تقارير التكنو طاقةسلايدر الرئيسيةنفط

كندا تبحث عن بديل للنفط والغاز يضمن استقرار الميزان التجاري

انخفاض استثمارات القطاع يتسبّب في عجز سنوي

اقرأ في هذا المقال

  • البلاد تعاني على مدار 11 عامًا من عجز سنوي للحساب الجاري
  • جهود التنويع التجاري تركز على توقيع صفقات تجارية جديدة مع الشركاء
  • مجلس الأعمال الكندي: أصبحنا دولة تعتمد على الأعمال التجارية مع أميركا
  • مطالب مستمرة باكتشاف خيارات جديدة للاستثمارات

سلّط تقرير نشرته صحيفة "ناشونال بوست" الكندية، الضوء على حاجة كندا الماسّة لتنويع وتوسيع قاعدتها التجارية، من أجل معالجة العجز السنوي المتكرّر في الحساب الجاري، نتيجة الانخفاض التدريجي في استثمارات النفط والغاز، على مدار سنوات، مع عدم وجود بديل واضح لتعويض هذا الفارق.

وتحت عنوان "لسنوات.. ضمن النفط ميزانًا تجاريًا صحّيًا لكندا.. الآن هذا الوضع يتغيّر مع عواقب وخيمة"، طرح كاتب التقرير "غيسي سنايدر" المتخصّص في الشؤون الاقتصادية والسياسية، سؤالًا طالما حيّر صانعي السياسة، وهو: "كيف يمكن زيادة صادرات كندا لضمان اقتصاد سليم في المستقبل؟".

كما تساءل: "كيف يمكن لكندا أن تصبح أخيرًا جادّة بشأن استقرارها الداخلي وأمنها الخارجي، حتّى تتمكّن من لعب دور فعّال بصفتها قوّة متوسّطة؟".

وأكّد الكاتب أن ثمّة نظام جيوسياسي جديد آخذ في التشكّل، كما يجرى على نحو سريع إعادة تشكيل العالم، في ظلّ مجالات النفوذ الأميركية والصينية، بينما لم يؤدّ وباء كورونا إلّا لزيادة المخاطر.

في صيف عام 2006، عرض رئيس الوزراء السابق ستيفن هاربر، طموحاته المتمثّلة في توسيع نطاق صادرات النفط بشكل كبير.

وقال هاربر، أمام حشد من رجال الأعمال في لندن: إن "النموّ الاقتصادي في الصين وأفريقيا سيدفع الرمال النفطية إلى أفاق جديدة"، مهّدا الطريق لصناعة كندية ضخمة تنافس بناء الأهرامات في مصر، أو سور الصين العظيم.

في السنوات التالية، تدفّقت عشرات المليارات من رؤوس الأموال الأجنبية إلى شمال ألبرتا، حيث كان الاقتصاد العالمي يجري بشكل جذّاب، ما خلق فترة طويلة من نموّ الصادرات في المنطقة.

لكن رؤية هاربر لم تتحقّق بالكامل على الإطلاق، واليوم، وبعد سنوات من انهيار أسعار النفط، في منتصف عام 2014، تراجع الاستثمار في قطاع الوقود الأحفوري، واستمرّت العقبات القانونية والتنظيمية في خنق مشروعات خطوط الأنابيب الرئيسة، ما أدّى إلى تخويف المستثمرين المحتملين.

فيما كشف الركود عن اعتماد كندا لعقود طويلة على صادرات النفط، فعلى مدى السنوات الـ11 الماضية، عانت البلاد من عجز سنوي متكرّر في الحساب الجاري، بمتوسّط عجز سنوي يتراوح بين 50 و60 مليار دولار (يمثّل الحساب الجاري صافي المعاملات الاقتصادية للبلد مع بقيّة العالم).

ووفق الكاتب "غيسي سنايدر"، كان السبب في ذلك -بعبارات بسيطة- هو الانخفاض التدريجي في استثمارات النفط والغاز، مع عدم وجود بديل واضح لتعويض الفارق.

كتب المحافظ السابق لبنك كندا، ديفيد دودج، في تقرير لمنتدى السياسة العامّة، خلال سبتمبر/أيلول المنصرم: "لم نعد نبني مستقبلنا في الداخل، لكنّنا نجمع الإيجارات في الوقت الحاضر على استثمارات الماضي".

ويعدّ "دودج" واحدًا، من بين مراقبين آخرين، يرون أن عجز الحساب الجاري مفيد- وإن كان مقلقًا- للاقتصاد الكندي.

ووفق دودج، فإن عجز الحساب الجاري يعدّ مقياسًا، وبمثابة إشارة تحذير لحكومة فيدرالية تركّز بشكل حصري تقريبًا على إعادة التوزيع بدلًا من النموّ الاقتصادي.

وفي حين أن تدابير التمويل الطارئة في أوتاوا -التي تهدف إلى مكافحة وباء كورونا المستجدّ (كوفيد19)- تعمل فقط على تضخيم رصيد هذا الحساب، حيث يقول دودج، إنّه جزء من اتّجاه أوسع بكثير يمتدّ إلى سنوات ماضية.

وتابع دودج في مقابلة مع ناشيونال بوست: "كنا بالفعل على مشارف وضع حرج قادم بعد (كوفيد 19)".

قبل الأزمة الماليّة لعام 2008، تجاوزت الصادرات الكندية الواردات بهامش من 3 إلى 5%، حسبما قال دودج في تقرير منتدى السياسيات العامّة، ثمّ انقلب الوضع، منذ ذلك الحين، لمتوسّط عجز سنوي يتراوح بين 2 إلى 3%.

وعلى الرغم من كون العجز السنوي في الحساب الجاري، لا يسبّب مشكلات لبلد ما، إلّا أن النقص المزمن يمكن أن يتسبّب في مشكلات مع استمرار الحكومات في السحب من الخزينة العامّة، لدفع تكاليف البرامج الاجتماعية المكلفة، مثل رعاية الأطفال والتأمين الموسّع ضدّ البطالة، والرعايا الصحّية للسكّان الذين يتقدّمون في السنّ بسرعة.

وقال دودج: "هذا ليس وضعًا مستدامًا.. يمكنك تحمّل هذا الوضع لفترة من الوقت، لكنّنا نعلم أنّه بمرور الوقت سيتدهور الوضع، مع تراكم تكاليف خدمة الديون الخارجية، بمرور الوقت".

صادرات أخري

لا تقتصر المشكلة على تعويض نواتج الموارد الطبيعية، والتي لا تزال تساهم بمبلغ مذهل، قُدِّر بـ 76.6 مليار في الحساب الجاري في عام 2019 – قرابة 80 % منها جاء من إنتاج النفط الخام والبيتومين.

لكن الصادرات في قطاعي السيّارات والفضاء الجوّي استمرّت هي الأخرى في الانخفاض على مرّ السنين، بينما زاد استهلاك السيّارات أو خدمات السفر.

وقال دودج: "منذ بداية الركود المالي، وحتّى نهاية عام 2019، فاقت الاستثمارات الكندية في الأصول بالخارج، الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنحو 804 مليار دولار".

ينقسم المراقبون حول كيفية معالجة هذ النقص المستمرّ، ويرى الكثيرون أن الجيل القادم من الصناعات القائمة على التصدير سيكون في منتجات رائدة مثل الذكاء الاصطناعي أو التكنولوجيا الماليّة أو السيّارات الكهربائية

وفي هذا الإطار، يدعو الرئيس السابق لشركة "بلاك بيري"، رئيس مجلس المبتكرين الكنديّين، "جيم بالسيلي"، أتاوا، منذ سنوات، إلى تشديد القواعد المتعلّقة بالملكية الفكرية، التي من شأنها أن تمنح الشركات الكندية المحلّية فرصة لتوسيع نطاق منتجاتها وبيعها للعالم.

وهناك مخاوف من أنّه في ظلّ اقتصاد رقمي تهيمن عليه بشكل متزايد شركات أميركية عملاقة، مثل جوجل، وأمازون، ستصبح كندا اقتصادًا تابعًا لتطوير الملكية الفكرية للشركات الأجنبية، وستحصل على القليل من الفوائد في المقابل.

وبدلًا من ذلك، ركّزت جهود التنويع التجاري في كندا إلى حدّ كبير على توقيع صفقات تجارية جديدة مع الشركاء- وهو نهج كان ضروريًا في الماضي- وفقًا للعديد من خبراء التجارة.

وقال الأستاذ في مؤسّسة مونك للشؤون العالمية والسياسية العامّة "شون سبير": الحقيقة هي أنّنا انتهينا بشكل أساس من التفاوض على الصفقات التجارية في هذه المرحلة.

وقّعت كندا أكثر من 50 صفقة تجارية مع حكومات أجنبية، بدرجات متفاوتة من النجاح. لكن المراقبين، مثل سبير، يقولون، إن النقص غالبًا يكمن في عدم المتابعة

فغالبًا ما يوقّع صانعو السياسة الكندية على اتّفاقيات تجارية، ويشاركون في التقاط الصور، ثمّ يتركون أصحاب الأعمال للبحث عن فرص جديدة بأنفسهم.

حتّى بعض الاتّفاقيات التجارية الأخيرة مع حلفاء كندا، تسبّبت فقط في حدوث انقسامات جديدة.

في رسالة، في سبتمبر/أيلول، إلى 4 وزراء بمجلس الوزراء -على سبيل المثال- أعرب التحالف الكندي لتجارة الأغذية الزراعية عن أسفه، لأن صفقة التجارية الكندية الأخيرة مع أوروبّا فشلت في الوفاء بوعودها لمصدّري الأغذية الزراعية في كندا، وأدّت إلى تدهور شامل في الميزان التجاري لكندا مع شركائها الأوربّيين.

مخاوف تجارية

يقول الكاتب: إنّه "لا يوجد مكان تسود فيه المخاوف التجارية أكثر من الولايات المتّحدة، التي لا تزال تمثّل الغالبية العظمى من الصادرات الكندية".

وتابع: "أعادت إدارة ترمب العدوانية، المخاوف القديمة بشأن الاعتماد الكندي المفرط على أميركا، ما أدّى إلى تحوّل في التفكير بين قادة الأعمال".

وقال رئيس مجلس الأعمال الكندي -ومقرّه أوتاوا- "غولدي هايدر" -الذي يمثّل عددًا من أكبر الشركات في كندا-: "لقد ولّت الأيّام الخوالي.. لقد أصبحنا دولة متراخية ومستريحة، نعتمد فقط على سهولة ممارسة الأعمال التجارية في الولايات المتّحدة".

ودعا هايدر إلى تقديم حزمة من الدعم للصناعة للمساعدة في التوسّع في أسواق جديدة، تشمل المزيد من التوجيه للشركات الخاصّة في التنقّل في الأسواق الخارجية، وضمان البُينة التحتيّة الحيويّة، مثل الموانئ وخطوط أنابيب النفط.

وسارع هايدر، وآخرون، إلى الاعتراف بأن الأمر سيكون تلًّا شديد الانحدار لتسلّقه، بالنظر إلى سعي كندا لسنوات التنويع، بعيدًا عن السوق الأميركية لتعميق اعتمادها.

منذ أكثر من 50 عامًا، تحدّث رئيس الوزراء ببيير ترودو، أمام غرفة مليئة بأعضاء الكونغرس الأميركي بأن تقاسم الحدود مع الولايات الأميركية، أشبه بالنوم بجوار فيل، حيث تتأثّر الدولة الأصغر بكلّ حركة

في ذلك الوقت، توتّرت العلاقات بين كندا والولايات المتّحدة بشكل سيئ، مع انتخاب ريتشارد نيكسون، ما دفع أوتاوا لاستكشاف خيارات جديدة للتجارة.

أدّى ذلك في النهاية إلى تقرير الخيار الثالث، في عام 1972، وهو خطّة تنويع التجارة التي يُنظر إليها -في نطاق واسع- على أنّها فشلت بعد عقود من تبنّيها.

ووفق الكاتب، "اليوم أصبحت كندا مرّة أخرى في وضع تحتاج فيه إلى توسيع قاعدتها التجارية، لإعادة تأكيد نفسها على الساحة العالمية، أو الانزلاق إلى تدهور طويل وبطيء".

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى