركوس صامويل؟

حاملة النفط هذه غرقت بالقرب من قناة السويس، في الحرب العالمية الأولى، بعد أن ضربتها غوّاصة ألمانيّة بصاروخ.

لنتذكّر أن إدارة القناة سمحت لهذه السفينة بالعبور لأنّها آمنة، ولا يمكن أن تنفجر بحمولتها. وفعلًا، ضربها صاروخ، ولم تنفجر، ونجا طاقمها إلّا شخصًا واحدًا، إلّا إن الفتحة التي سبّبها الصاروخ أدّت إلى غرقها في البحر المتوسّط بالقرب من مدخل القناة، وذلك يوم 21 ديسمبر 1916.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى