التقاريررئيسيةسلايدر الرئيسية

روسيا والصين والقطب الشمالي.. تحالف حقيقي أم زواج مصلحة؟

موسكو تعدّ المنطقة فناءً خلفيًّا وتسعى للسيطرة على ثروات النفط والغاز

خاص- الطاقة

اقرأ في هذا المقال

  • انحسار الجليد جعل الأنظار تتجه إليه كمنطقة ذات أهمية اقتصادية وجيوسياسية واعدة
  • الكرملين يهدف لتطوير طرق الشحن نحو أوروبا الغربية عبر القطب الشمالي
  • الصين بدأت التعاون داخل عباءة روسيا لكنها لا تكتفي بهذا الدور
  • بيجين تزيد نفوذها تدريجيا للحصول على نصيب أكبر من الكعكة
  • الحكومة الصينية تقيم علاقات وثيقة مع الدول المطلة على القطب الشمالي لإضعاف القبضة الروسية

هل تستمرّ الشراكة الإستراتيجية بين روسيا والصين في القطب الشمالي، بحثًا عن ثروات الطاقة من نفط وغاز، في إطار تعاوني وتكاملي يغلّفه دفء العلاقات خلال السنوات الأخيرة بين البلدين؟ أم أنه سيصبح في نهاية المطاف ساحة منافسة بل وخلافًا بين موسكو والصين؟ هل ما يحكم العلاقات الصينية الروسية الآن هو تحالف إستراتيجي حقيقي أم مجرّد زواج مصلحة؟ هل ينجح الدور الصيني المتنامي في المنطقة وتشكيل علاقات وثيقة مع الدول المطلّة على القطب الشمالي في تحقيق التوازن الجيوسياسي في المنطقة التي طالما هيمنت عليها موسكو منذ فترة وعَدّتها فناءً خلفيًا لها؟ وهل روسيا مستعدّة لمواجهة أيّ منافسة مباشرة من جانب الصين بإمكاناتها المادّية الهائلة؟

هذه بعض أسئلة عديدة حاولت الإجابة عنها دراسة حديثة نشرتها صحيفة (ذا دبلومات)، تسلّط الضوء على القطب الشمالي الذي تتّجه إليه الأنظار حاليًا كونه منطقة ثريّة بالموارد الطبيعية، لاسيّما النفط والغاز.

قالت الدراسة: إن إذابة وانحسار الجليد في القطب الشمالي زادت من أهمّيته الجيوسياسية، وقدرته الاقتصادية المحتملة، مشيرةً إلى بروز روسيا والصين لاعبين رئيسين في مستقبل المنطقة.

وأضافت الدراسة: “تمثل شراكتهما في شؤون القطب الشمالي، بشكل رسمي وغير رسمي، مكوّنًا مهمًّا لفهم التوازن الإستراتيجي طويل المدى في القطب الشمالي”.

وفي هذا السياق، رأت الدراسة أن ” التعاون بين الصين وروسيا في السنوات الأخيرة يضيف تعقيدًا مثيرًا للاهتمام إلى الجغرافيا السياسية في القطب الشمالي، حيث ينقسم الخبراء حول ما إذا كان دفء العلاقات الصينية الروسية هو تحالف إستراتيجي حقيقي أم مجرّد زواج مصلحة”.

ويشير أنصار الرأي الأوّل إلى الاتّفاقيات العديدة الموقّعة بين البلدين – التي تخلّلتها الصداقة الشخصية لزعيمي البلدين – وسُجّل التصويت المشترك للجانبين في مجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة.

أمّا أنصار الرأي الآخر، فيرون أن روسيا والصين غالبًا ما يكون لديهما أهداف متباينة، بالرغم من المصالح المشتركة ويظلّان غير واثقين في نوايا بعضهما.

وفيما يتعلّق بالانخراط الروسي في المنطقة، قالت الدراسة: إن لروسيا مصلحتان اقتصاديتان رئيسيتان في القطب الشمالي، أولاهما أن روسيا في وضع رئيس مهمّ، يسمح لها باستغلال نفط المنطقة وغازها الطبيعي.

ويقع نحو 70 % من احتياطيات روسيا على الجرف القاري قبالة سواحلها -لاسيّما في القطب الشمالي- ووضعها كأكبر مورّد للنفط والغاز الطبيعي في العالم يجعلها لاعبًا رئيسًا لاستغلال المزيد من الاحتياطيات في المياه الدولية.

وتتمثّل المصلحة الثانية- بحسب الدراسة-  في أن روسيا تتمتّع بموقع جيّد جغرافيًّا ولوجستيًا لتكون لاعبًا مهمًا في تطوير طرق الشحن عبر القطب الشمالي، حيث يفتح انحسار الجليد البحري تلك الطرق بشكل دائم. ويمثّل هذا في المقام الأوّل، حلقة وصل للشحن بين شرق آسيا وأوروبا الغربية، حيث تعمل موانئ روسيا ومرافق الدعم على طول الطريق.

وبالنسبة للصين، يمثّل القطب الشمالي إحدى المناطق العديدة التي يحاول من خلالها بناء نفوذ وصقل صورتها كقوّة عالمية. فقد أطلقت الصين على نفسها اسم “شبه دولة قطبية”، وترى أنه نظرًا لقربها نسبيًا من القطب الشمالي، فإن التغيّرات في القطب الشمالي لها تأثيرات واضحة في اتّجاه المصبّ على الصين، وبالتالي على مصالحها الاقتصادية في الزراعة والغابات ومصايد الأسماك والصناعة البحرية وقطاعات أخرى.

في السياق ذاته، اتّخذت بيجين إجراءات انفرادية وتعاونية لتحقيق طموحاتها وإضفاء الشرعية على دورها في القطب الشمالي. فقد خصّصت بمفردها موارد كبيرة لإجراء العديد من بعثات البحث العلمي. ففي منتصف أكتوبر / تشرين الثاني، انطلقت أوّل كاسحة جليد محلّية، شيويه لونغ 2 ( Xuelong 2 )، في رحلتها الأولى للمشاركة في البعثة ال36 لبيجين إلى القارّة القطبية الجنوبية، وسوف تتوقّف في ميناء بجنوب إفريقيا، قبل أن تعود إلى موطنها.

وفي ظلّ هذه الأجواء- بحسب الدراسة- يعدّ التعاون الصيني – الروسي في القطب الشمالي ترتيبًا عمليًا، بل ومتبادل المنفعة لكلا الجانبين، حيث تمتلك روسيا القرب الجغرافي والخبرة لتطوير طريق البحر الشمالي، وتمتلك الصين الوسائل الاقتصادية لدعم هذا المسعى.

غير أن الدارسة قالت: “ما قد يغيّر المدّ في علاقتهما على المدى الطويل هي مؤشّرات على أن الصين تؤمّن شراكتها الروسية بخيارات أخرى -مثل تطوير كاسحة الجليد الأصلية، وبناء علاقات ثنائية مع دول القطب الشمالي الأخرى- مع الحفاظ على مكانتها الاقتصادية المتفوّقة”.

وفي الوقت نفسه، تواجه روسيا مشروعات فتح طرق في القطب الشمالي، والتي تفتقر حاليًا إلى رأس المال الكافي لتشكيلها والسيطرة عليها.

في حين أن قابلية تنفيذ ونجاح طريق البحر الشمالية على المدى القصير، تظلّ موضع جدل ونقاش ، فإن الأمر المؤكّد هو التموضع الإستراتيجي للصين لدفع التنمية القطبية، وإلقاء الضوء على مطالبتها بالموارد تحت السطح.

علاوة على ذلك، من المرجّح أن يؤدّي وجود بيجين المتنامي في الشرق الأقصى الروسي إلى تفاقم بطيء، لكنه ثابت في تضارب المصالح، وفقًا لما خلصت إليه الدراسة.

ونظرًا للمسار الحالي،  فإن دور الصين المتنامي في المنطقة القطبية الشمالية قد يتحوّل إلى منافسة مباشرة مع روسيا، وهو تحدٍّ تبدو موسكو غير مستعدّة لمواجهته.

 

فيما يلي نص الدراسة:

 

في أواخر فبراير/شباط ، نجحت كاسحة الجليد الروسية، كابيتان درانيتسين ، في تنفيذ مهمة قياسية في إطار بعثة موسايك (MOSAiC) البحثية الدولية التي تمثل 20 دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة والصين وروسيا.

بصفتها مشغل لأكبر أسطول من كاسحات الجليد الرئيسية في العالم، أصبح احتكار روسيا لعمليات كسح الجليد إلى حد كبير دون منازع.

ومع ذلك، فإن كاسحة الجليد الجديدة في الصين، شيويه لونغ 2 ( Xuelong 2 ) التي من المقرر أن تعود إلى البلاد في أبريل/نيسان من رحلتها الأولى، ستساعد أيضا في البعثة الدولية.

بينما تتمتع روسيا منذ فترة طويلة بالهيمنة في القطب الشمالي ، فإن الوجود والتأثير المتزايد للدول الأخرى – وعلى الأخص الصين – يشيران إلى تحول في الأفق، لا يشمل بالضرورة الولايات المتحدة.

تنافس الرؤى الاستراتيجية لروسيا والصين في القطب الشمالي

وفيما تزيد إذابة القطب الشمالي من أهميته الجيوسياسية وقدرته الاقتصادية المحتملة، برزت روسيا والصين كلاعبين رئيسيين في مستقبل المنطقة. وتمثل شراكتهما في شؤون القطب الشمالي، بشكل رسمي وغير رسمي، مكونًا مهمًا لفهم التوازن الاستراتيجي طويل المدى في القطب الشمالي.

انخراط روسيا وتدخلها في المنطقة أمر متوقع، باعتبارها واحدة من الدول الثماني التي لديها أراض فوق الدائرة القطبية الشمالية – وأراضيها الشاسعة التي تمتد آلاف الأميال على الساحل. كانت مشاركة موسكو كبيرة وطويلة الأمد ، حيث دعت روسيا إلى تطوير طريق البحر الشمالي على طول ساحل سيبيريا كبديل للطرق الجنوبية عبر قناة السويس والاستثمار في بناء كسارات الجليد القادرة على العمل في محيط القطب الشمالي.

الصين هي لاعب أقل وضوحا في القطب الشمالي، حيث تبعد أقرب أراضيها 5000 ميل عن طريق البحر الشمالي من مضيق بيرينغ. ومع ذلك، ضغطت الصين في السنوات الأخيرة من أجل دور أكبر في شؤون القطب الشمالي ، لتصبح واحدة من المراقبين الدائمين الثلاثة عشر لمجلس القطب الشمالي عام 2013.

وفي عام 2018، أصدرت الصين ورقة رسمية تحت عنوان “سياسة الصين حول القطب الشمالي” – وهي خطوة تشير في حد ذاتها إلى نية الدولة للعب دور أكبر في المنطقة، حيث تحدد أولوياتها في القطب الشمالي وتصف نفسها بأنها “دولة شبه قطبية”.

يضيف التعاون بين الصين وروسيا في السنوات الأخيرة تعقيدًا مثيرًا للاهتمام إلى الجغرافيا السياسية في القطب الشمالي. وينقسم الخبراء حول ما إذا كان دفء العلاقات الصينية الروسية هو تحالف استراتيجي حقيقي أم مجرد زواج مصلحة.

يشير أنصار الرأي الأول إلى الاتفاقيات العديدة الموقعة بين البلدين – التي تخللتها الصداقة الشخصية لزعيمي البلدين – وسجل التصويت المشترك للجانبين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

أما أنصار الرأي الآخر فيرون أن روسيا والصين غالبًا ما يكون لديهما أهداف متباينة  بالرغم من المصالح المشتركة ويظلان غير واثقين في نوايا بعضهما البعض.

في هذه الورقة البحثة، نركز على التوقعات طويلة المدى للعلاقة الصينية الروسية فيما يتعلق بالقطب الشمالي.

الجهود الروسية الصينية في القطب الشمالي

ربما يكون تدخل روسيا في القطب الشمالي واهتمامها بطريق البحر الشمالي غني عن القول ، مع وجود أكثر من 24000 ميل من الساحل فوق الدائرة القطبية الشمالية، وتاريخها الذي يمتد لقرون في المنطقة.

لروسيا مصلحتان اقتصاديتان رئيسيتان في القطب الشمالي، أولها أن روسيا في وضع رئيسي مهم يسمح لها باستغلال نفط المنطقة وغازها الطبيعي. يقع نحو 70 في المائة من احتياطيات روسيا على الجرف القاري قبالة سواحلها (لاسيما في القطب الشمالي) ووضعها كأكبر مورد للنفط والغاز الطبيعي في العالم يجعلها لاعبًا رئيسيًا لاستغلال المزيد من الاحتياطيات في المياه الدولية.

وتتمثل المصلحة الثانية في أن روسيا تتمتع بموقع جيد جغرافيًا ولوجستيًا لتكون لاعبًا مهمًا في تطوير طرق الشحن عبر القطب الشمالي حيث يفتح انحسار الجليد البحري تلك الطرق بشكل دائم. ويمثل هذا في المقام الأول حلقة وصل للشحن بين شرق آسيا وأوروبا الغربية، حيث تعمل موانئ روسيا ومرافق الدعم على طول الطريق.

