التقاريرتقارير النفطرئيسيةنفط

استيراد الوقود في أفريقيا يكشف هشاشة نظام الطاقة القارّي (تقرير)

نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • سلسلة إمدادات الوقود في أفريقيا تتعرض لضغوط متزايدة مع تزايد اضطرابات النفط والغاز العالمية
  • قطاع النفط خسر فعليًا 12 مليون برميل يوميًا من صافي إنتاج النفط
  • القارة ما تزال تعتمد اعتمادًا كبيرًا على المنتجات المكررة المستوردة
  • مصفاة دانغوتي للبترول في نيجيريا تبرز بديلًا هيكليًا محتملًا لسلاسل الإمداد المرتبطة بمنطقة الخليج

تواجه إمدادات الوقود في أفريقيا تحديات عديدة، إذ يكشف الاعتماد على الاستيراد هشاشةَ نظام الطاقة القارّي، وتسهم البنية التحتية الضعيفة لقطاع التكرير في اضطراب الأسواق المحلية.

ومع تراجع صادرات الشرق الأوسط بسبب الاضطرابات في مضيق هرمز وتفاقم اختناقات البنية التحتية الأفريقية، فإن الصدمة السوقية الحالية لا تقتصر على رفع الأسعار، بل تفرض إعادة النظر جذريًا في طريقة الحصول على الوقود ونقله وتأمينه في جميع أنحاء القارة.

من ناحية ثانية، ما تزال حرب إيران مشتعلة، حيث أعلنت الولايات المتحدة هذا الأسبوع خططًا لبدء حصار بحري على مواني إيران في مضيق هرمز، حسب مصادر تابعتها منصة الطاقة المتخصصة.

وتأتي هذه الخطوة في ظل استمرار إيران بفرض قيود على الصادرات عبر المضيق، وهو ممر حيوي يمرّ عبره 20% من النفط والغاز العالمي.

تقلّبات أسواق النفط والغاز العالمية

منذ اندلاع حرب إيران، شهدت أسواق النفط والغاز العالمية تقلبات كبيرة، حيث وصل سعر خام برنت إلى 112 دولارًا للبرميل.

وصرّح المحلل لدى شركة فيتول (Vitol)، سيمون وارين، بأن قطاع النفط خسر فعليًا 12 مليون برميل يوميًا من صافي إنتاج النفط، مع خسائر في الصادرات تُقدّر بنحو 9 ملايين برميل يوميًا، وتوقُّف قدرة التكرير عن العمل بما يزيد على 5 ملايين برميل يوميًا.

وأدى هذا إلى حالة من الغموض في السوق على المدى القصير، ومن المتوقع أن يؤثّر في العرض والأسعار على المدى الطويل.

ويتوقع سيمون وارين استجابة كبيرة للطلب في شهري أبريل/نيسان الجاري ومايو/أيار المقبل.

وفي حال التوصل إلى حل هذا الأسبوع -وهو أمر مستبعد-، فستظل السوق تعاني من اضطرابات لعدّة أشهر قبل أن تعود إلى الوضع الطبيعي.

وهذا يؤكد الحاجة إلى إعادة تشغيل الحقول، وأن تبحر السفن إلى وجهاتها لتلبية الطلب، وهو ما قد يستغرق ما بين 5 و7 أسابيع.

سيستغرق الأمر عدّة أشهر قبل أن يعود القطاع إلى وضعه الطبيعي، بحسب ما قاله وارن.

محطة وقود في مدينة لاغوس بنيجيريا
محطة وقود في مدينة لاغوس بنيجيريا – الصورة من رويترز

نقاط الضعف في سلاسل التوريد في أفريقيا

بالنسبة لأفريقيا، تُعدّ التداعيات بالغة الخطورة، إذ ما تزال القارة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على المنتجات المكررة المستوردة، التي يأتي معظمها من مجموعة محدودة من الموردين.

ويخضع هذا الاعتماد لاختبار حقيقي، لا سيما مع توقعات زيادة الطلب على المنتجات المكررة في القارة بنسبة 1.5% سنويًا بحلول عام 2026، ليصل إلى 21.4 مليون طن متري.

ويبرز ضعف بنيوي آخر، ففي جنوب وشرق أفريقيا، ترتبط سلاسل التوريد ارتباطًا وثيقًا بمراكز التكرير الخارجية وعدد محدود من نقاط الدخول.

وتشير المديرة التنفيذية لشركة الاستشارات "سي آي تي إيه سي" (CITAC)، إليتسا جورجيفا، إلى أنه من أصل 400 مليون طن من واردات المنتجات في جنوب أفريقيا العام الماضي، جاء 73% منها من الشرق الأوسط.

وتُورّد المنطقة 60% من واردات المنتجات إلى تنزانيا، التي بدورها تُورّدها إلى زامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وبوروندي.

وتتفاقم هذه التبعيات البنيوية بسبب قيود البنية التحتية، إذ يواجه ميناء ديربان في جنوب أفريقيا ضغوطًا متزايدة، حيث تُحوَّل كميات متزايدة من البضائع إلى موانٍ بديلة مثل ريتشاردز باي (جنوب أفريقيا) وبيرا (موزمبيق).

وتأتي هذه البدائل مصحوبة بتحدياتها الخاصة، بما في ذلك فترات الانتظار الطويلة وعدم كفاءة العمليات اللوجستية التي ترفع التكاليف في جميع مراحل سلسلة التوريد، والنتيجة هي نظام تتفاقم فيه الاضطرابات بدلًا من استيعابها.

مبادرة التحولات العالمية نحو التكرير في أفريقيا

هناك زخم متزايد حاليًا وراء الاستثمارات الرامية إلى معالجة هذه التحديات.

تتوسع قدرة التكرير، لا سيما في دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث من المتوقع أن يرتفع الإنتاج بشكل حادّ على المدى القريب.

وتُعدّ مرافق التخزين الإستراتيجية، والبنية التحتية المطورة للمواني، وممرات النقل الجديدة حلولًا لوجستية، وركائز أساسية لأمن الطاقة.

وسلّطت المديرة التنفيذية لشركة الاستشارات "سي آي تي إيه سي" (CITAC)، إليتسا جورجيفا، الضوء على مصفاة دانغوتي في نيجيريا (650 ألف برميل يوميًا) ومحطة بارا دو داندي في أنغولا (580 ألف متر مكعب) بصفتها أمثلة رئيسة.

وتُبرز هذه المرافق - إلى جانب ممر لوبيتو - تحولًا أوسع نحو أنظمة إمداد متكاملة وعابرة للحدود.

وعلى الرغم من أن هذه التطورات تُظهر أن السوق تسير في الاتجاه الصحيح، فإنه ما يزال هناك الكثير مما يجب فعله لتحويل أفريقيا من سوق تعتمد بشكل كبير على الاستيراد إلى اقتصاد طاقة مكتفٍ ذاتيًا.

من جهة ثانية، أدى الاضطراب الحالي إلى تسريع الجدول الزمني للتحرك، لكن التحول واضح: لم يعد بإمكان أفريقيا الاعتماد على الأسواق البعيدة لتلبية احتياجاتها من الطاقة دون تعريض نفسها للصدمات الخارجية.

ومع استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط في تعطيل أسواق النفط العالمية ورفع تكاليف الشحن والتأمين والتكرير، تواجه الاقتصادات الأفريقية، التي ما يزال الكثير منها يعتمد بشكل كبير على المنتجات المكررة المستوردة، مخاطر متجددة على الإمدادات.

في هذا الإطار، تبرز مصفاة دانغوتي للبترول في نيجيريا بديلًا هيكليًا محتملًا لسلاسل الإمداد المرتبطة بمنطقة الخليج العربي.

وبصفتها أكبر مصفاة أحادية الخط في العالم، يُنظر إلى توسيعها بشكل متزايد بصفتها وسيلة لإعادة تشكيل تدفقات الوقود الإقليمية من خلال توفير مصدر أكثر استقرارًا وقربًا للمنتجات المكررة.

وستنشر شركة هانيويل للخدمات (Honeywell) أدوات مراقبة رقمية متطورة وأدوات أتمتة وحلول تدريب للقوى العاملة في مصفاة دانغوتي في نيجيريا، وفقًا لما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.

ويهدف هذا التعاون إلى تعزيز إنتاج الوقود وتحسين الموثوقية وتسريع الإنتاج.

ومع تزايد الضغط على قدرة التكرير في أفريقيا، يمكن أن تؤدي مكاسب الكفاءة التدريجية إلى تقليل الاعتماد على الواردات مباشرةً، وتعزيز أمن الوقود الإقليمي.

مصفاة أسترون إنرجي النفطية في مدينة كيب تاون بحنوب أفريقيا
مصفاة أسترون إنرجي النفطية في مدينة كيب تاون بجنوب أفريقيا – الصورة من بلومبرغ

تحويل أكبر مصفاة في أفريقيا إلى مركز إمداد عالمي

تعمل مصفاة دانغوتي حاليًا بكامل قدرتها الإنتاجية البالغة 650 ألف برميل يوميًا، حيث تنتج البنزين والديزل ووقود الطائرات للاستهلاك المحلي والتصدير.

وقد شُيّدت هذه المصفاة بصفتها مشروعًا ضخمًا بتكلفة 20 مليار دولار، وهي تُمثّل حجر الزاوية في تحوّل قطاع التكرير والتصنيع في نيجيريا.

ومن المتوقع أن تصل قدرتها الإنتاجية خلال السنوات الـ3 المقبلة إلى 1.4 مليون برميل يوميًا، ما سيجعلها من أكبر المصافي في العالم، متجاوزةً مجمع جامناغار في الهند.

وتتجه الأنظار الآن نحو طرح عام أولي تاريخي، يُتوقع أن يبدأ في مايو/أيار 2026، ويجمع ما يصل إلى 5 مليارات دولار.

ومن المتوقع أن يكون الاكتتاب العام الأولي المزمع لأسهم شركة دانغوتي لتكرير البترول والبتروكيماويات في نيجيريا أكبر عملية لجمع رأس المال في أفريقيا عبر الاكتتابات العامة.

ويتوقع محللون أن يُمثّل الطرح ما بين 5% و10% من حقوق ملكية الشركة، أي ما بين 40 و50 مليار دولار أميركي، ما يُبرز حجم هذا الأصل وأهميته في قطاع التكرير العالمي.

وقد يُسهم هذا الاكتتاب في تعزيز المرونة المالية للمصفاة وتعميق دورها بصفتها مرجعًا إقليميًا لتحديد الأسعار، ما يُتيح شبكة تجارية أكثر تكاملًا للوقود في غرب أفريقيا من خلال تحسين القدرة على التنبؤ بالإمدادات، واستقرار العقود، وقدرة التوزيع عبر الحدود.

أكبر مصفاة نفط في أفريقيا
أكبر مصفاة نفط في أفريقيا - الصورة من الموقع الرسمي

تحوّل شامل في توجهات تجارة الوقود

مع ازدياد الإنتاج، تُسهم مصفاة دانغوتي في تشكيل تجارة الوقود البينية الأفريقية.

وتستهلك نيجيريا 56.9 مليون لتر من الوقود يوميًا، إلّا أن قدرتها التكريرية تتجاوز الآن احتياجاتها المحلية بـ 75 مليون لتر، ما يُتيح إمكانات تصديرية بنيوية في جميع أنحاء غرب ووسط أفريقيا.

في مارس/آذار 2026، صدّرت مصفاة دانغوتي 12 شحنة من المنتجات البترولية المكررة بإجمالي 456 ألف طن إلى 5 دول أفريقية، هي: ساحل العاج، والكاميرون، وتنزانيا، وغانا، وتوغو.

وتعكس هذه الشحنات ارتفاع الطلب الخارجي وتضييق نطاق الإمدادات العالمية نتيجةً للحرب الأميركية الإيرانية، ما بدأ يُؤثّر سلبًا في طرق الاستيراد التقليدية من أوروبا والخليج.

ووفقًا لوكالة رويترز، فقد وردت استفسارات إضافية من كينيا وجنوب أفريقيا، حيث تبحث الحكومتان عن ترتيبات شراء طويلة الأجل لتحقيق استقرار في توافر الوقود وأسعاره.

ويُسهم التوريد الإقليمي من نيجيريا بتقليل أوقات التسليم والحدّ من التأثر بتقلبات أسعار الدولار، ما يُوفّر بنية إمداد أكثر مرونة للاقتصادات المستوردة للوقود.

سلاسل إمداد الأسمدة النيتروجينية

تأثرت الدول الأفريقية بهيمنة الشرق الأوسط على سلاسل إمداد الأسمدة الآوتية (النيتروجينية)، حيث تعرضت صادرات اليوريا والأمونيا الرئيسة لاضطرابات عبر مضيق هرمز.

وقد أدى ذلك إلى انخفاض المعروض العالمي وارتفاع الأسعار.

ويُعدّ إنتاج مصفاة دانغوتي من اليوريا، المتوقع أن يتضاعف 4 مرات بحلول عام 2030، بديلًا إقليميًا، ما يُحسّن مرونة الإمدادات في جميع أنحاء أفريقيا.

وتُعزز هذه التطورات تحولًا أوسع نحو التجارة الأفريقية الشاملة، حيث تُقلل تدفقات الوقود والأسمدة الإقليمية من الاعتماد على الأسواق الخارجية.

وفي إطار اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، يُمكن لهذا الزخم أن يُسرّع التكامل الصناعي، ويُتيح الاستثمار في البنية التحتية العابرة للحدود، ويدعم مبادرات جديدة تهدف إلى بناء سوق داخلية أفريقية مكتفية ذاتيًا.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

المصادر:

  1. إمدادات الوقود في أفريقيا على وشك الانهيار، ما يفرض إعادة النظر في الإستراتيجية، من إنرجي كابيتال آند باور
  2. توسيع نطاق عمليات دانغوتي وتقليل مخاطر سوق الوقود الأفريقي، من إنرجي كابيتال آند باور
إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق