نفطالحرب الإسرائيلية الإيرانيةالنشرة الاسبوعيةتقارير النفطسلايدر الرئيسيةملفات خاصة

تعليق العقوبات الأميركية على النفط الإيراني "تنازل على الورق".. 3 خبراء يوضحون

دينا قدري- تغطية خاصة

أصدرت حكومة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ترخيصًا عامًا مؤقتًا لمدّة 60 يومًا يسمح بإنتاج النفط الإيراني وبيعه، ما يمهد الطريق لانفراج في الأسواق.

ويتيح الترخيص -الذي أصدرته وزارة الخزانة الأميركية في 22 يونيو/حزيران 2026- إنتاج وتسليم وبيع النفط الخام والمنتجات البتروكيماوية والنفطية إيرانية المنشأ حتى 21 أغسطس/آب المقبل.

وبموجب مذكرة تفاهم من 14 بندًا وقّعتها الولايات المتحدة وإيران الأسبوع الماضي، ستبدأ واشنطن بإلغاء جميع أنواع العقوبات وفقًا لجدول زمني يُحدَّد في اتفاق نهائي خلال 60 يومًا، وهي مدة قابلة للتمديد.

ويُعدّ الترخيص الجديد أوسع نطاقًا من الترخيص الصادر في مارس/آذار، إذ لا يشمل فقط النفط ومشتقاته، بل أيضًا الخدمات المصرفية والتأمين والنقل المرتبطة بتجارة النفط، ما يمنح طهران وصولًا أسرع إلى عائداتها.

وفي هذا الصدد، استعرضت منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن) آراء عدد من كبار الخبراء حول رؤيتهم لتعليق العقوبات الأميركية على النفط الإيراني.

إعفاء النفط الإيراني من العقوبات الأميركية

يُفهَم إعفاء إيران من العقوبات الأميركية لمدّة 60 يومًا بأنه إشارة دبلوماسية مُغلّفة بغطاء إجراء سياسي متعلق بالطاقة، بحسب ما أكده رئيس تحرير منصة "بتروليوم إيكونوميست" بول هيكن.

وأوضح هيكن أن وزارة الخزانة الأميركية أصدرت ترخيصًا عامًا يُجيز إنتاج وتوريد وبيع النفط الإيراني، والمنتجات المكررة، والبتروكيماويات، والأهم من ذلك، أنه يسمح أيضًا بالمعاملات المقوّمة بالدولار، ويسمح باستيراد النفط الإيراني إلى الولايات المتحدة لأول مرة منذ عقود.

وقال هيكن -في تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة-، إن هذا الإعفاء يُعدّ تنازلًا لافتًا على الورق، لكن في الواقع، فإن الطريق إلى هذا التنازل السهل والدائم ليس سهلًا على الإطلاق.

فقد صاغ وزير الخزانة سكوت بيسنت الإعفاء صراحةً بأنه مشروط: التزمت إيران بحرّية المرور عبر مضيق هرمز، وإعادة السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالدخول، وينبثق الترخيص من هذا الإطار.

وقال هيكن: "بعبارة أخرى، هو مكافأة على الامتثال الذي تمّ، وهو ضمنًا إجراء يمكن إلغاؤه بالسرعة نفسها".

كما أشار هيكن إلى أن إيران كانت تُصدّر ما يزيد على 1.5 مليون برميل يوميًا كالمعتاد، قبل الحصار البحري الأميركي الذي دخل حيز التنفيذ في أبريل/نيسان 2026.

وبحلول شهر مايو/أيار 2026، انخفض هذا الرقم بشكل حادّ إلى نحو 260 ألف برميل يوميًا، وإعادة بناء هذه التدفقات في غضون 60 يومًا ليس بالأمر الهين، بحسب الخبير في مجال الطاقة.

رئيس تحرير منصة بتروليوم إيكونوميست بول هيكن

وأضاف أن هناك عقبات عملية ما تزال قائمة: فالعقوبات الأوروبية ما تزال سارية، وسيحتاج التجّار ومالكو السفن ومصافي التكرير إلى وقت لإعادة بناء العلاقات التجارية وشبكات الخدمات اللوجستية التي ظلّت شبه متوقفة لسنوات.

ووصف هيكن الإعفاء النفطي بأنه بمثابة ثغرة ضيقة في جدار العقوبات السميك للغاية، الذي لن ينهار قريبًا، بغضّ النظر عمّا تقرره واشنطن.

وتؤجل مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران القضايا الجوهرية، بما في ذلك القيود النووية والنطاق الكامل لإنهاء العقوبات، إلى مفاوضات لاحقة؛ إذ يعمل الاتفاق بوصفه آلية تسلسلية بقدر ما هو إطار لوقف إطلاق النار.

تبقى عقوبات القطاع المالي، والتصنيفات المتعلقة بالحرس الثوري الإيراني، وقيود الصواريخ الباليستية، والعقوبات الثانوية المفروضة على كيانات دول ثالثة تتعامل تجاريًا مع إيران، سارية المفعول بالكامل بموجب القانون الأميركي.

أمّا أوروبا، فتمثل مجموعة مختلفة تمامًا من التعقيدات؛ إذ أعاد الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات متعلقة بالبرنامج النووي الإيراني في سبتمبر/أيلول 2025، ثم مدّد العقوبات لتشمل دعم إيران للحرب الروسية في أوكرانيا، وانتهاكات حقوق الإنسان، والتهديدات لحرية الملاحة -والتي مُدِّدت حتى يوليو/تموز 2026.

ربما يكون العائق الأكبر أمام أيّ تخفيف شامل للعقوبات هو مجلس الأمن الدولي؛ إذ صرّحت فرنسا بوضوح أنه لن تُرفَع عقوبات مجلس الأمن الدولي المفروضة على إيران دون موافقتها، وأن باريس تريد تنازلات كبيرة بشأن الموقف النووي الإيراني، وليس مجرد موافقة شكلية على اتفاق ثنائي بين واشنطن وطهران، وفق ما صرّح به هيكن.

دلالة التنازل عن العقوبات الأميركية

يرى الخبير في شؤون الطاقة والشرق الأوسط، سيريل وودرشوفن، الإعفاء من العقوبات الأميركية بالتنازل السياسي الكبير الذي قدّمه الجانبان (إيران والولايات المتحدة)، ويُعدّ مُغلّفًا بغطاء إجراء تقني مؤقت.

وقال وودرشوفن -في تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة-، إن هذا الإعفاء ليس مجرد تخفيف للعقوبات، بل هو خرق جسيم لجبهة العقوبات الغربية.

وأشار وودرشوفن إلى مشكلة واضحة وجلية: بمجرد السماح قانونًا بعودة النفط الإيراني إلى الأسواق المقومة بالدولار، ولو مؤقتًا، سيعني ذلك لمعظم الفاعلين في السوق أن جدار العقوبات القديم قد انهار.

وقال: "بعبارة أخرى، لا يقتصر الأمر على كمية النفط فحسب، بل يتعلق بالشرعية أيضًا.. إيران الآن، وفقًا للرؤية الأميركية والمواقف السياسية، قادرة على القول للصين، ومصافي التكرير الآسيوية، والتجّار، وشركات التأمين، والبنوك، إنها حصلت من واشنطن على مفتاح الباب".

وأضاف وودرشوفن: "هذا يمنح طهران سيولة نقدية، وفسحة سياسية، واعترافًا سوقيًا قبل أن يحصل الغرب على تنازلات لا رجعة فيها.. الرابح هنا، بلا شك، هو إيران، بفضل حسابات ترمب الخاطئة".

الخبير في شؤون الطاقة والشرق الأوسط سيريل وودرشوفن

وأوضح أن الإعفاء لمدّة 60 يومًا قد يبدو محدودًا، لكن أنظمة العقوبات غالبًا ما تنتهي ليس بالإلغاء الرسمي، بل من خلال الاستثناءات والتمديدات و"التعديلات الفنية" وتكييف السوق.

وبمجرد أن تُنشئ البنوك والتجّار ومالكو السفن ومصافي التكرير الآسيوية هياكل امتثال حول التدفقات الإيرانية المسموح بها، سيكون من الصعب للغاية التراجع عن هذا النظام، لأنه سيستند إلى وجهات نظر سياسية (وإلى انتخابات ترمب في نهاية عام 2026)، فضلًا عن صعوبته التجارية.

وأكد وودرشوفن أن إيران ستستعمل كل برميل يُباع خلال هذه المدة ورقة ضغط؛ إذ رفض سفير طهران مزاعم الولايات المتحدة بأن الأصول المُفرَج عنها ستخضع لرقابة مشددة.

لذا، فالأمر ليس سهلًا من الناحية القانونية أو العملية، لكن من الناحية السياسية، يُمكن أن يتحول إلى وضع شبه دائم إذا أرادت الولايات المتحدة خفض أسعار النفط، وتهدئة حركة الملاحة في مضيق هرمز، وتحقيق نجاح دبلوماسي.

بالنسبة لإيران، وكذلك بالنسبة لدول أو جهات أخرى في المستقبل، مثل روسيا، تُعدّ هذه إشارة إلى أن العقوبات لم تعد أداة ضغط، بل أصبحت الآن ورقة مساومة تُمنح لإيران مُسبقًا، بحسب الخبير في شؤون الطاقة.

كما أشار وودرشوفن إلى أن العقوبات المتبقية ما تزال ذات أهمية، لكن قيمتها الرادعة قد تراجعت.

فما تزال إيران عرضة للعقوبات المتعلقة بالإرهاب، والقيود المصرفية، وقيود الشحن، وتصنيفات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، والعقوبات المتعلقة بالصواريخ، والإجراءات الأوروبية.

ولكن بمجرد استبعاد النفط ومشتقاته والبتروكيماويات، تصبح بقية العقوبات أقل تأثيرًا؛ إذ تُعدّ طهران قادرة على تجاوز العديد من القيود إذا تمكنت من بيع المواد الهيدروكربونية، واستلام المدفوعات، ونقل الشحنات، وإعادة بناء قدرتها على الحصول على العملات الصعبة.

وشدد على أن هذا الوضع يمثّل مشكلة حقيقية للأوروبيين؛ إذ أمضوا سنوات في الدفاع عن موقف متشدد تجاه البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ، والوكلاء الإقليميين، وزعزعة الاستقرار البحري.

إشارة سياسية مهمة

يُمثّل تعليق العقوبات الأميركية على إيران إشارة سياسية مهمة، وليس تغييرًا دائمًا في سياسة العقوبات، بحسب ما صرّح به كبير مستشاري السياسة الخارجية والجغرافيا السياسية للطاقة، أومود شوكري.

وأوضح شوكري أن هذا التعليق يُجيز مؤقتًا المعاملات التي تشمل النفط الإيراني، والمنتجات النفطية، والبتروكيماويات، ما يُقلل من المخاطر القانونية على المشترين، وشركات التأمين، وشركات الشحن، والوسطاء الماليين.

وأضاف -في تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة- أنه من المرجّح أن يكون الأثر الفوري لهذا القرار هو تعزيز ثقة المشاركين في السوق، واحتمال زيادة الصادرات الإيرانية.

ومع ذلك، يرى شوكري أنه في المقام الأول أداة تفاوضية؛ إذ يُتيح هذا التعليق مساحة للدبلوماسية، ويُوفر لإيران انفراجة اقتصادية قصيرة الأجل، ولكنه لا يُمثّل إعادة هيكلة جوهرية لمنظومة العقوبات الأميركية.

ولأنه مؤقت وقابل للإلغاء، ستظل الشركات والمستثمرون حذرين إلى حين اتضاح الرؤية بشأن التوجه طويل المدى للعلاقات الأميركية الإيرانية.

أمّا مسألة تحوُّله إلى تعليق دائم، فتعتمد كليًا على نجاح المفاوضات الجارية؛ إذ يتطلب تخفيف العقوبات الدائم اتفاقًا سياسيًا أوسع نطاقًا يتناول قضايا مثل البرنامج النووي الإيراني، والمخاوف الأمنية الإقليمية، ومستقبل العلاقات الأميركية الإيرانية، بحسب شوكري.

كبير مستشاري السياسة الخارجية والجغرافيا السياسية للطاقة أومود شوكري

وأشار الخبير إلى أن الغالبية العظمى من العقوبات الأميركية ما تزال سارية؛ إذ يستمر القطاع المصرفي الإيراني، والمعاملات المالية، والتصنيفات الإرهابية، والعقوبات المتعلقة بالصواريخ، والعديد من القيود التجارية، في الحدّ من وصول البلاد إلى الأسواق المالية العالمية والاستثمار الأجنبي.

ونتيجة لذلك، حتى مع زيادة صادرات النفط، ستظل إيران تواجه قيودًا كبيرة في تلقّي المدفوعات، وجذب رؤوس الأموال الدولية، وتطوير قطاع الطاقة، والاندماج في الاقتصاد العالمي.

ويخفف الإعفاء الضغط على قطاع النفط، لكنه لا يلغي نظام العقوبات الأوسع الذي ما يزال يؤثّر في آفاق إيران الاقتصادية.

ومن الجدير بالذكر أن الأثر الاقتصادي للإعفاء لن يعتمد فقط على التصريح القانوني نفسه، بل أيضًا على كيفية تفسير البنوك وشركات التأمين وشركات الشحن وكبار تجّار الطاقة له وتطبيقه.

موضوعات متعلقة..

نرشّح لكم..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق