مشروعات الطاقة الخضراء في آسيا الوسطى تجذب الاستثمارات الصينية (تقرير)
نوار صبح

- • بكين تعمل على زيادة استثماراتها في مشروعات الطاقة الخضراء
- • حكومات آسيا الوسطى تواجه نقصًا حادًا في إمدادات الكهرباء وتحديات بيئية متزايدة
- • التحول الأخضر يحفز الطلب على توربينات الرياح والسيارات الكهربائية
- • استثمار الصين في المنطقة يمثل خطوة عملية لبناء سلاسل توريد قوية للمعادن الرئيسة
تحظى مشروعات الطاقة الخضراء في آسيا الوسطى باهتمام الاستثمارات الصينية، التي تسعى بدورها إلى الاستفادة من الثروات المعدنية لدول المنطقة الـ5.
وعند إعلان الرئيس الصيني شي جين بينغ إطلاق مبادرة "الحزام والطريق" في عام 2013، كانت الشبكة مترامية الأطراف من السكك الحديدية والطرق السريعة الجديدة -التي تمتد من الصين عبر منطقة أوراسيا- مجرد خطوط وهمية على الخريطة، بحسب مقال اطلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن).
وفي 2026، بلغ إجمالي حجم استثمارات الصين في المبادرة 1.3 تريليون دولار أميركي، مسجلًا قفزة بنسبة 257% في آسيا الوسطى مقارنة بالعام الماضي، ولم تعد العديد من تلك الخطوط مجرد خطوط وهمية.
وتُشكل دول آسيا الوسطى الـ5 -قازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان- حلقة وصل حيوية في "طريق الحرير الجديد" هذا.
استثمارات الصين في مشروعات الطاقة الخضراء
على الرغم من أن جانبًا كبيرًا من اهتمام العالم ينصب على استثمارات الصين في مشروعات النقل والخدمات اللوجستية في المنطقة، فإن بكين تعمل على زيادة استثماراتها في مشروعات الطاقة الخضراء.
ويُعزى هذا التحول في المقام الأول إلى ضرورات محلية داخل منطقة آسيا الوسطى، إذ تواجه الحكومات هناك نقصًا حادًا في إمدادات الكهرباء وتحديات بيئية متزايدة، بحسب مقال للباحث لدى منظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية نايجل لي، نشرته صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست".
ولهذا السبب، تهدف كل من قازاخستان وأوزبكستان بحلول عام 2030 إلى رفع حصة الكهرباء المولدة من مصادر الطاقة المتجددة، لتصل إلى 15% و50% على التوالي.
ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية، استمدت قازاخستان 49% من إمدادات الكهرباء لديها من الفحم في عام 2023، في حين اعتمدت أوزبكستان بنسبة 79% على الغاز الطبيعي، وفي كلتا الحالتين لم تتجاوز حصة الطاقة المتجددة سوى 2% تقريبًا.

ويشير نايجل لي إلى أن الثقة العامة بجميع أنحاء آسيا الوسطى ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمدى موثوقية توفير الخدمات الأساسية.
ولذلك، فإن نقص المياه وانقطاع التيار الكهربائي في فصل الشتاء والكوارث الطبيعية تحمل في طياتها ما هو أكثر من مجرد عواقب بيئية، وفقًا للمحللة المتخصصة في شؤون آسيا الوسطى المقيمة في واشنطن الدكتورة أكبوتا كاريباييفا ماير.
وقد أسهم التهديد الناجم عن مثل هذه الاضطرابات في تحويل "الأجندة الخضراء" من مجرد بادرة رمزية إلى أولوية حقيقية، وحفّز الطلب على رؤوس الأموال الخارجية، بما في ذلك الاستثمارات الصينية.
ووفقًا لمركز المشروعات الخاصة الدولية سي آي بي إي (CIPE)، بلغت الاستثمارات التراكمية لبكين في آسيا الوسطى 44.4 مليار دولار أميركي خلال المدة الممتدة من عام 2003 إلى عام 2024.
وعلى الرغم من أن هذا الرقم يقل عن حجم الاستثمارات الأميركية في المنطقة -التي بلغت 50.6 مليار دولار-، فإن الصين دعمت 175 مشروعًا مقارنة بـ135 مشروعًا نفذتها شركات أميركية، بحسب نايجل لي.
وتُشكل مشروعات الطاقة المتجددة الركيزة الأساسية لهذا الحضور المتنامي، ففي جنوب قازاخستان دخلت محطة زاناتاس لطاقة الرياح -التي تبلغ قدرتها 100 ميغاواط- حيز التشغيل منذ عام 2021.
وقد أُنجز هذا المشروع بتكلفة بلغت 140 مليون دولار أميركي بتمويل مشترك من البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، والبنك الصناعي والتجاري الصيني، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وصندوق المناخ الأخضر، وفق ما تابعته منصة الطاقة المتخصصة.
وحاليًا، تمتلك شركة تشاينا باور إنترناشونال هولدينغ (China Power International Holding) حصة تبلغ 80% في المشروع من خلال شركاتها التابعة.
وتسارعت وتيرة التعاون في أوزبكستان، فقد وقعت طشقند مؤخرًا اتفاقيات مع شركات صينية لإنشاء نظام لتخزين الكهرباء بقدرة 100 ميغاواط في العاصمة، إلى جانب محطة لطاقة الرياح بقدرة 500 ميغاواط في بخارى.
واستثمرت شركة تشاينا ساوثرن باور غريد (China Southern Power Grid) 240 مليون دولار أميركي في مشروعين قائمين لطاقة الرياح.
وأطلقت شركة ساني رينيوابل إنرجي (Sany Renewable Energy) مشروعًا لمزرعة رياح بقيمة 1.2 مليار دولار أميركي في جمهورية قرقل باغستان الأوزبكستانية.
ويسير قطاعا التنقل النظيف والطيران على النهج ذاته، فخلال منتدى طشقند الدولي الخامس للاستثمار، وقعت مجموعة سينوبك الهندسية الصينية (Sinopec Engineering Group) عقدًا بقيمة 6.1 مليار دولار أميركي مع شركة ألايد بيوفيولز (Allied Biofuels) لإنتاج وقود الطيران المستدام محليًا.
وهذا يدعم طموحات أوزبكستان في أن تصبح مركزًا رئيسا للعبور في منطقة أوراسيا.
السيارات الكهربائية الصينية
تعيد السيارات الكهربائية الصينية تشكيل أسواق السيارات المحلية، وفقًا للباحث لدى منظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية نايجل لي.
وبعد أن كانت أوزبكستان تُلقب لمدة طويلة بـ"شيفروليستان" نظرًا للانتشار الواسع لسيارات "شيفروليه"، نجحت شركة بي واي دي (BYD) في الاستحواذ على حصة سوقية تبلغ 8.6%، وهي زيادة بمقدار الضعف مقارنة بالعام السابق الذي شهد تراجع هيمنة "شيفروليه" من 82.6% إلى 79.3% من السوق.

إن التحول الأخضر، الذي يحفز الطلب على توربينات الرياح والسيارات الكهربائية، يولد طلبًا ملحًا على المواد الخام اللازمة لتصنيعها، إذ تعتمد كل مزرعة رياح صينية يتم إنشاؤها وكل سيارة "بي واي دي" تُباع على معادن تزخر بها منطقة آسيا الوسطى، حسب ما يقول نايجل لي.
وتمتلك المنطقة 38.6% من احتياطي خام المنغنيز العالمي، و30.1% من الكروم، و20% من الرصاص، و12.6% من الزنك، و8% من التيتانيوم، و5.3% من النحاس والكوبالت، و5.2% من الموليبدينوم، وتُعد جميعها مكونات أساسية للبطاريات والسيارات الكهربائية وتوربينات الرياح.
وفي حال نجاح هذه المساعي، ستصبح آسيا الوسطى نموذجًا يحتذى به للدول النامية التي تتطلع إلى التحول نحو الطاقة الخضراء، حسب ما يرى الزميل الباحث لدى مركز توران للأبحاث بروس بانيير.
بناء سلاسل توريد قوية للمعادن الرئيسة
بالنسبة إلى الصين، يمثل الاستثمار في المنطقة خطوة عملية لبناء سلاسل توريد قوية للمعادن الرئيسة.
وتسيطر الصين على نحو 90% من الطاقة العالمية لمعالجة المعادن النادرة، وتعتمد بصورة كبيرة على صادرات المعادن من آسيا الوسطى.
ويقول محلل المعادن المستقل المقيم في العاصمة القازاخستانية كمال أوباكيروف إنه بالنسبة إلى الصينيين، يعد القرب من الأصول عاملًا مهمًا، إلى جانب أن معظم لوجستيات التصدير الراسخة تمتد شرقًا أو شمالًا إلى الصين.
وعلى الرغم من أن الدول الغربية مهتمة بفرص التعدين في قازاخستان على وجه الخصوص، فإن الحواجز الهيكلية تحد من دخولها.
ويرى أوباكيروف أنه قبل أي شيء آخر يتعين أن تنظر إلى الاقتصاد، وفي حال لم يكن هناك شريك غربي في المنطقة من قبل، فإن ذلك يضيف تكلفة إضافية على شركاته لمجرد فهم العناية الواجبة وراء الأصول.
وقد أدى الطلب المتزايد على الكهرباء من المناطق الحضرية ومراكز البيانات المتوسعة إلى تسريع الاهتمام العالمي بالطاقة النووية، إذ تتوقع الرابطة النووية العالمية أن تتضاعف القدرة العالمية إلى أكثر من 3 أضعاف بحلول عام 2050.
ووفقًا لتقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، من المتوقع أن تزيد القدرة النووية في وسط وشرق آسيا بنسبة 15% بحلول عام 2030 و45% بحلول عام 2050.
وتقع منطقة آسيا الوسطى في مركز هذه النهضة النووية، وتحتل قازاخستان وأوزبكستان المرتبة الأولى والخامسة بين أكبر منتجي اليورانيوم على مستوى العالم، إذ تسهم قازاخستان بنسبة 39% من إنتاج تعدين اليورانيوم العالمي.
وتعمل الشراكات النووية التقنية على تعميق التكامل الإقليمي على المدى الطويل.
وبعد اختيار شركة روساتوم الروسية (Rosatom) لبناء أول محطة للطاقة النووية، أعلنت قازاخستان أن الشركة النووية الوطنية الصينية (CNNC) ستبني في وقت لاحق مفاعلين من طراز إتش بي آر-1000 (هوالونغ وان).
ونظرًا لأن الشراكات النووية تتطلب عقودًا من تدريب القوى العاملة والمساعدة التقنية والصيانة، فإن المشروع يعزز التوافق الهيكلي طويل المدى بين بكين وأستانا.

ويوضح الخبير في المجال النووي النائب السابق لمدير وكالة الطاقة الذرية في جمهورية قازاخستان دانيار أشيموف، أنه في حين يُعد تأمين اليورانيوم حجر الزاوية في علاقة بكين بأستانا، فإن القرب الجغرافي يتيح فرصًا للتعاون في مراحل أخرى من دورة الوقود النووي.
ويشير أشيموف إلى أن الصين توفر مزايا عديدة تشمل ضخامة النطاق، والقدرة التمويلية، وتقنيات المفاعلات، وسوقًا ضخمة وطويلة الأمد.
ويعتمد اقتصاد قازاخستان -إلى حد ما- على الصين، وكذلك الحال بالنسبة للغالبية العظمى من دول آسيا الوسطى.
وفي حال نجاح مشروعات الطاقة الضخمة هذه، فقد تشكل آسيا الوسطى نموذجًا يحتذى به لمناطق نامية أخرى.
ويرى الباحث لدى مركز توران للأبحاث" وهو مركز فكري أميركي -يعنى بالتطورات الحديثة في العالمين التركي والفارسي- بروس بانيير، أنه إذا تكللت هذه الجهود بالنجاح، فستصبح آسيا الوسطى نموذجًا للدول النامية الساعية للانتقال إلى الطاقة الخضراء، إذ ستكون لديها الخبرة والمعرفة اللازمة لذلك.
ويُبرز قرار أستانا بالتعاون مع كل من موسكو وبكين لتطوير قطاع الطاقة النووية لديها ملمحًا من ملامح إطار السياسة الخارجية الأوسع القائم على مبدأ تعدد المسارات، الذي يحكم الدبلوماسية والاستثمارات الأجنبية في منطقة آسيا الوسطى.
موضوعات متعلقة..
- ممر الطاقة الخضراء إلى أوروبا يقترب من اتفاق حاسم
- الطاقة الخضراء في مصر تتلقى تمويلًا أوروبيًا بـ150 مليون دولار
- الطاقة الخضراء.. فخ تجنبته النرويج ووقعت فيه أوروبا (تقرير)
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن الطاقة الشمسية في الدول العربية
- ملف خاص عن المناجم في الدول العربية
المصدر..