ومع ذلك ، يمكن أن تمثل مثل هذه التطورات أيضًا نعمة للتنمية في سيبيريا. تاريخياً، تحسرت روسيا على حقيقة أن جميع الأنهار الرئيسية في سيبيريا تتدفق شمالاً إلى المحيط المتجمد الشمالي بدلاً من الجنوب لري صحاري آسيا الوسطى. وخلال العهد السوفييتي ، كانت المشاريع الهندسية الضخمة تستخدم الأسلحة النووية لإعادة توجيه الأنهار في مراحل التخطيط لعقود قبل أن يتم التخلي عنها في نهاية المطاف في الثمانينيات.

وبالرغم من وجود مستويات منخفضة من الشحن على هذه الأنهار حاليا، بمساعدة أسطول من كاسحات الجليد القائمة على النهر، فإن تراجع الجليد في القطب الشمالي بالتزامن مع تطوير الموانئ الحديثة وممرات الشحن لدعم طريق البحر الشمالي يمكن أن يوفر منفذاً مربحًا للموارد غير المطورة في سيبيريا.

ومن منظور الصين، يمثل القطب الشمالي إحدى المناطق العديدة التي يحاول من خلالها بناء نفوذ وصقل صورتها كقوة عالمية. أطلقت الصين على نفسها اسم “شبه دولة قطبية”، وترى أنه نظرًا لقربها نسبيًا من القطب الشمالي ، فإن التغيرات في القطب الشمالي لها تأثيرات واضحة في اتجاه المصب على الصين وبالتالي على مصالحها الاقتصادية في الزراعة والغابات ومصايد الأسماك والصناعة البحرية وقطاعات أخرى.

في عام 2017، أعلنت الصين ما أسمته (طريق الحرير القطبي)، وهو أحد مكونات مبادرة الحزام والطريق العالمية، كإطار للتعاون مع الأطراف الأخرى لتطوير طرق الشحن في القطب الشمالي بشكل مشترك.

اتخذت بيجين إجراءات انفرادية وتعاونية لتحقيق طموحاتها وإضفاء الشرعية على دورها في القطب الشمالي. خصصت الصين بمفردها موارد كبيرة لإجراء العديد من بعثات البحث العلمي. ففي منتصف أكتوبر/تشرين الثاني، انطلقت أول كاسحة جليد محلية، شيويه لونغ 2 ( Xuelong 2 )، في رحلتها الأولى للمشاركة في البعثة ال36 لبيجين إلى القارة القطبية الجنوبية وسوق تتوقف في ميناء بجنوب إفريقيا قبل أن تعود إلى موطنها.

تعمل شيويه لونغ 2 كمنصة بحثية، وهي مجهزة بأحدث نظم الخرائط والرصد لإجراء مسوحات قاع البحر والموارد، ما سيعزز الدبلوماسية العلمية للصين في القطبين الشمالي والجنوبي. وتعد الصين مشارك نشط في مجلس القطب الشمالي واستثمرت في العلاقات الثنائية مع دول القطب الشمالي وأصحاب المصلحة الآخرين لحشد الدعم لمبادراتها.

في السنوات الأخيرة، لفتت الزيادة الملحوظة في التعاون الصيني-الروسي في القطب الشمالي انتباه المراقبين. ومن المؤكد أن التقارب في المصالح الاقتصادية لتطوير التجارة في القطب الشمالي هو عامل في  دفء العلاقة بينهما، لكنه لا يفسر بشكل كامل التحول المفاجئ نسبيًا من المنافسة إلى التعاون في هذا المجال.

من المنافسة إلى التعاون

لطالما كانت روسيا مهتمة بشكل خاص بممارسة السيطرة على مجال نفوذ مادي محدد على نطاق واسع. يأتي ذلك على خلفية قرون من الغزو، وقد تجلى ذلك مؤخرًا في مغامرات من دونباس إلى جزر الكوريل.

على هذا النحو، تنظر روسيا بعين الريبة إلى طموحات الصين الاقتصادية في المنطقة. وفي عام 2012، منعت روسيا السفن الصينية من العمل في طريق البحر الشمالي، ما دفع الصين إلى تعليق أنشطتها البحثية خلال حملتها القطبية الخامسة.

ولكن في العام التالي، وبالرغم من المقاومة الأولية من روسيا، منح مجلس القطب الشمالي صفة مراقب لست دول بما في ذلك الصين، وضم اليابان أيضًا، التي قد تكون قوة موازية للصين.

ومع ذلك ، تحولت حسابات روسيا بشكل كبير بين عامي 2013 و 2014. فقد تعاونت شركة نوفاتيك الروسية مع شركة البترول الوطنية الصينية (سي إن بي سي) في مشروع مشترك عام 2013 لتمويل مشروع يامال للغاز الطبيعي المسال في المنطقة القطبية الشمالية، والذي اشترت الشركة الصينية حصة 20 % منه.

وتوقعت الصين أن تتلقى ما لا يقل عن 3 ملايين طن متري من الغاز الطبيعي المسال سنويًا من مصنع يامال، سيتم نقلها عبر طريق البحر الشمالي إلى الأسواق الصينية.

وفي عام 2014 ، عندما تم فرض عقوبات دولية على روسيا بسبب ضمها شبه جزيرة القرم ، انحرفت موسكو بشكل حاد تجاه بيجين، عندما أوقف شركاء آخرين في مشروع يامال مثل إكسون موبيل وإيني التعاون. وتدخل صندوق طريق الحرير الصيني لشراء حصة 9.9 % في مشروع يامال، ليصل بذلك إجمالي حصة الملكية الصينية إلى 29.9 %.

كما تعززت العلاقات الودية بين روسيا والصين بالصداقة بين قادة البلدين. فمنذ عام 2013، التقى فلاديمير بوتين وشي جين بينغ أكثر من 30 مرة.

وخلال زيارة في يونيو/حزيران ، وقع الرئيسان أكثر من 20 مليار دولار في صفقات لتعزيز العلاقات الاقتصادية، بما في ذلك في القطب الشمالي ، مع خطط لزيادة حجم التجارة السنوية بين البلدين إلى 200 مليار دولار في السنوات المقبلة.

في عام 2018 ، طرحت الصين طريق الحرير القطبي ، تحت مظلة مبادرة الحزام والطريق الأوسع، كإطار لتسهيل التطوير المشترك للقطب الشمالي. وتسعى بيجين لاستخدام طريق البحر الشمالي لتنويع خيارات طرق الشحن وتقليل وقت النقل بين وجهات معينة.

وبالنسبة لروسيا، يمثل الطريق فرصة لتصبح قوة تجارية بحرية رئيسية لأول مرة في التاريخ . ومن المتوقع أن يعمل طريق الحرير القطبي كوسيلة لزيادة الاستثمار والتعاون بين الصين وروسيا في بناء البنية التحتية القطبية الشمالية لدعم النقل التجاري واستكشاف الموارد على طول طريق البحر الشمالي.

التحديات المستقبلية للعلاقات الروسية-الصينية

بالرغم من العلاقات الوثيقة التي لا يمكن إنكارها بين روسيا والصين منذ عام 2014 ، فإن تطور المصالح المتبادلة قد يؤدي إلى تحولات في السنوات المقبلة من أجل تحقيق التوازن في علاقاتهما.

كما يشير يون صن، الخبير الصيني في مركز ستيمسون، ربما صاغ الصينيو “طريق الحرير القطبي”، ولكن الفكرة نشأت من دعوة روسية لتطوير طريق البحر الشمالي بشكل مشترك في وقت مبكر من عام 2015.

وبالرغم من تشارك كلا الجانبين الأسباب لتطوير الطريق ، إلا أنها ذات أولوية اقتصادية بالنسبة لروسيا أكثر من الصين، ما يمنح الصين المزيد من النفوذ لتشكيل النتائج. ويزعم صن أن “روسيا كانت تعمل من موقع ضعف في تطوير طريق البحر الشمالي، في حين أن الصين تعمل من موقع قوة”.

ومن المرجح أن تستمر شهية الصين لموارد الطاقة في النمو ، ولكن اعتمادها على روسيا كمورد ليس مضمونًا، وفي الواقع ، فإن القدرة التصديرية لروسيا ليست بلا حدود.

وفي حين أن دفء العلاقات الصينية الروسية أوجد علاقة اقتصادية مفيدة للطرفين، فإن اختلال التوازن في العلاقة يميل بشكل متزايد إلى الصين. فبعد عام 2014 ، حيث كانت روسيا تبحث بشدة عن أسواق تصدير بديلة إلى أوروبا ، تمكنت الصين من التفاوض بشأن امتيازات كبيرة على صعيد واردات الغاز الطبيعي، ووقعت اتفاقية تشترط أن تكون 80 % من المعدات المستخدمة في مشروع يامال من إنتاج الصين. بالإضافة إلى ذلك ، تسعى الصين بنشاط لاستكشاف الغاز في بحر الصين الجنوبي بينما تضع الأساس لاستكشاف الموارد في القطب الشمالي.

وبينما يسلط العديد من المراقبين الضوء على الفوائد الأخرى لتطوير القطب الشمالي مثل أوقات العبور الأقصر وتنويع طرق التجارة ، تتركز اهتمامات الصين على المدى الطويل على المعادن النادرة وموارد الطاقة في القطب الشمالي.

وعلى هذا النحو ، أعادت بيجين مؤخرًا تنظيم هيكلها الإداري لتعزيز موقعها في طليعة استكشاف القطب الشمالي. وفي مارس/أذار 2018 ، أعلنت الحكومة المركزية الصينية في وقت واحد عن حل ثلاثة أجهزة حكومية وإنشاء وزارة الموارد الطبيعية لتبسيط  وتسهيل إدارة موارد البلاد.

تمت إعادة تنظيم الإدارة الصينية للقطب الشمالي الصيني والقارة القطبية الجنوبية (سي أيه أيه) والمعهد الأول لعلوم المحيطات (أف آي أو)، اللذين كانا تابعين سابقًا لإدارة الدولة للمحيطات ، ليعملان تحت مظلة وزارة الموارد الطبيعية. وتم تكليف (سي أيه أيه) بتطوير استراتيجية وسياسة وطنية للبحوث القطبية ، ودعم البعثات البحثية القطبية ، وتنسيق التعاون القطبي مع الدول والمنظمات الدولية الأخرى.

وعلى نفس المنوال ، تم تكليف (أف آي أو) بتعزيز العلوم والتكنولوجيا البحرية وتقديم الدعم لإدارة الموارد البحرية، والأمن، والتنمية. في العام الماضي ، قاد المعهد التنسيق بشأن البعثة الصينية التاسعة للقطب الشمالي ، حيث تم تركيب أجهزة استشعار في جميع أنحاء القطب الشمالي لتوفير المراقبة المستمرة.
وعندما يصبح استكشاف الموارد أكثر قابلية للتطبيق ، تصبح المنافسة بين الصين وروسيا للحصول على هذه الموارد أكثر واقعية.

على الصعيد الدبلوماسي، وفي ورقة سياسة القطب الشمالي الخاصة بها وفي العديد من التدخلات القطبية الشمالية ، غالبًا ما تصف الصين قضايا القطب الشمالي بأنها شؤون عالمية و طريق البحر الشمالي كمياه دولية. وهذه ، بلا شك، طريقة لإضفاء الشرعية على مشاركتها.

ومع ذلك ، لا تزال روسيا تحمي حصصها في القطب الشمالي وتنظر بريبة إلى أي تدخل من الدول غير القطبية الشمالية. سيتم تضخيم هذه الآراء المتضاربة فقط عندما تصبح طرق القطب الشمالي والاستكشاف متاحة وممكنة بشكل متزايد.

كما أن التعاون في القطب الشمالي على مدى السنوات القليلة الماضية لا يخفف من الصراع الطويل الأمد بين البلدين في الشرق الأقصى الروسي. جزء من ذلك هو الضغوط الديموغرافية طويلة المدى. على النقيض من مئات الملايين من الصينيين الذين يعيشون في مناطق حدودية مزدحمة ، يبلغ حجم الشرق الأقصى الروسي ثلثي مساحة الصين بأكملها، ولكن يبلغ عدد سكانها بالكاد ستة ملايين نسمة وينخفض ​​بشكل مضطر.

وقد تم التعبير عن هذا الضغوط بكميات هائلة من الهجرة غير الشرعية ، والتوطين المستمر للمدن الحدودية مثل اقتران مانشولي/زبايكالسك، أكبر ميناء بري في الصين ، حيث اشترت الشركات الصينية نسبة كبيرة من الشركات على الجانب الروسي من الحدود.

بالإضافة إلى ذلك ، يتم استغلال الاحتياطيات الهائلة من الموارد الطبيعية في الشرق الأقصى الروسي إلى حد كبير عن طريق التصدير إلى الصين. على سبيل المثال ، يتم تصدير حوالي 200 مليون متر مكعب من الخشب بالقطارات كل عام من روسيا إلى الصين ، والذي يتم حصاده بالكامل تقريبًا في الشرق الأقصى. يمكن الاستشهاد بأرقام مماثلة تقريبًا لأي مواد خام تنتجها روسيا.

وهذا يجعل العلاقة بين روسيا والصين علاقة معقدة من الاعتماد المتبادل الاقتصادي الذي يتعارض مع القومية الشائكة. بعد كل شيء ، في حين أن ثروة الموارد الشرقية لروسيا لها قيمة اقتصادية هائلة للبلاد ، إذا تم استغلال هذه الموارد حصريًا من قبل منافس إقليمي ، فإنها لا توفر سوى القليل للتوقعات الاقتصادية لروسيا على المدى الطويل.

وبين الضغوط الديموغرافية والواقع الاقتصادي للشرق الأقصى الروسي كوقود للاقتصاد الصيني، فإن هذا يجعل المنطقة على المدى الطويل روسية اسما فقط.

من الواضح أن بيجين وموسكو تشتركان في اقتصاد قائم على تبادل المصالح ، ولكن وجهات نظرهم تختلف بشكل ملحوظ في المجال الأمني. تعتبر روسيا القطب الشمالي ساحتها الخلفية وأعلنت خططًا لتوسيع مظلتها الدفاعية الصاروخية لتعزيز الوعي بهيمنتها على المنطقة.

وتدعو الصين إلى الحفاظ على ممرات القطب الشمالي كمياه دولية لتعزيز المصالح الاقتصادية، مع الاستفادة من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج (مثل الأقمار الصناعية والبعثات العلمية) لتعزيز المصالح الأمنية.

الصين رسمت مسارها الخاص

حتى في الوقت الذي تفخر فيه بيجين وموسكو بشكل روتيني بمستويات التعاون العالية بينهما ، فإن الأولى تتخذ خطوات لتنويع خياراتها من خلال الاستثمار في القدرات المحلية والسعي للتعاون الثنائي خارج موسكو.

وبالإضافة إلى شيويه لونغ 2 ، أمرت بيجين في يونيو/حزيران 2018 ، بخطط لبناء أول كاسحة جليد نووية. وستجعل كاسحة الجليد النووية المقترحة التي تبلغ طاقتها 30 ألف طن من الصين الدولة الوحيدة إلى جانب روسيا لتشغيل كاسحات الجليد النووية. كما أنها ستكون أول مركبة على سطح البحر تعمل بالطاقة النووية في الصين، والتي يعتقد البعض أنها يمكن أن تكون بمثابة نقطة انطلاق نحو تطوير حاملات الطائرات النووية من طراز (تايب 003) وهي قيد الإنشاء الأولي حاليًا. الناقلات النووية لها قيمة مضافة مباشرة قليلة في المياه القريبة من الصين وتستخدم بشكل مثالي لإحباط أي تهديد في الخارج.

مع زيادة الاستثمارات والمصالح الصينية في القطب الشمالي ، يمكن أن تبرر الصين وجود الناقلة بأمثلة كالوجود الأميركي لحماية ممرات الشحن العالمية الحالية. وبالرغمن أن الصين قد ترى فتح القطب الشمالي كساحة معقولة لتأكيد نفوذها كقوة عظمى بحرية ناشئة، فإن مثل هذا التأكيد سيتناقض بشدة مع مزاعم روسيا تجاه المحيط المتجمد الشمالي كـ “بحيرة” روسية (على غرار المواقف الأمريكية حول شمال الأطلسي) . وهناك بالطبع  قدر من السخرية في حقيقة أن أصول برنامج الناقلة الصينية ترتكز على التصاميم والتكنولوجيا التي تم شراؤها من روسيا على مدى العقد الماضي.

وحاليا، تحتكر روسيا مرافقة كاسحات الجليد الموجهة عبر طريق البحر الشمالي، ما يسمح لها بتعيين الحدود والرسوم لكل عملية انتقال من هذا القبيل. واعترفت الشركات الروسية بالحاجة إلى استبدال كسارات الجليد القديمة وزيادة القدرة على دعم طريق البحر الشمالي بشكل أكثر قابلية للملاحة.

ومع ذلك، فإن التقدم في قدرات كاسحة الجليد الصينية وتجربة الملاحة في المناطق القطبية لن يقلل فقط من اعتمادها على مرافق كاسحات الجليد الروسية، بل يمكن أيضًا أن يوفر للصين فرصة التنافس على حصة في السوق مع روسيا.

بالإضافة إلى دعم التكنولوجيا والإنتاج المحلي، أقامت الصين علاقات وثيقة مع الدول المطلة على القطب الشمالي الأخرى إلى جانب روسيا لزيادة تطبيع وجودها في القطب الشمالي. على وجه الخصوص، كانت أيسلندا وغرينلاند وجهة لاستثمارات كبيرة من قبل بيجين. وبين عامي 2012 و 2017  شكلت الاستثمارات الصينية ما يقرب من 6 % من متوسط ​​الناتج المحلي الإجمالي لأيسلندا و 11.6 % من الناتج المحلي الإجمالي في غرينلاند. وقد دفعت درجة وأهداف الاستثمار الصيني المراقبين الدوليين إلى التحذير من النفوذ الصيني الضخم في هذه الاقتصادات ، فضلاً عن إمكانية قيام الصين بتعزيز مصالحها في القطب الشمالي من خلال “العمل من خلال” أيسلندا وغرينلاند.

ويمكن لشراكات بيجين المتزايدة مع أيسلندا وغرينلاند ودول القطب الشمالي الأخرى أن تقلل أيضًا من اعتمادها على التعاون الروسي على المدى الطويل ، وتعزيز موقف الصين التفاوضي من أجل إبرام صفقات اقتصادية مواتية مع جميع نظرائها في القطب الشمالي.

وتبدو هذه الإجراءات التي اتخذتها الصين منطقية بشكل خاص في ضوء مشاركتها الاقتصادية في الشرق الأقصى الروسي. إنها تعمل كقوة قطبية ، فبعدما أصبح الشرق الأقصى الروسي بشكل متزايد امتدادا لمجال النفوذ الصيني، أصبح لدى الصين بالفعل ساحل على القطب الشمالي.

خاتمة

في الوقت الحالي ، يعد التعاون الصيني – الروسي في القطب الشمالي ترتيبًا عمليًا بل ومتبادل المنفعة لكلا الجانبين – حيث تمتلك روسيا القرب الجغرافي والخبرة لتطوير طريق البحر الشمالي والصين تمتلك الوسائل الاقتصادية لدعم هذا المسعى. ما قد يغير المد في علاقتهم على المدى الطويل هي مؤشرات على أن الصين تؤمن شراكتها الروسية بخيارات أخرى (مثل تطوير كاسحة الجليد الأصلية، وبناء علاقات ثنائية مع دول القطب الشمالي الأخرى) مع الحفاظ على مكانتها الاقتصادية المتفوقة.

وفي الوقت نفسه، تواجه روسيا مشروعات فتح طرق بالقطب الشمالي، والتي تفتقر حاليًا إلى رأس المال الكافي لتشكيلها والسيطرة عليها.

في حين أن قابلية تنفيذ ونجاح طريق البحر الشمالية على المدى القصير تظل موضع جدل  نقاش ، فإن الأمر المؤكد هو التموضع الاستراتيجي للصين لدفع التنمية القطبية وإلقاء الضوء على مطالبتها بالموارد تحت السطح.

علاوة على ذلك ، من المرجح أن يؤدي وجود بيجين المتنامي في الشرق الأقصى الروسي إلى تفاقم بطئ لكنه ثابت في تضارب المصالح.

ونظرا للمسار الحالي،  فإن دور الصين المتنامي المنطقة القطبية الشمالية قد يتحول إلى منافسة مباشرة مع روسيا وهو تحدٍ تبدو موسكو غير مستعدة لمواجهته.

بالنسبة لسياسة القطب الشمالي الأميركية ، هناك خبر جيد وآخر سيء. الخبر السار هو أن التعاون بين الصين وروسيا في القطب الشمالي إلى حد كبير على السطح ومن المرجح أن يكون له سقف.

والخبر السيئ هو أنه دون تعزيز الوجود الأمني ​​والاستثمارات الاقتصادية بشكل كبير، فإن الولايات المتحدة ليست مستعدة لحماية مصالحها- ومصالح حلفائها في القطب الشمالي- ولن تكون في وضع يمكنها من ردع طموحات الصين وزيادة نفوذها.

أجرى الدراسة كل من : لينغ قوه وهي محللة استخبارات بارز في مؤسسة بوز ألن هاميلتون البحثية والاستشارية. وحصلت على شهادة في  العلوم السياسية و الأمن القومي جامعة فيرجينيا للتقنية.

الدكتور ستيفن لويد ويلسون أستاذ مساعد العلوم السياسية بجامعة نيفادا، رينو. وحصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة ويسكونسن-ماديسون عام 2016 ، ويعمل كمدير مشروع البنية التحتية للديمقراطية بجامعة غوتنبرغ.

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى