التقاريرتقاريررئيسيةسلايدر الرئيسيةغاز

هل تودع موريتانيا الفقر من بوابة الغاز الطبيعي؟

الإعلان عن اكتشافات غاز تقدر بنحو 50 تريليون قدم مكعبة

حازم العمدة

اقرأ في هذا المقال

  • بي بي وكوزموس تخططان لتأسيس 3 محاور للغاز المسال بطاقة 30 مليون طن سنويا
  • المرحلة الأولى من مشروع حقل "السلحفاة أحميم" تبدأ الإنتاج عام 2023 بطاقة 2.5 مليون طن سنويا
  • إجمالي احتياطيات الحقل يصل إلى 450 مليار قدم مكعبة من الغاز
  • ضعف السياسات الاقتصادية وتفشي الفساد وغياب الحوكمة وتردي البنية التحتية وانعدام الكفاءات المحلية أبرز التحديات.
  • الحكومة تراهن على الطاقة في الوصول بمعدل النمو الاقتصادي إلى أكثر من 7%

في بلد هو الأفقر بين دول المغرب العربي ودولة عربية تحاصرها تحديات اقتصادية كبيرة ويعيش 46% من سكانها في فقر مدقع وأكثر من 33% من شبابها يعانون البطالة -بحسب إحصاءات البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية- هل تكون اكتشافات الغاز الطبيعي بمثابة طوق النجاة لموريتانيا التي تلاحقها الأزمات المالية، والتي اضطرتها للاقتراض مراراً لكي تتمكن من التجديف في بحار الفقر المظلمة؟ هل تفعلها نواكشوط وتدخل نادي مصدري الغاز وتدمر براثن الفقر عبر سلاح الطاقة؟

أسئلة كثيرة وآمال عريضة تداعب أذهان الموريتانيين الذين يحاولون التشبث بأي أمل يخرجهم من دوامة المعضلات الاقتصادية المتسارعة، في ظل الإعلان عن اكتشاف احتياطيات هائلة من الغاز الطبيعي قبالة سواحلها الأطلسية، لاسيما حقل “السلحفاة أحميم” المشترك بين موريتانيا والسنغال.

تعتزم شركة الطاقة البريطانية العملاقة بريتيش بتروليوم (بي بي) وشريكتها الأميركية المستقلة (كوزموس) المضي قدما في خطط لتأسيس ثلاثة محاور للغاز الطبيعي المسال بطاقة إنتاج إجمالية تقدر بنحو 30 مليون طن سنوياً قبالة سواحل موريتانيا والسنغال، حسبما أفادت صحيفة (ميدل إيست إيكونوميك سيرفي).

تأتي هذه الخطط الطموحة على أساس الإعلان عن اكتشاف احتياطيات تقدر بنحو 15 تريليون قدم مكعبة عام 2015 في حقل “السلحفاة أحميم” على الحدود البحرية بين موريتانيا والسنغال، وذلك في منطقة تيرانجا- ياكار الواقعة على مسافة 100 كيلومتر إلى الجنوب من مياه السنغال، ومحور موريتاني على أساس حقول منطقة (بئر الله) الواقعة على مسافة 60 كيلو متراً شمال حقل السلحفاة.

المرحلة الأولى

حتى الآن جرت الموافقة على المرحلة الأولى فقط من المشروع في حقل “السلحفاة” بطاقة إنتاجية تبلغ 2.5 مليون طن سنويا، بعد اتخاذ قرار الاستثمار النهائي أواخر عام 2018، وانتهت الشركة من 40% من أعمال التطوير؛ ما يضع هذه المرحلة على المسار الصحيح؛ تمهيداً لبدء التشغيل -الذي تأخر عن الإطار الزمني المحدد جراء تفشي فيروس كورونا المستجد- في النصف الأول من عام 2023.

أما بالنسبة لقرار الاستثمار النهائي للمرحلة الثانية الذي كان مقررا -أصلاً- هذا العام، فمن غير المتوقع أن يصدر قبل 2023 أي بعد انطلاق المرحلة الأولى، حسبما أفادت “كوزموس” في مايو/آيار الماضي.

ووفق هذا الجدول الزمني، لن يصل مشروع حقل السلحفاة إلى طاقة الإنتاج السنوية المخطط لها (البالغة 10 ملايين طن سنوياً) قبل نهاية العقد الحالي، مع اكتمال تطوير المحورين الآخرين.

وهنا ينبغي إعادة النظر في احتمالات أن ترى هذه التطورات النور، على الأقل تحت إشراف شركة (بي بي)، وذلك في ضوء آخر تحول بعيد المدى في الاستراتيجية التي أعلنتها (بي بي) في الخامس من أغسطس/آب.

(بي بي) والطاقة النظيفة

حددت (بي بي) أهدافًا مؤقتة لعام 2030 لكي تتمكن من تحقيق هدفها النهائي بالتحول للطاقة النظيفة الخالية من انبعاثات الكربون الملوثة للبيئة بحلول عام 2050؛ فقد أعلنت الشركة أنها ستخفض إنتاج النفط والغاز بنسبة 40٪ خلال العقد المقبل، من 2.6 مليون برميل يومياً عام 2019 إلى 1.5 مليون برميل في اليوم بحلول عام 2030.

وفي هذا السياق، قال الرئيس التنفيذي للشركة برنارد لوني: “لأكثر من قرن، كانت (بي بي) شركة نفط دولية، وتنتج سلعتين أساسيتين (النفط والغاز).. وحالياً نتجه نحو التحول إلى شركة طاقة متكاملة.. من شركة معنية بإنتاج موارد الطاقة إلى شركة تركز على تقديم حلول الطاقة للعملاء”.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة في هذا الإطار: كيف ستمضي (بي بي) في مشروعات الغاز المسال في ظل هذه الاستراتيجية؟

والحقيقة أن وضع الغاز ضمن هذا التحول الاستراتيجي غير واضح، لاسيما في ظل النهج الانفصامي الذي تتبناه (بي بي) إلى حد ما فيما يتعلق بالوقود. فمن ناحية، تقول الشركة إنها تسعى للابتعاد عن إنتاج الغاز، بحيث يمثل النفط والغاز 50٪ فقط من نفقاتها الرأسمالية بحلول عام 2030. ولكن من ناحية أخرى، تعتزم (بي بي) مضاعفة محفظتها من الغاز الطبيعي المسال بحلول عام 2030.

بيد أن الشركة تقول إنه بمجرد اكتمال “الموجة المستمرة للمشروعات الكبرى، ستسعى (بي بي) لتقليل كثافة رأس المال في عمليات التنقيب والاستكشاف “ما سيؤدي إلى إنتاج أقل بكثير وأكثر تنافسية.. وفي غضون 10 سنوات سنهدف إلى  تركيز أعمالنا في مجال النفط والغاز على القيمة، وخفض الإنتاج بنسبة 40٪”.

اتجاه واعد ولكن!

والحقيقة أن التزام (بي بي) بتنمية محفظة الغاز الطبيعي المسال من 14.9 مليون طن سنويًا عام 2019 إلى 25 مليون طن سنويًا بحلول عام 2025 و 30 مليون طن سنويًا بحلول عام 2030، يبدو في ظاهر الأمر أنه اتجاه واعد للغاية بالنسبة لموريتانيا والسنغال. فحصص الشركة التي تبلغ حوالي 56٪ في المشاريع الثلاثة المخطط لها في موريتانيا/السنغال يمكن أن توفر بمفردها جميع مكاسب الغاز الطبيعي المسال المخطط لها.

لكن التعليقات من المدير المالي موراي أوشينكلوس على أرباح الشركة في 4 أغسطس/آب توضح أن شركة بريتيش بتروليوم ليست ملتزمة بمسألة الإنتاج الفعلي لمحفظة الغاز الطبيعي المسال الخاصة بها، مع تحديد مشروع الغاز المسال في موريتانيا والسنغال كحالة خاصة فارقة.

والتحدي الذي يفرض نفسه هنا في مشروع الغاز المسال قبالة موريتانيا والسنغال هو: إنتاج الغاز بتكلفة أقل وتنافسية أكبر مقارنة بالدول الأخرى المنتجة والمصدرة للغاز، لاسيما الولايات المتحدة، فضلا عن تماهي المشروع مع استراتيجية (بي بي) للتحول إلى مصادر طاقة أقل تلويثاً للبيئة.

وفي هذا السياق، تبدو آمال موريتانيا في ثروات الغاز معلقة بخيط رفيع في ظل هذا التغيير في الاستراتيجية.

وكثفت موريتانيا تحركات إنعاش الاقتصاد الفقير، عبر التركيز على قطاعات جديدة بينها الطاقة، لتحقيق أقصى استفادة منه في بلد عانى طويلا من شح في الموارد، فيما أعلنت عن اكتشافات كبيرة من الغاز، تصل إلى 50 تريليون قدم مكعب في مياهها الإقليمية.

يعد مشروع حقل السلحفاة الذي اكتشفته “كوزموس” على الحدود الموريتانية – السنغالية عام 2015، هو أكبر اكتشاف للغاز خلال السنوات الأخيرة في غرب إفريقيا باحتياطات تصل إلى 450 مليار قدم مكعبة، حسبما تقول شركات الطاقة المستثمرة في المشروع.

تحديات  الاستثمار

وواجه استثمار الغاز الموريتاني في السنوات الأخيرة تحديات كثيرة، أبرزها ضعف السياسات الاقتصادية، وتفشي الفساد، وغياب الحوكمة، إضافة إلى تردي البنية التحتية وانعدام الكفاءات المحلية المتخصّصة في مجال الطاقة.

ولا تنتج موريتانيا، التي تعد الأفقر بين دول المغرب العربي، سوى القليل من الغاز ونحو 5 آلاف برميل يومياً من النفط حالياً، بعد أن كانت تنتج نحو 56 ألف برميل في 2006، لكنها تسعى الآن لدخول نادي الدول المصدرة للغاز.

ومن المنتظر أن تبدأ موريتانيا في 2023 تصدير أولى شحنات الغاز نحو الأسواق العالمية، في وقت بات فيه القطاع يستأثر باهتمام كبير من المستثمرين الأجانب. ويسمح اتفاق تسويق غاز “السلحفاة الكبير احميم”، بتصدير ما يقارب 2.3 مليون طن سنوياً من الغاز المُسال على مدار 10 سنوات قابلة للتجديد.

ومع مطلع العام المقبل سيبدأ حفر أول بئر للإنتاج، وسيتم مد الأنابيب؛ استعداداً لوصول المحطة العائمة “أف.بي.أس.أو” التي يجري بناؤها في الصين، على أن تصل بعد أشهر محطة “أف.أل.أن.جي” من سنغافورة لتبدأ مرحلة توصيل المحطات فيما بينها وربطها بالآبار، لتبدأ عملية التصدير.

شركات عالمية

وتزايدت أنشطة شركات الطاقة العالمية في موريتانيا، لتضم “بي.بي” وشركتي “كوزموس إنرجي” و”إكسون موبيل” الأميركيتين و”توتال” الفرنسية، حيث ترتبط بعقود مع الحكومة الموريتانية في مجال التنقيب عن النفط والغاز.

وكانت نواكشوط قد أعلنت في أواخر أكتوبر/تشرين أول الماضي أن عمليات التنقيب في منطقة قبالة الشواطئ الموريتانية، تعرف باسم “بئر الله”، مكنت من اكتشاف كميات جديدة من الغاز الطبيعي.

وقالت شركتا “كوزموس” و”بي.بي” في بيان مشترك حينها، إن “الاكتشافات الجديدة في المياه الموريتانية تصل إلى نحو 50 تريليون قدم مكعبة من الغاز”.

وفي مارس/آذار، اعتبر وزير النفط والطاقة والمعادن الموريتاني، محمد ولد عبدالفتاح، في تدوينة عبر صفحته على فيسبوك أن الاحتياطات الجديدة تفتح آفاقاً واعدة، مشيرا إلى أن بلاده ستحصل على عائدات تصدير الغاز الطبيعي المسال بحدود مليار دولار سنويًا ابتداءً من 2022، وحتى 30 عاماً.

في السياق ذاته، صرح  النائب في البرلمان الموريتاني أبانوب بنيوك في تصريحات لوكالة “سبوتنيك” الروسية بأن “هناك تقدمًا كبيرًا في مجال إنتاج الغاز على مستوى موريتانيا، بعد اكتشاف عدد من حقوق الغاز الطبيعي مؤخرًا”.

وأضاف أن “الحكومة اتخذت إجراءات عدة ومهمة في هذا الخصوص، سواء على المستوى القانوني والتشريعي أو الاقتصادي والاجتماعي، وكذلك على مستوى الشراكات الدولية”.

ويتطلع الموريتانيون إلى أن تسهم عائدات ثروة البلاد من الغاز، في تحسين ظروفهم المعيشية وتوفير فرص عمل.

ويعد صندوق الهيدروكربونات الوطني المملوك للدولة، الذي ينشط في مجال استكشاف وتطوير وتشغيل وتسويق النفط والغاز، خزينة مهمة لجميع إيرادات الدولة.

العملة الصعبة

ويتوقع أن تسهم عائدات الغاز في إنعاش الاقتصاد الموريتاني، ورفع احتياطات البلاد من العملة الصعبة؛ إذ أن احتياطي البنك المركزي الموريتاني من العملة الصعبة لم يتجاوز في الفترة الأخيرة 1.15 مليار دولار نهاية.

وتحاول موريتانيا تعزيز معدلات النمو إلى ما فوق 7 % بعد سنوات من التراجع الحاد، إذ اتخذت قرارا منذ 2018 بإشراك القطاع الخاص في المشاريع الاستراتيجية الحكومية.

ولذلك تراهن على إحداث قفزة في قطاع الطاقة وتحفيز الشركات على الاستثمار في المجال، وإقامة شراكات جديدة بهدف التحول من مرحلة الاكتفاء الذاتي إلى مرحلة التسويق خارجياً.

وعانت البلاد خلال السنوات الماضية أزمةً ماليةً جعلتها تلجأ مرارا إلى الاقتراض الخارجي، في ظل ركود محركات النمو الاستراتيجية؛ نتيجة موجة الجفاف التي تضرب شمال إفريقيا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى