المقالاترئيسيةعاجلمتجددةمقالات

مقال – كيف يمكن للشرق الأوسط الاستفادة من التكنولوجيا والانتقال لعالم أكثر اخضرارًا؟

ديتمار سيرسدورفر*

تخضع أنظمة الطاقة حول العالم لتحوّلات جوهرية ستغيّر العالم عمّا اعتدنا عليه ونعرفه. وتتسارع وتيرة التغيير والتحوّل بصورة كبيرة، مع إدراك المزيد من الأفراد والمجتمعات والحكومات لحجم الضرر الهائل الذي تحدثه الانبعاثات الكربونية على البيئة، نتيجة حرق الوقود الأحفوري.

وتتمتّع منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا بعدد من المقوّمات المثالية التي تمكّنها من قيادة ثورة التغيير في قطاعي الطاقة والتكنولوجيا، ولكن مازلنا في حاجة لمزيد من القرارات الجريئة للقيادات السياسية والاستثمارات والإصرار على الاستفادة من الإمكانات الهائلة التي سيتيحها هذا التحوّل.

ووفقًا لأرقام الوكالة الدولية للطاقة، من المتوقّع أن توفّر مصادر الطاقة المتجدّدة ما يقرب من 30% من حجم الطلب العالمي على الطاقة، بحلول عام 2023، مقارنةً بـ 24%، في عام 2017. لذلك تحتاج وتيرة التغيّر السريعة لخطّة عمل عاجلة، إذا أردنا حقًا التخفيف من العواقب الكارثية للاحتباس الحراري.

ومع انخفاض تكلفة الطاقة المتجدّدة، أصبحت تلك المصادر منافسًا قابلًا للتطبيق، مقارنةً بمصادر الطاقة التقليدية. ووفقًا للوكالة الدولية للطاقة المتجدّدة، يصل متوسّط أسعار الطاقة الشمسية الكهروضوئية بناءً على عروض الشراء التنافسية، إلى 0.039 دولار للكيلو واط/ساعة، في المشروعات المقرّر تشغيلها عام 2021، أي بانخفاض تصل نسبته إلى 42%، مقارنةً بعام 2019، وأقلّ من أرخص منافس من الوقود الأحفوري بأكثر من 20%. وقد شهدنا بالفعل الأسعار القياسية المنخفضة التي حقّقتها مزادات الطاقة الشمسية الكهروضوئية في دول، مثل: الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وتشيلي، وإثيوبيا، والمكسيك، وبيرو، بسعر منخفض لا يتجاوز 0.03 دولار للكيلو واط/ساعة.

وعلى الرغم من أن كلّ دولة تمرّ بمرحلة مختلفة في مسيرة تحوّل الطاقة، فإن الهدف النهائي هو إزالة الانبعاثات، والاعتماد على طاقة نظيفة بنسبة 100%. ولا يمكن تحقيق مثل هذا التحوّل بين عشيّة وضحاها، ولن تستطيع جميع البلدان التحوّل مباشرةً للاعتماد على مصادر الطاقة المتجدّدة، في نفس التوقيت. نحن بحاجة إلى العمل، الآن، مع قبول الحلول المؤقّتة، ووضع الهدف الأعمّ والأشمل دائمًا في الاعتبار، وهو: ابتكار مصدر طاقة موثوق فيه بأسعار معقولة ودون انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، لكلّ البشر.

يمثّل الفحم حاليًا نحو 40% من إنتاج الطاقة في العالم، ولذلك فإن التحوّل من الفحم إلى الغاز يمكن أن يقلّل بشكل كبير من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، كما ستلعب تكنولوجيا الغاز الطبيعي دورًا أساسيًا في عملية تحوّل الطاقة، لتحقيق التوازن بين الطبيعة غير المستقرّة للطاقة المتجدّدة، ومعدّل استقرار شبكات الكهرباء. إن التوربينات الغازيّة تمثّل استثمارًا مستدامًا، حيث إنّها تعتمد على الغاز الطبيعي بصفته وقودًا، الآن، وعلى الهيدروجين المحايد كربونيًا، في المستقبل. وحاليًا، يمكن تشغيل التوربينات الغازيّة بنوعي الوقود، وبنسبة تصل إلى 60% اعتمادًا على الهيدروجين الأخضر، من خلال نظم الاحتراق الجافّ الحديثة منخفضة الانبعاثات.

من ناحية أخرى، تساعد المزيد من الحوافز الحكومية والشراكات مع القطاع الخاصّ، على دفع عملية التحوّل نحو عالم أقلّ تلوّثًا. وبينما ما تزال بعض الدول في مراحل مبكّرة من عملية التحوّل في قطاع الطاقة، من خلال التحوّل إلى حرق الغاز الطبيعي منخفض الانبعاثات للحصول على الطاقة الكهربائية، بدلًا من حرق الفحم أو الوقود البترولي، إلّا أنّ بعض الدول الأخرى أكثر تقدّمًا، وأثبتت الجدوى الاقتصادية لمشروعات الطاقة المتجدّدة والطاقة الجديدة من خلال مشروعات صناعية كبيرة على نطاق واسع.

وقد دشّنت الإمارات العربية المتّحدة مشروعها الأهمّ لإنتاج الهيدروجين الأخضر، الذي يُعدّ المشروع الأوّل من نوعه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. إنّ هذا التعاون بين سيمنس للطاقة وهيئة كهرباء ومياه دبي، ومعرض إكسبو 2020 دبي، يمثّل أوّل منشأة من نوعها في المنطقة لإنتاج الطاقة الشمسية، اعتمادًا على تكنولوجيا التحليل الكهربائي.

تشغل المحطّة مساحة 10000 متر مربّع، وتستهدف اختبار واستعراض وحدة متكاملة بحجم توليد ميغاواطي، لإنتاج الهيدروجين باستخدام الخلايا الشمسية وتخزين الغاز، ثمّ إعادة استخدامه في توفير امدادات الطاقة الكهربائية وحلول التنقّل الكهربائية، أو لأيّة استخدامات صناعية أخرى.

وتستفيد الامارات العربية المتّحدة من التطبيقات التكنولوجية المتطوّرة، للمساعدة على تقليل الانبعاثات الكربونية وتحسين الكفاءة. إن تحديث نظام التحكّم الأخير في محطّة توليد الطاقة التابعة لهيئة كهرباء ومياه دبي في جبل علي، أتاحت تحسّنًا مستمرًّا في أداء التوربينات الغازيّة في المحطّة، عن طريق الدمج بين توأم رقمي وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. وقد أتيح ذلك للمرّة الأولى لتعويض الفاقد في الطاقة من التوربينات الغازيّة القديمة بصورة لحظيّة، نتيجة تراجع أدائها. ونتيجة لذلك، زاد أداء التوربينات الغازيّة بمعدّل 3.5 ميغاواط لكلّ منها، مع تراجع انبعاثات أكاسيد النيتروجين بنسبة 10%.

في الوقت نفسه، تمثّل المملكة العربية السعودية -المُصدّر الأول للبترول في العالم- نموذجًا إقليميًا آخر يتطلّع لتنويع منظومة الطاقة، بعيدًا عن المشتقّات البترولية، والانتقال للاعتماد على الهيدروجين الأخضر. إن مدينة نيوم المستقبلية العملاقة تمثّل مركزًا للطاقة هو الأكثر تطوّرًا من نوعه في العالم، حيث تستمدّ المدينة طاقتها من مصادر متجدّدة، بالإضافة لاعتمادها على حلول فائقة التطوّر في تخزين الطاقة والانتقالات.

وخلال تلك الفترة الانتقالية، تنظر المملكة لحلول الغاز الطبيعي بوصفها استثمارًا ونشرًا للحلول التكنولوجية الهادفة لتطوير أسطولها الحالي من توربينات توليد الطاقة، وتحويلها للعمل بالغاز الطبيعي حاليًا، ثمّ بالهيدروجين في المستقبل، بدلًا من النفط بصفته وقودًا.. إنّ هذه التغيّرات الواعدة تعيد تشكيل مستقبل الطاقة والتحوّل لعالم أقلّ تلوّثًا وأكثر اخضرارًا.

*المدير التنفيذي لشركة سيمنس للطاقة في الشرق الأوسط

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى