المقالاترئيسيةسلايدر الرئيسيةمقالاتنفط

مقال-أنس الحجي يكتب لـ”الطاقة”: دروس في الذكرى 12 لأعلى سعر في تاريخ النفط: 147.27 دولار للبرميل

كانت فترة تاريخية تضافرت فيها عدة عوامل لم تحصل من قبل، وقد لاتتكرر

خاص-الطاقة

د. أنس الحجي*

في مثل هذا اليوم، 11 يوليو/تموز، من عام 2008، ارتفعت أسعار النفط لتصل إلى أعلى مستوى لها في التاريخ: 147.27 دولار للبرميل، إلا أن السوق أغلقت في هذا اليوم على سعر 145.08 دولار للبرميل، كما هو موضح في الرسم البياني. ثم انخفضت الأسعار بعد ذلك بسبب تراجع نمو الطلب على النفط، ثم حدثت أزمة العقارات الأميركية وحالة الكساد التي تلتها، فانخفضت الأسعار إلى حوالي 35 دولارا للبرميل.

ما لذي أدى إلى ارتفاع الأسعار بهذا الشكل الذي فاق كل التوقعات؟ وهل هذه الأسعار المرتفعة مفيدة للدول النفطية بشكل عام ودول الخليج بشكل خاص؟ وما هي الدروس المستفادة من ارتفاع أسعار النفط الصاروخي ثم هبوطها النيزكي؟ وهل غيرت هذه الأسعار المرتفعة من نظرة الدول المنتجة لأسواق النفط؟ وهل غيرت من سلوكيات حكومات الدول النفطية؟ ما الأخطاء التي حصلت وقتها لتلافيها في المستقبل؟ أسئلة كثيرة… ولا يمكن الإجابة عليها كلها في مقال واحد، ولكن نذكرها بحكم المناسبة اليوم.

عشر سنوات للوراء

لا يمكن فهم ماحدث في عام 2008، دور الرجوع حوالي 10 سنوات للوراء. فانهيار أسعار النفط في عامي 1998 و 1999 زرع البذرة للارتفاع الكبير لاحقا، ثم تضافرت عدة أمور حولت البذرة إلى شجرة فتية، ثم تحولت إلى شجرة ضخمة جدا! وقبل الدخول في التفاصيل، لنشرح أولا ما حصل في 1998 و 1999.

أقرت أوبك زيادة الإنتاج بكمية كبيرة في 1997، وهو قرار يعد من أكبر الأخطاء في تاريخ أوبك، ثم توالت الكوارث بعدها حيث حصلت الأزمة المالية التي ضربت الاقتصادات الآسيوية ضربة قوية نتج عنها انخفاض كبير في الطلب على النفط، فانخفضت أسعاره. وزاد الطين بلة توالي شتائين دافئين، ثم سمح الرئيس الأميركي بيل كلينتون بتصدير نفط آلاسكا مباشرة إلى الدول الآسيوية ليتنافس مباشرة مع النفوط الخليجية في سوق مشبع ويعاني من فائض كبير. كما أسهمت عودة النفط العراقي إلى الأسواق من خلال برنامج الأمم المتحدة المسمى “النفط مقابل الغذاء” إلى الضغط على الأسعار أيضا.  كل هذه الأمور خفضت أسعار النفط إلى مادون 10 دولارات للبرميل، ونتج عن ذلك انخفاض كبير في الاستثمار في صناعة النفط، وانخفض عدد الحفارات حول العالم، وتم تسريح عشرات الألوف من العمال، وأفلست بعض الشركات، بينما تمت في تلك الفترة واحدة من أكبر عمليات الدمج في تاريخ الصناعة. بالمقابل، تمتع الاقتصاد الأميركي بأطول فترة نمو في تاريخه في فترة مابعد الحرب العالمية الثانية، وارتفع الطلب على النفط.

ثم قامت أوبك بتخفيض الإنتاج مرتين، وبكميات كبيرة.  لهذا فإن النتيجة الفعلية لما حصل هو ارتفاع الأسعار لاحقا.  ومازاد من تفاقم الوضع هو أن السعودية قامت بإلغاء بعض مشاريع توسعة الطاقة الإنتاجية في عام 1999، ليس بسبب انخفاض الأسعار كما ادعى البعض، ولكن لأن بعض المستشارين الغربيين وبيوت الخبرة العالمية حذروا السعودية من هذا الاستثمار لأن دول وسط آسيا ستغرق الأسواق بعد الاكتشافات النفطية الضخمة فيها. ولكن هذا لم يحصل، ولم تتم زيادة الإنتاج إلا في العامين الماضين، أي بعد عشرين عاما!

الغريب في الأمر أن الذي ألقوا باللوم على السعودية عندما ارتفعت الأسعار في عامي 2007 و 2008، هم نفس المستشارين الذين قالوا للسعودية إن لا تستثمر في عام 1999. وبالتالي ينطبق عليهم المثل “رمتني بدائها وانسلت”.

ولا يمكن تجاهل دور غزو الولايات المتحدة للعراق واحتلالها له. فقد استمرت الأسعار بالارتفاع في الشهور الأولى من 2003. ورغم أن الأسعار انخفضت ابتداء من يوم الغزو، إلا أن خسارة النفط العراقي وعدم القدرة على زيادته إلا بعد سبع سنوات أثر في أسواق النفط، وإن كان الأثر صغيرا مقابل التغيرات الكبيرة في الطلب في تلك الفترة.

دور الصين والعجز في إمدادات الكهرباء

رافق ما سبق أمرين مهمين لم يلقيا اهتماما من الخبراء والمحللين. الأول أن “العولمة” واتفاقيات منظمة التجارة العالمية في التسعينيات بدأت تأتي أكلها في بداية الألفية، وبدأ استهلاك الصين والدول الآسيوية من النفط بالزيادة، حتى تحولت الصين إلى مستورد صاف في 2004، وهذا التحول قلب الموازين في أسواق النفط العالمية، حيث استمرت واردات الصين بالزيادة حتى أصبحت أكبر مستورد للنفط في العالم. المشكلة أن الصين كانت تعاني من عجز كبير في الكهرباء، بينما كانت تحاول إغراء الشركات العالمية والمستثمرين بالقدوم للصين. وكان من ضمن الإغراءات ضمان إمدادات الكهرباء، على حساب المصانع الصينية، الأمر الذي أجبر المصانع الصينية على توليد الكهرباء بنفسها عن طريق المولدات الخاصة، وهو ما نتج عنه زيادة كبيرة في الطلب على الديزل، ولكن لم يستطع المحللون وقتها معرفة أسبابه.

الثاني هو العجز في الكهرباء أثناء شهور الصيف في عدد لا بأس به من الدول النفطية، الأمر الذي نتج عنه زيادة حرق النفط وزيت الوقود في محطات الكهرباء على حساب الصادرات (أو صافي الصادرات في الدول التي تستورد زيت الوقود)، فزاد الطلب المحلي على النفط بينما نقص المعروض العالمي على النفط. ومع ارتفاع أسعار النفط في عامي 2005 و 2006، وانتعاش اقتصادات الدول النفطية، والتوسع العمراني في بعض الأماكن، خاصة في دبي والشارقة وعجمان، حصل عجز كبير في الكهرباء، ولم يستطع أصحاب المباني الحصول على الكهرباء، فكان الحل هو استيراد مولدات ضخمة تعمل بالديزل، فارتفع الاستهلاك المحلي، والذي عني في النهاية زيادة في الطلب العالمي على النفط، في وقت لم تتوسع فيها الصادرات بشكل يفي بهذا الطلب، فاستمرت أسعار النفط بالارتفاع.

ومع ارتفاع أسعار النفط ووصولها إلى 80 دولارا للبرميل، كان المفروض أن تنخفض مرة أخرى لأن المعتقد الشائع أن ارتفاع الأسعار بهذا الشكل يؤدي إلى ركود أو كساد اقتصادي، فينخفض الطلب وتنخفض معه أسعار النفط. ولكن ذلك لم يحدث، بل استمرت أسعار النفط بالارتفاع، واستمر الاقتصاد العالمي بالنمو بمعدلات عالية، خاصة في الولايات المتحدة والصين والهند. لماذا؟  لماذا أصر الاقتصاديون وقتها أن الكساد قادم لامحالة، ولكن لم يحدث ذلك؟  حتى الانهيار المالي الذي حصل في أواخر 2008 لم يكن له علاقة بالنفط إطلاقاً، وإنما بقطاع العقار الأميركي والفساد الإداري الضخم في البنوك الممولة.

لماذا لم يؤثر ارتفاع اسعار النفط في النمو الاقتصادي بين 2003 و 2008؟

كانت هذه الفترة ذهبية بكل معنى الكلمة ولم تحدث في التاريخ، وقد لاتتكرر. فهي الفترة الوحيدة في التاريخ التي حصلت فيها كل هذه الأمور معا: ارتفاع الدخول، ارتفاع معدلات الاستهلاك، ارتفاع الإنفاق الحكومي، ارتفاع الإنفاق العسكري والأمني (بعد حادثة 11 سيتمبر في 2001 واحتلال أفغانستان والعراق)، انخفاض الضرائب، انخفاض اسعار الفائدة وانخفاض الدولار.  ولو نظرنا إلى الصين والهند بالذات نجد أن السياسات التحفيزية المالية والنقدية كانت قوية جدا، الأمر الذي دعم اسعار النفط من جهة، ومنعها من التأثير سلبيا على الاقتصاد من جهة أخرى. وإذا عرف السبب، بطل العجب!

الذي لا يختلف في اثنان هو أن زيادة الاستهلاك والدخول والإنفاق الحكومي وتخفيض الضرائب وأسعار الفائدة يرفعون معدلات النمو الاقتصادي.  فبفرض أن هناك أثاراً سلبية لأسعار النفط، فإنه من الواضح أن الآثار الإيجابية لهذه السياسات كانت أكبر بكثير من الآثار السلبية لارتفاع أسعار النفط، ويؤكد ذلك النماذج الرياضية والتحليلات الاحصائية.  أما المقولة بأن كل مرحلة ركود أو كساد سبقها ارتفاع في أسعار النفط، بمعنى أن ارتفاع أسعار النفط هو السبب، فهي غير دقيقة، لأنه سبقها أيضاً انخفاض في الإنفاق الحكومي، أو ارتفاع في أسعار الفائدة، أو ارتفاع في الضرائب، أو مزيج من هذه السياسات.

خلاصة الأمر أن بذرة الأسعار المرتفعة زرعت قبل 10 سنوات من الذروة، تم نمت وترعرعت بفعل زيادة التجارة العالمية وما حصل في الصين والدول النفطية، ثم قامت السياسات المالية والنقدية لأغلب الدول بدعم أسعار النفط ومنعها من التأثير سلبيا في النمو الاقتصادي.  إلا أنه كان هناك تطورات أخرى أوصلت الأسعار إلى أعلى مستوى تاريخي لها 147.27 دولار للبرميل.

لمواجهة الطلب المتزايد على النفط والارتفاع الضخم بالأسعار، قامت كل الدول بزيادة إنتاجها إلى أقصى حد ممكن. مع تلاشي الطاقة الإنتاجية الفائضة، فقدت السعودية وحلفائها قدرتها على التحكم بأسواق النفط، فزادت المضاربات في السوق. لهذا سمعت مسؤولا سعوديا كبيرا يقول: never again  ويقصد أن السعودية لن تقوl باستخدام كامل طاقتها الإنتاجية في المستقبل مهما ارتفعت الأسعار، لأن وجود طاقة إنتاجية فائضة يعطي المملكة القدرة على التصرف وقت الأزمات، وتصبح هذه الطاقة الفائضة سيفا مسلطاً على رؤوس المضاربين. من هنا نعرف أهمية توسيع الطاقة الإنتاجية لأرامكو إلى 13 مليون برميل يوميا، ونفهم الدور الكبير للطاقة الإنتاجية الفائضة والدور الهام للسعودية في أسواق النفط العالمية.

عندما ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات تاريخية، عقد اجتماعين على أعلى المستويات بين الأميركيين والسعوديين في المزرعة الخاصة للرئيس الأميركي آنذاك جورج دبليو بوش. الأميركيون لم يتصلوا بالروس أو الكنديين، بل اتصلوا بالرياض.  وعندما ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات تاريخية، حصل اجتماع جدة، والذي حضره رئيس وزراء بريطانيا وقتها لمناقشة طرق زيادة الإنتاج.  لم يكن الاجتماع في موسكو أو أوتاوا.

أهم الدروس من الارتفاع التاريخي للأسعار

  • هناك فهم خاطئ للعلاقة بين أسعار النفط والنمو الاقتصادي في الدول المستهلكة. إلا أنه لا يوجد دعم لهذا النوع من البحوث حيث أن من صالح السياسيين في الغرب لوم الدول النفطية على فشل سياساتهم الاقتصادية.
  • تستطيع الدول المستهلكة أن تلغي الأثر السلبي لارتفاع أسعار النفط بعدة سياسات نقدية ومالية. وعلى دول أوبك تشجيع هذا النوع من البحوث لدعم أسعار النفط من جهة، وتخفيف العداء ضدها من جهة أخرى.
  • الانخفاض الكبير في اسعار النفط يضر بجميع الأطراف، بالمنتجين على المدى القصير والمستهلكين على المدى الطويل. لهذا فإن أي أفكار تتعلق ب “استقلال الطاقة” هي أفكار خاطئة لاتتعدى كونها شعارات سياسية.
  • التركيز على الأثار البعيدة المدى لانخفاض الاستثمارات في صناعة النفط، وهذا أمر يتعلق بالفترة الحالية، حيث أن النخفاض الحالي بذر بذرة الأسعار المرتفعة في الشهور الماضية.
  • التنسيق بشكل شامل ومتكامل للسياسات الاقتصادية في أي بلد لتلافي العجز في الكهرباء كما حصل في الصين وبعض دول الخليج، والتي كان لها آثار محلية وعالمية.
  • ضرورة احتفاظ السعودية بطاقة إنتاجية فائضة لاستخدام “جزء” منها وقت الطوارئ وليس كلها.
  • العبرة في وجود الطاقة الإنتاجية الفائضة وليس حجم الإنتاج. رغم أن إنتاج روسيا أكبر من السعودية في السنوات الأخيرة، إلا أن الكل يعترف بالدور الاستراتيجي للمملكة بسبب طاقتها الانتاجية الفائضة من جهة، ومرونتها في تغيير مستويات الإنتاج والصادرات من جهة أخرى.

* خبير دولي في أسواق الطاقة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى