حرب إيران تعطل إمدادات النفط في الهند.. آثار تصدم السوق المحلية (مقال)
أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

- الضربات الأميركية الإسرائيلية على أهداف إيرانية أدت إلى تعطيل شريان حيوي لتدفقات الطاقة العالمية
- الهند تستهلك ما يقارب 5.5 مليون برميل من النفط يوميًا، وتستورد نحو 85-90% منها
- الهند وسّعت إنتاج الألواح الشمسية محليًا لتقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز سلاسل التوريد
- الدول التي تعتمد على الوقود المستورد كالهند تواجه مخاطر متزايدة خلال الأزمات الجيوسياسية
أدى تعطُّل تدفقات إمدادات النفط في الهند إلى إرباك السوق المحلية، ويأتي ذلك بعد أن تسببت حرب إيران، التي بدأت في 28 فبراير/شباط الماضي، في واحدة من أشد صدمات الطاقة حدّةً منذ عقود.
وأدت الضربات الأميركية الإسرائيلية على أهداف إيرانية، وما أعقبها من ردّ إيراني وإغلاق فعلي لمضيق هرمز، إلى تعطيل شريان حيوي لتدفقات الطاقة العالمية، وبالنسبة للهند، لم تكن هذه مجرد صدمة سوقية، بل كانت بمثابة كشف عن نقطة ضعف بنيوية.
تجدر الإشارة إلى أن الهند تستهلك ما يقارب 5.5 مليون برميل من النفط يوميًا، وتستورد نحو 85-90% منها، ويمرّ أكثر من نصف هذه الإمدادات، إلى جانب معظم واردات غاز النفط المسال والغاز المسال، عبر مضيق هرمز، الذي تُعطِّله حرب إيران.
وعندما تباطأت التدفقات وارتفعت الأسعار فوق 100 دولار للبرميل، كانت العواقب فورية، فقد ارتفعت تكاليف الاستيراد بشكل حادّ، وسارعت مصافي التكرير إلى البحث عن مورّدين بديلين، وامتدّت طرق الشحن وأصبحت أكثر تكلفة.
اعتماد الهند على النفط
إن ما كان يُعرف سابقًا بأنه اعتماد الهند على النفط أصبح -فجأة- خطرًا يهدد الاقتصاد الوطني مع استمرار حرب إيران.
إزاء ذلك، انتقلت الطاقة المتجددة من كونها أولوية سياسية طويلة الأمد إلى عنصر أساس في أمن الطاقة.
ولم تبدأ الهند تحوّلها هذا بعد انتهاء حرب إيران، بل سرّعت مسارًا كان قائمًا بالفعل، ويكمن الاختلاف حاليًا في مدى الإلحاح والهدف.
وقبل فبراير/شباط 2026، كانت الهند قد أنشأت أحد أسرع قطاعات الطاقة المتجددة نموًا في العالم.
وبلغت القدرة المركبة للطاقة المتجددة (باستثناء الطاقة الكهرومائية الكبيرة) نحو 266 غيغاواط، حيث أسهمت الطاقة الشمسية بأكثر من 140 غيغاواط، وطاقة الرياح بنحو 55 غيغاواط.
وشكّلت مصادر الطاقة غير الأحفورية أكثر من نصف إجمالي القدرة المركبة، متجاوزةً بذلك عتبة مهمة قبل الموعد المحدد.
وأضافت البلاد قدرة قياسية من الطاقة الشمسية في عام 2025، وواصلت هذا النمو بوتيرة متسارعة حتى أوائل عام 2026، مدعومةً بأطر سياسات قوية وانخفاض التكاليف.
وأسهمت مبادرات حكومية -مثل الحوافز المرتبطة بالإنتاج في قطاع التصنيع، والتزامات شراء كهرباء الطاقة المتجددة، وسياسات الطاقة الشمسية المفتوحة- في هذا التوسع.
وفي الوقت نفسه، وسّعت الهند إنتاج الألواح الشمسية محليًا لتقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز سلاسل التوريد، وعكست هذه التطورات تخطيطًا طويل الأجل مرتبطًا بالنمو الاقتصادي والأهداف البيئية.

مزيج الكهرباء الأساسي في الهند
رغم هذا التقدم، ظلّت أنواع الوقود الأحفوري تهيمن على مزيج الكهرباء الأساسي في الهند.
وقد غذّت المحروقات المستوردة معظم الأنشطة الصناعية والنقل والطلب الحضري، وكانت مصادر الطاقة المتجددة تُكمّل النظام، لكنها لم تُحدّده.
وغيّرت أحداث 28 فبراير/شباط الماضي هذا التوازن، ففي الأسابيع التي تلت حرب إيران، لم تُعلن الهند موجة من مناقصات الطاقة المتجددة الجديدة المرتبطة صراحةً بالأزمة.
وبدلًا من ذلك، ركّزت البلاد على إدارة الاضطرابات الفورية: تأمين إمدادات بديلة من النفط الخام، والاستفادة من الاحتياطيات الإستراتيجية، واستقرار الأسواق المحلية، وبعد هذه الاستجابة قصيرة الأجل، أصبح اتجاه السياسة أكثر وضوحًا.
من ناحية ثانية، استمرت عمليات تركيب الطاقة الشمسية بوتيرة متسارعة، حيث أُضيفت عدّة غيغاواط في الربع الأول من عام 2026 بالرغم من استمرار حرب إيران.
وشهد المشروعان الرئيسان، بما في ذلك مشروعات تطوير واسعة النطاق في ولايتي غوجارات وراجستان، تقدمًا ملحوظًا رغم التحديات اللوجستية.
وسجلت ولاية راجستان وحدها مشروعات بعشرات الغيغاواط تنتظر ربطها بشبكة النقل، ما يُبرز حجم الطموح والضغط الهائل على البنية التحتية.
الخطاب السائد بشأن مصادر الطاقة المتجددة
شهد الخطاب السائد بشأن مصادر الطاقة المتجددة في الهند عدّة تغيرات، فقد بدأ صنّاع السياسات والمحللون في النظر إلى الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بصفتهما مصدر طاقة نظيفًا، وعاملًا وقائيًا ضد الصدمات الجيوسياسية.
بدورهم، عزّز المراقبون الدوليون هذا الرأي، ففي منتديات الطاقة التي عُقدت مطلع عام 2026، أشار الخبراء إلى حرب إيران دليلًا على أن مصادر الطاقة المحلية تقلل من التعرض لانقطاعات الإمداد.
ورددت التقارير في وسائل الإعلام العالمية الاستنتاج نفسه: الدول التي تعتمد على الوقود المستورد، كالهند، تواجه مخاطر متزايدة خلال الأزمات الجيوسياسية.
ويتجلى هذا التحول في التركيز السياسي، فقد أولت الحكومة اهتمامًا أكبر لمرونة الشبكة، وأنظمة الطاقة المتجددة الهجينة، وحلول التخزين.
واكتسبت الطاقة الشمسية على الأسطح ونماذج التوليد اللامركزية اهتمامًا متزايدًا لأنها تقلل الاعتماد على البنية التحتية المركزية. وهذه التدابير لا تقضي على المخاطر، لكنها تجعل النظام أكثر مرونة في ظل الضغوط.

ويُعدّ الدافع الرئيس وراء هذا التسارع واضحًا: وهو أمن الطاقة، فقد كشف اضطراب مضيق هرمز عن مدى سرعة انتشار الصدمات الخارجية في الاقتصاد الهندي، فارتفاع تكاليف الاستيراد يغذّي التضخم، ويضغط على المالية العامة، ويعقّد تحقيق أهداف النمو.
وتُقدِّم الطاقة المتجددة حلًا جزئيًا من خلال تقليل الاعتماد على الأسواق العالمية المتقلبة وخفض فواتير الاستيراد على المدى الطويل.
وفي الوقت نفسه، يواجه هذا التحول تحديات، فما زالت البنية التحتية لنقل الطاقة تُشكّل عائقًا رئيسًا.
ويتعذر ربط كميات كبيرة من الطاقة المتجددة بالشبكة بالسرعة الكافية، ما يُؤدي إلى تأخيرات وانخفاض في الكفاءة.
ويُشكّل استقرار الشبكة مصدر قلق آخر، حيث يتطلب توليد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بشكل متقطع موازنةً من خلال أنظمة التخزين أو الأنظمة الاحتياطية.
وقد أقرّ صانعو السياسات بهذه القيود، مع اعتماد مؤقت على توليد الكهرباء بالغاز خلال أوقات ذروة الطلب.
وتواجه سلاسل التوريد ضغوطًا، إذ تُهدد الحرب بتعطيل الوصول إلى المواد الأساسية وزيادة تكاليف تقنيات الطاقة المتجددة.
ارتفاع الطلب على الكهرباء
يُضيف ارتفاع الطلب على الكهرباء في الهند خلال الظروف الجوية القاسية مزيدًا من الضغط على النظام. لا تُقوّض هذه التحديات عملية التحول، لكنها تُؤثّر في وتيرتها وتكلفتها.
وعلى الرغم من هذه العقبات، تدخل الهند هذه المرحلة بمزايا قوية، فهي تمتلك سوقًا محلية ضخمة، وقدرة تصنيعية متنامية، ودعمًا سياسيًا ثابتًا.
بالمثل، ما تزال ثقة المستثمرين عالية، ويضمن حجم المشروعات المخطط لها استمرار الزخم. لم تعد الطاقة المتجددة قطاعًا تجريبيًا، بل أصبحت ركيزة أساسية للإستراتيجية الاقتصادية.
بالنظر إلى المستقبل، من المرجّح أن تُسرّع الحرب التغيير البنيوي بدلًا من تغيير مساره.

تنويع واردات الطاقة
ستواصل الهند تنويع وارداتها من الطاقة، وتوسيع احتياطياتها الإستراتيجية، وتعزيز شراكاتها الدولية.
وبمرور الوقت، سيتحول التركيز نحو التوليد المحلي، والتخزين، وتحديث الشبكة.
ولم يعد السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت الهند ستُوسّع نطاق الطاقة المتجددة، بل ما إذا كانت قادرة على بناء البنية التحتية اللازمة لدعم هذا النمو بالسرعة الكافية.
وسيُحدد نقل وتخزين الكهرباء والإصلاحات التنظيمية ما إذا كان بإمكان الطاقة الشمسية وطاقة الرياح الانتقال من مُكمّلة للنظام إلى مُسهمة في استقراره.
وبعد 6 أسابيع من 28 فبراير/شباط الماضي، بات الاتجاه واضحًا، إذ لم يقتصر نمو قطاع الطاقة المتجددة في الهند على استمراره، بل تغيَّر دوره، فما كان يخدم التنمية طويلة الأجل أصبح يدعم المرونة الفورية.
ولم تكن حرب إيران السبب الذي حفّز هذا التحول، ولكنها أزالت أيّ شكّ في أهميته المُلحّة.
ويحمل هذا التحول تداعيات اقتصادية وإستراتيجية تتجاوز قطاع الطاقة، فالنشر المتسارع للطاقة المتجددة يُمكن أن يخفض فواتير الاستيراد، ويُخفف الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي، ويُسهم في استقرار أسعار الطاقة المحلية.
وهذا يُعزز مكانة الهند في أسواق التكنولوجيا النظيفة العالمية، حيث تُشكل القدرة التصنيعية والتحكم في سلسلة التوريد بشكل متزايد النفوذ الجيوسياسي. وبهذا المعنى، لا يقتصر التحول على أمن الطاقة، بل يتعلق بالقدرة التنافسية.
ولم تعد الطاقة المتجددة مجرد هدف مناخي أو تنويعي، بل أصبحت رصيدًا إستراتيجيًا، فزيادة إنتاج الكهرباء محليًا تقلل من تعرُّض الهند للصدمات الخارجية، وتمنحها سيطرة أكبر على نظام الطاقة المحلي.
ويعتمد النجاح، حاليًا، على التنفيذ، فإذا استطاعت الهند معالجة معوقات الشبكة، وتوسيع نطاق تخزين الكهرباء، والحفاظ على زخم السياسات، فبإمكانها تقليل تأثُّرها بالاضطرابات المستقبلية.
وإذا تعذّر ذلك، فستبقى المخاطر نفسها التي ظهرت في فبراير/شباط الماضي قائمة.
ويُعدّ الدرس واضحًا: فالاعتماد على استيراد النفط له تكاليف باهظة في عالم غير مستقر، ولن تقضي مصادر الطاقة المتجددة على هذا الخطر، لكنها تمنح الهند وسيلة لإدارته، وهذا كافٍ لجعلها محورًا أساسيًا لمستقبلها.
موضوعات متعلقة..
- تحويل الفحم إلى غاز.. حرب إيران تحيي مشروعًا عملاقًا ظل معلقًا 12 عامًا
- حرب إيران تحاصر سوق الهيليوم .. من ينقذها؟ (تقرير)
- أميركا تجني ثمار حرب إيران.. تتحول إلى مُصدر صافٍ للنفط لأول مرة منذ 1943
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة
- تقارير دورية وتغطيات لوحدة أبحاث الطاقة





