التقاريررئيسيةسلايدر الرئيسية

السعودية تتحرّك لاستعادة مركز الثقل نفطيًا إلى موطنه الأصلي في الخليج

"زمن الرسائل" ولّى... و"الفعل" أصبح وسيلة الاتّصال الوحيدة

خاص- الطاقة

اقرأ في هذا المقال

  • "فيروس كورونا" قلب طاولة اجندة "أوبك+" رأسا على عقب... وحرك معركة تكسير العظام
  • في يد من يملك الطاقة الإنتاجية الفائضة... وهي يد السعودية وحلفائها في دول الخليج.
  • تكلفة النفط الخليجي هي الأقل في العالم.. وفي حالة انهيار كامل للأسعار، فإن دول الخليج هي الوحيدة التي تستطيع تحمل هذه الأسعار

بعد إفشال روسيا لجهود تحالف أوبك بلس في التوصّل إلى اتّفاق لتخفيض الإنتاج لوقف نزيف الأسعار، قرّرت السعودية تخفيض أسعار النفط الرسمية من جهة، وزيادة الإمدادات بشكل كبير من جهة أخرى. ونتج عن هذا التحوّل في الإستراتيجية النفطية انهيار أسعار النفط وهلع في صفوف منتجي النفط في شتّى أنحاء العالم، خاصّة في حقول النفط الصخري الأميركية. كما أثار مخاوف شركات التمويل والمصارف التي قامت بتمويل نموّ إنتاج النفط الصخري، ومهّد الطريق لمعركة كسر عظم بين أكبر ثلاثة منتجين في العالم: السعودية وروسيا والولايات المتّحدة.
ويتّضح من هذه التطوّرات أن السعودية أرادت أن تتحرّك بصمت، ولكنه صمت مدوٍّ ارتجّت له غرف مجالس إدارات الشركات النفطية والمصارف في أرجاء المعمورة كافّة. هذا التحرّك يدلّ على أن زمن الرسائل قد ولّى، وأن الفعل هو وسيلة الاتّصال الوحيدة. هذا الفعل ذكّر العالم بإمكانات المملكة النفطية، ودورها التاريخي في إمداد العالم بالنفط عندما عجز عن ذلك الآخرون، ومنع أسعار النفط من الارتفاع إلى مستويات عالية تؤثّر سلبًا في نموّ اقتصادات الدول المستهلكة، ووقف تدهور أسعار النفط بشكل يضرّ بمنتجيه.
ويذكّر هذا الفعل الدول المستهلكة أن قيام السعودية وحلفائها بتخفيض الإنتاج ورفع أسعار النفط يساعد الدول المستهلكة في وقف هدر المنتجات النفطية الناتج عن الأسعار المنخفضة، ويحسّن الكفاءة في الاستخدام، ويخفض من الآثار البيئية السيّئة الناتجة عن ذلك. فانخفاض الأسعار الحالي سيزيد الهدر ويقلّل من الكفاءة في الاستخدام، وسيزيد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في الدول المستهلكة. فقد كان أوّل ما فعلته الهند بعد انخفاض أسعار النفط أخيرًا هو زيادة الضرائب على المنتجات النفطية بهدف ترشيد الاستهلاك وتحسين الكفاءة في الاستخدام، وإن كان لا يمكن إنكار الهدف المالي للحكومة.

• القوّة الحقيقية:
ولعلّ الأثر الأهمّ لزيادة السعودية لإنتاجها وتخفيض الأسعار هو تذكير بقيّة المنتجين، أنه حتّى لو أصبحت الولايات المتّحدة أكبر منتج للنفط في العالم، تليها روسيا، فإن القوّة الحقيقية في أسواق النفط في يد من يملك الطاقة الإنتاجية الفائضة، وهي يد السعودية وحلفائها في دول الخليج.
كما ذكّر المنتجين الآخرين -سواء كانوا في روسيا أو الولايات المتّحدة أو أي مكان آخر في العالم- أن تكلفة النفط الخليجي هي الأقلّ في العالم، وأنه في حالة انهيار كامل للأسعار، فإن دول الخليج هي الوحيدة التي تستطيع تحمّل هذه الأسعار، وأنه في حالة هبوط كبير في الطلب على النفط، فإن دول الخليج هي الوحيدة التي ستبقى في السوق، وأنه في حالة نضوب النفط حول العالم، فإن النفط الخليجي سيكون آخرها نضوبًا.

• اجتماع أوبك وأوبك بلس:
عندما اجتمعت الدول الأعضاء في أوبك وأوبك بلس في ديسمبر / كانون الأوّل الماضي في فيينا، قرّروا تعميق تخفيض الإنتاج، إلّا أن بعض الدول بقيادة روسيا لم توافق إلّا إذا كان تعميق التخفيض لمدة ثلاثة شهور فقط، وجرى الإجماع على ذلك. وبما أن الاجتماعات الدورية لن تحصل إلّا في شهر يونيو /حزيران وديسمبر من 2020، فإن الاتّفاق تطلّب بالضرورة اجتماعاً استثنائيًا في مارس / آذار.
ومن عجائب القدر أن هدف اجتماع مارس الأصلي كان تقييم وضع السوق، وزيادة الإنتاج عن طريق الغاء التخفيض الإضافي في يناير / كانون الثاني، بسبب توقّع تحسّن أسواق النفط العالمية. ولكن فيروس كورونا قلبَ الأمور رأسًا على عقب. وأصبح واضحًا من الانخفاض الكبير في حركة الطيران داخل الصين أن الأمور تسير من سيّئ إلى أسوأ، فاجتمعت اللجنة الفنّية المشتركة التابعة لأوبك بلس لتقييم الوضع، وخرجت بتوصيتين، الأولى تمديد اتّفاق ديسمبر 2019 إلى نهاية 2020، والثانية تعميق الإنتاج إلى يونيو بمقدار 600 ألف برميل يوميًا.
وما أن انتهى الاجتماع حتى بدأت بعض وسائل الإعلام العالمية تتحدّث عن خلاف روسي-سعودي، إلّا أن المسؤولين السعوديين أكّدوا أكثر من مرّة أن الحوار مع روسيا مفتوح، وأن بوادر اتّفاق تلوح في الأفق. وكان المتعاملون في الأسواق والمحلّلون يتوقّعون اجتماعًا طارئًا لأوبك وأوبك بلس مباشرة بعد انتهاء اجتماع اللجنة الفنّية المشتركة، ولكن هذا لم يحصل، وبدأت أسعار النفط بالانخفاض. ومع ضبابية الوضع وتساؤلات المراقبين، أصبح واضحًا أن هناك خلافًا بين السعودية وروسيا، لخّصه الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، بأن البيت يحترق، فهل تأتي بخرطوم الحديقة لإطفاء النار، وبالتالي ستفشل وتخسر البيت بما فيه، أم تتّصل بالمطافئ ليأتوا، وفي هذا الحالة سيغرق كلّ الأثاث، وستخسره، ولكنك ستحافظ على البيت؟ هذا المثال الذي ذكره الأمير في أحد الاجتماعات في الرياض يوضّح تمامًا الفرق بين الموقفين الروسي والسعودي. الموقف الروسي سيحرق البيت بما فيه، والموقف السعودي سينقذ البيت، ولكن سيخسر أثاثه.
وجرى الاجتماع الطارئ حسبما كان مخطّطًا له منذ ديسمبر، وعُقد في فيينا منذ حوالي عشرة أيام وسط تفاؤل كبير في أسواق النفط، خاصّة بعد أن أعلنت أوبك عن اقتراحها يوم الخميس الموافق 5 مارس، الذي تضمّن تمديد اتّفاق ديسمبر إلى نهاية العام، والقيام بتخفيض جديد قدره مليون ونصف مليون برميل يوميًا حتّى نهاية يونيو، منها مليون برميل يوميًا من أوبك، ونصف مليون برميل يوميًا من دول خارج أوبك. في نفس اليوم انتشرت أخبار مفادها أن ألكساندر نوفاك، وزير الطاقة الروسي، غادر فيينا عائدًا إلى موسكو للمشاورة.
في تلك الليلة، اجتمع وزراء أوبك، وقرّروا تمديد التخفيض الإضافي إلى آخر السنة، بدلًا من نهاية يونيو. ولا يُعرف حتّى الآن ماذا حصل بالضبط تلك الليلة، ولماذا جرى التغيير. إلّا أن بعض وسائل الإعلام ذكرت أن الأمير عبد العزيز بن سلمان طلب من وزراء أوبك الحضور، وعرض فكرة تمديد التخفيض بسبب تفاقم الآثار الاقتصادية لكورونا والتدهور المستمرّ في الطلب على النفط. وافق الوزراء على ذلك، وقامت منظّمة أوبك بتعديل النص الأساس للاقتراح على موقعها الإلكتروني مباشرة. إلّا أن التغيير أصبح مثار اهتمام بعض وسائل الإعلام، والتي ذكر بعضها أن مكالمة جاءت من الرياض لوزير الطاقة السعودية تشير إلى ضرورة التغيير من يونيو إلى ديسمبر، إلّا أن ذلك نُفِي لاحقًا. كما ذكرت وسائل إعلام أخرى أن هذا التغيير أثار حفيظة الروس، وجعلهم يتّخذون موقفًا متعنّتًا. إلّا أنه يردّ على ذلك بأن الروس رفضوا حتّى المقترح الأصلي، وهو تخفيض إضافي إلى يونيو، ومن ثمّ فإن موضوع تعنّت الروس بسبب التغيير لا أساس له، وإن كان لا يمكن نفي انزعاجهم منه.
ولمّا عاد ألكساندر نوفاك يوم الجمعة إلى فيينا لحضور اجتماع أوبك+، تعثّرت المفاوضات الثنائية مع السعودية، وتأخّر اجتماع وزراء أوبك بلس بضع ساعات عمّا كان مقرّرًا، وأصبح واضحًا للجميع أن هناك خلافًا كبيرًا في وجهات النظر. وقُدِّمت مقترحات عدّة إلى روسيا، رفضتها كلّها.

• تعنّت وردّ سريع صاعق:
أمام هذا التعنّت الروسي، فشلت المفاوضات، وأصبح واضحًا أن كلّ دول أوبك بلس تدعم تخفيضًا إضافيًا، بينما روسيا لا تريد ذلك. كلّ ما تريده هو تمديد اتّفاق ديسمبر إلى يونيو. المثير في الأمر أن وزير الطاقة الروسي لم يترك الباب مفتوحًا لمزيد من المفاوضات، حيث أعلن في لقائه مع الإعلام في ختام الاجتماعات: أن الشركات الروسية ستنتج دون أي قيود ابتداء من أوّل أبريل. هذا التصريح يعدّ أوّل شرارة رسمية لاندلاع حرب الأسعار. وعندما سأل الإعلاميون الأمير عبد العزيز، وزير الطاقة السعودي، عن رده على نوفاك، وزير الطاقة الروسي، قال لهم: سأترككم تتكهّنون!
ولكنه لم يتركهم يتكهّنون طويلًا، حيث جاء الردّ السعودي صاعقًا بعد حوالي 15 ساعة: تخفيض الأسعار الرسمية بين 4 و10 دولارات، وزيادة الإنتاج في شهر أبريل بحوالي 2,5 مليون برميل يوميًا إلى 12,3 مليون برميل يوميًا. وتعدّ كلٌّ من الزيادة وكمّية الامدادات الكلّية تاريخية بكلّ المقاييس. وكانت الحجّة الرئيسة -كما قال نوفاك-: إنه إذا كانت الشركات الروسية ستنتج دون قيود، وبطاقتها القصوى، فإنه من حقّ السعودية أيضًا أن تنتج دون قيود وبطاقتها القصوى.
جاءت هذه الأخبار صادمة لأسواق النفط، حيث خسرت أسعار النفط حوالي ثلث قيمتها مع افتتاح الأسواق يوم الإثنين الذي تلا الاجتماعات، رافقها انخفاض كبير في أسهم شركات النفط، وخسرت بعض شركات النفط الصخري حوالي 50% من قيمتها في يوم واحد.

• الأهداف السعودية:
تهدف السعودية إلى إجبار روسيا وكلّ الدول الأخرى على تخفيض الإنتاج بالشكل المطلوب لتحقيق التوازن في الأسواق. لهذا من الواضح أن الهدف ليس العودة إلى طاولة المفاوضات، لأن وقت المفاوضات انتهى. الهدف هو قيام الجميع بالتخفيض. ويتّضح من السياسة الحالية أنه في الوقت الذي تظهر فيه روسيا في الصورة، إلّا أن الهدف هو جميع الدول التي لم تلتزم بالحصص الإنتاجية تاريخيًا، بما في ذلك بعض أعضاء أوبك.
ويتّضح من السياسة النفطية السعودية الآن أنها تستهدف أسواق روسيا النفطية أينما كانت، خاصّةً سوقها الرئيس أوروبا. فقد أُعطِيتْ أوروبا أكبر التخفيضات، ومن المقرّر أن تذهب أكثر الشحنات الإضافية إلى أوروبا أيضًا. وأشارت بعض وسائل الإعلام إلى قيام مندوبي تسويق -نيابة عن أرامكو- بالاتّصال بعملاء روسيا النفطيين وتقديم خصومات كبيرة لهم مقابل شراء النفط السعودي. وتُوِّجَ ذلك بموافقة روسيا البيضاء على استيراد النفط السعودي. وعلى الرغم أن بعضهم عدّها صفعة لروسيا في عقر دار سوقها التاريخي، إلّا أن الواقع يشير إلى أن روسيا البيضاء ستشتري النفط من أيٍّ كان بسبب خلافها مع روسيا حول أسعار النفط، إلّا أن التخفيضات على النفط السعودي كانت مغرية في كلّ الأحوال. ومهما كان السبب، يبقى أمر تصدير النفط السعودي إلى روسيا البيضاء من الناحية الرمزية مهمًّا في الحرب النفطية الحالية.

من الواضح أن هدف المملكة حاليًا ليس العودة إلى طاولة المفاوضات، لأن وقت المفاوضات انتهى.

ويرى أخرون أن تخفيض أسعار النفط للولايات المتّحدة بمقدار 7 دولارات، هدفه وقف صادرات روسيا إلى الولايات المتّحدة. والأمر نفسه ينطبق على الدول الآسيوية، حيث قامت أرامكو بإمداد الشركات الهندية بكلّ ما تحتاجه من ناحية الكمّية والنوعية وبالخصم المعلن، لأن روسيا لها موطئ قدم هناك، وتحاول تأمين سوق كبير لنفطها في الهند. ويعدّ موضوع الهند والصين مهمًّا جدًا بالنسبة لروسيا بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من الاتّحاد الأوروبي بسبب استيلائها وضمّها لشبه جزيرة القرم، التي هي جزء من أوكرانيا.
وعزّزت السعودية موقفها عندما استأجرت 31 نقّالة نفط عملاقة لنقل نفطها حول العالم، خاصّة أوروبا، الأمر الذي رفع أجور هذه الناقلات بشكل كبير. وعادة ما تستخدم أرامكو ناقلات شركة "بحري" السعودية، إلّا أن كمّية الزيادة كبيرة لدرجة أنها تحتاج أعدادًا ضخمة تفوق ما لدى شركة "بحري" من ناقلات.
ورغم أن كلّ الدلائل تشير إلى كون الاستهداف السعودي لروسيا نفطيًا ردّةَ فعل على تجاهل روسيا لمطالب أكثر من 20 دولة عضوة في أوبك بلس، إلّا أن هناك دلائل أخرى تشير إلى أن الموضوع قد يكون أكبر من الخلاف مع روسيا، وأن السعودية أدركت -سابقًا أو لاحقًا- أنها تستطيع ضرب عدّة عصافير بحجر واحد. فقد أمر الأمير عبد العزيز، وزير الطاقة السعودي، شركة أرامكو بزيادة طاقتها الإنتاجية من 12 مليون برميل يوميًا إلى 13 مليون برميل يوميًا بنهاية العام. هذا الأمر يجب أن لا يُنظر إليه كرسالة إلى روسيا أو أي دولة أخرى فقط، وإنما أيضًا بوصفه خطوة لإعادة مركز الثقل نفطياً إلى الخليج، خاصّة لأن الأمارات أعلنت عن خطوة مماثلة، وزيادة طافتها الإنتاجية إلى 5 ملايين برميل يوميًا. فانخفاض أسعار النفط الكبير سينتج عنه انخفاض إنتاج النفط الصخري بشكل كبير، وقد يصل الفارق بين الإنتاج المتوقّع والإنتاج الفعلي في عام 2021 حوالي مليوني برميل يوميًا. كما سينخفض إنتاج الصين والهند، وسيكون نموّ إنتاج البرازيل وكندا وروسيا أقلّ من المتوقّع. لهذا فإنه من الواضح أن السبب المباشر لزيادة الإنتاج هو روسيا، ولكن السبب غير المباشر هو إعادة مركز الثقل النفطي إلى المنطقة.

يبدو أن السعودية أرادت أن تتحرّك بصمت... ولكنه صمت مدوٍّ ارتجّت له أرجاء المعمورة.

• الموقف الروسي:
تاريخيًا، لم يلتزم الروس بتخفيض الإنتاج، حيث حصل التلاعب بلغة الاتّفاق. فتارة فسّروا الكمّية التي يجب تخفيضها بأنه يمكن الوصول لها في وقت ما خلال فترة التخفيض، ولو لمدّة أيّام. وتارة حسبوا ما خطّطوا لإنتاجه ولم ينتجوه على أنه جزء من التخفيض، وفي أحيان كثيرة وافقوا على التخفيض بسبب أعمال الصيانة التي تجعل التخفيض تحصيل حاصل. وكلّما جرت مواجهتهم استخدموا حجّة فنّية، وهي أنه لا يمكن إغلاق الآبار في سيبيريا بسبب الجليد والثلوج، فإذا أُغلِقت البئر فإنها ستتجمّد، وتتطلّب عملية إعادة الإنتاج حفر البئر من جديد. وتارة يتحجّجون بأن الشركات الروسية شركات خاصة، وأنه لا يمكن إجبارها على ذلك.
ويتمثّل الموقف الروسي -الرافض لتخفيض الإنتاج لمجابهة هبوط الطلب على النفط بداعي انخفاض الأنشطة الاقتصادية بسبب تفشّي فيروس كورونا- فيما يلي:
1- الأمور غير واضحة، وعلينا الانتظار حتّى تكون الصورة أكثر وضوحًا، فماذا لو خفضنا اليوم، ثمّ اكتشفنا بعد فترة أنه علينا أن نقوم بتخفيض أخر؟ ويُردّ على ذلك بما قاله الأمير عبد العزيز، وزير الطاقة السعودي: استخدام خرطوم الحديقة يعني أن البيت سيحترق كلّه. إلّا أن طريقة تفكير الروس غير منطقية: القول بتخفيض بعد تخفيض يعني بالضرورة أنهم يدركون مخاطر فيروس كورونا في الطلب على النفط، ولكنهم تجاهلوا ذلك.
2- تخفيض الإنتاج ورفع الأسعار وقت ضعف اقتصادات الدول المستهلكة يضرّ بالطلب على النفط.
3- رفع الأسعار مكّنَ منتجي النفط الصخري وغيرهم من زيادة الإنتاج، في الوقت الذي تجتمع فيه دول أوبك+ لتخفيض الانتاج.
ويُردّ على النقطة الثانية بأنها تناقض النقطة الأولى، إذا هناك وضوح في الصورة، وأن اقتصادات الدول التي ضربها فيروس كورونا ضعيفة! أما بالنسبة للنقطة الثالثة، فإن هذا صحيح تاريخيًا، ولكن لم يعد صحيحًا الآن. فنموّ إنتاج النفط الصخري كان في انخفاض حتّى قبل الاجتماعات، وعندما كانت الأسعار ضعف الأسعار الحالية.
أخيرًا، إذا كان هذا الأمر صحيحًا، لماذا وافقت روسيا على التخفيض منذ ثلاثة شهور فقط، وقتها كان الإنتاج الصخري في تزايد! لماذا تريد التخفيض والنفط الصخري ينمو، ولا تريد التخفيض عندما بدأ النموّ بالتباطؤ؟
ومن الواضح أن الروس فشلوا في أمرين: لم يتوقّعوا أن أسعار النفط ستنخفض تحت 40 دولارًا للبرميل، ولم يتوقّعوا ردّة الفعل السعودية.
رغم كلّ ذلك، تبقى روسيا حليفًا إستراتيجيًا مهمًّا، سواء نفطيًا أو في أي مجال آخر، وهو الأمر الذي جعل السعودية ودول الخليج يتجاهلون عدم التزامها في الحصص الإنتاجية. وهناك أهمّية خاصّة لتحالف أوبك+ والذي يتضمّن روسيا: أي محاولة لتمرير قانون "لا أوبك" في الكونغرس، يعني مجابهة مع 23 دولة منها روسيا، وهذا يختلف عن 13 دولة في أوبك فيها فنزويلا وإيران، مثلًا.

• الموقف الأميركي:
وقع خبر تخفيض أسعار النفط السعودي وقوع الصاعقة على رؤوس شركات النفط الصخري. فمع انخفاض الأسعار بحوالي 30% يوم الإثنين الذي تلا اجتماعات أوبك وأوبك بلس، تهاوت أسهم شركات النفط الصخري لدرجة أن بعضها خسر أكثر من 50% من قيمتها. كان لهذا الانخفاض أصداء واسعة وصلت إلى البيت الأبيض.
جاء ردّ ترامب متوقّعًا: انخفاض أسعار النفط يعني انخفاض أسعار البنزين، ولكن تغريدته التي ذكر فيها ذلك أثارت حفيظة صناعة النفط الأميركية التي تدعم عادة المرشّح الجمهوري في الانتخابات الرئاسية. فحاول ترامب إرضاءهم عن طريق إعطاء إعانات وإعفاءات ضريبية تحت غطاء مشروع قانون لتحفيز الاقتصاد بسبب أثار فيروس كورونا. واجه ترامب مشكلتين في هذا الموضوع: رفض صناعة النفط الأميركية الإعانات لأن هذا يتنافى مع مواقفها التاريخية الداعية إلى حرّية الأسواق، كما أنه يسيء إلى سمعتها، خاصة في وقت أصبح فيه موضوع التغيّر المناخي على كلّ لسان. كما قام بعض أعضاء مجلس الشيوخ والكونغرس بتقديم مشروع قانون يمنع ترامب من تقديم أي إعانات لصناعة النفط الأميركية.

حتى لو أصبحت الولايات المتّحدة أكبر منتج للنفط في العالم، تليها روسيا، فإن القوة الحقيقية في أسواق النفط في يد من يملك الطاقة الإنتاجية الفائضة... وهي يد السعودية وحلفائها في دول الخليج.

كما قام هارولد هام، رئيس شركة كونتيننتال ريسورسيس، ومستشار ترامب سابقًا في شؤون الطاقة، بالإعلان عن تقديمه شكوى إلى وزارة التجارة للتحقيق في "إغراق" السعودية لأسواق النفط الأميركية. وإذا ما أُثبتَ الإغراق، فإن تعرفة جمركية عالية ستُفرَض على واردات النفط من السعودية.
بعدها قام ترامب بما يمكنه القيام به، وهو الإعلان عن شراء كمّيات كبيرة من النفط لملء الاحتياطي الإستراتيجي إلى اقصاه. الغريب في الأمر أن الكمّية التي سيجري شراؤها للاحتياطي الإستراتيجي، حوالي 75 مليون برميل، قريبة من كمّية الزيادة في الإمدادات السعودية في شهر أبريل. الفرق أن عمليات الشراء ستكون على عدّة شهور، بينما الزيادة السعودية لشهر أبريل، وقد تستمرّ. ونتج عن قرار ترامب ارتفاع أسعار النفط بحوالي 5%.
ثمّ جاء بعده البنك الفدرالي، وهو البنك المركزي الأمريكي، وأعلن عن تخفيض أسعار الفائدة إلى حول صفر، كما أعلن عن ضخّ أموال ضخمة في الاقتصاد، في محاولة لتحفيز الاقتصاد وتقويته في وجه أثار كورونا الاقتصادية.
كلّ هذه التصرّفات الأميركية تدلّ على أن الولايات المتّحدة لا تحبّذ أسعار نفط منخفضة، ومن ثمّ، فإن القول بأن ترامب طلب من السعودية زيادة الإنتاج وتخفيض الأسعار قول باطل لا صحّة له.

• نظرة مستقبلية
يرى بعض المراقبين أن وضع السوق سيعتمد على من سيستسلم أوّلًا، السعودية أم روسيا. ولجأ الكثيرون إلى تعبير "عضّ الأصابع" ومن سيصيح أوّلًا. وهناك العديد من المقالات، وخلاف في وسائل الاتّصال الاجتماعي، حول من يستطيع تحمّل أسعار نفط منخفضة لأطول فترة ممكنة. بشكل عامّ، يميل الإعلام الغربي ووسائل اعلامية مدعومة من روسيا إلى القول: بأن روسيا ستكون الرابحة على المدى الطويل. ولكن لو نظرنا إلى التفاصيل والأرقام التي يذكرونها، نجد فيها أخطاء كثيرة، والأهمّ من هذا كلّه أن الغالبية تتجاهل تكاليف إنتاج النفط، ودور الضرائب على صادرات النفط الروسية في تمويل الموازنة الروسية. كما يتجاهلون أنه في ظلّ الأسعار الحالية لا يمكن القيام بأي استثمار للمحافظة على الطاقة الانتاجية الحالية، لذلك فإن الإنتاج الروسي سينخفض. من هنا نجد أهمّية الإعلان عن الاستثمار ورفع الطاقة الإنتاجية السعودية إلى 13 مليون برميل يوميًا: السعودية تستطيع ذلك، في الوقت الذي سينخفض فيه الإنتاج الروسي.
ويرى كثيرون أن المخزون العالمي سيرتفع بشكل كبير إلى مستويات تاريخية بسبب زيادة الامدادات من السعودية، وان أسعار النفط ستبقى منخفضة لزمن طويل. إلّا أن هذا التوقّع غير صحيح، لأن جزءًا لا بأس به من زيادة الإمدادات السعودية يأتي من المخزون، والذي هو جزء من المخزون العالمي، ومن ثمّ فإنه ليس إضافة صافية للمخزون. إضافة إلى أن الصادرات النفطية الأميركية ستنخفض في الوقت نفسه بحدود مليون برميل يوميًا، كما يتوقّع انخفاض الإنتاج الأميركي بنصف مليون برميل يوميًا عل الأقلّ إذا استمرّت أسعار النفط على ماهي عليه حتّى نهاية يونيو. وبأكثر من مليون برميل يوميًا إذا استمرّت حتّى نهاية العام. هذا يعني أنه بفرض استمرار حرب الأسعار، فإن انخفاض الإنتاج في عدّة بلاد -بما فيها النفط الصخري- مع انتعاش الطلب، سيسهم في تحسّن أوضاع أسواق النفط، حتّى لو لم يكن هناك اتّفاق بين السعودية وروسيا... إلّا أن كثيرًا من المحلّلين يعتقدون بأنه سيجري التوصّل إلى اتّفاق في شهر يونيو، عندما تجتمع دول أوبك وأوبك بلس في اجتماعها النصف سنوي.

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق