هل تواجه قناة السويس تراجعًا في إيراداتها بسبب الحرب على إيران؟ (تقرير)
نوار صبح
- حركة الحوثيين في اليمن أشارت إلى عودة وشيكة لاستهداف السفن التجارية
- رحلات "إم إي 11" المتجهة غربًا توفر 19 يومًا عبر قناة السويس
- يعبر قناة السويس ما يقارب 10-15% من التجارة البحرية العالمية في الظروف العادية
- قبل الهجمات كانت قناة السويس تستقبل نحو 80 سفينة حاويات أسبوعيًا
يتابع المراقبون حركة الملاحة في قناة السويس، التي كانت أكبر المتضررين نتيجة لتداعيات الحرب في غزة، ثم بدأت تنتعش مرة أخرى وتستعيد جزءًا من الإيرادات المفقودة، لكن الوضع الحالي يُنذر بعودة الأزمة من جديد في ظل مخاوف من تراجع الإيرادات جرّاء الحرب الراهنة على إيران.
وانتهى الهدوء المؤقت الذي شهدته هجمات السفن في البحر الأحمر نهاية هذا الأسبوع، إذ أشارت حركة الحوثيين في اليمن إلى عودة وشيكة لاستهداف السفن التجارية، ما ألقى بظلاله على ما كان يُعدّ تعافيًا هشًا في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وصرّح مسؤولان حوثيان رفيعا المستوى بأن الجماعة قررت استئناف عمليات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة ضد حركة الملاحة البحرية ردًا على الضربات العسكرية الأميركية الإسرائيلية على إيران، بحسب ما نقلته عنهما وسائل إعلام دولية، رصدتها منصة الطاقة المتخصصة.
وأشار المسؤولان إلى أن الهجمات المتجددة قد تبدأ فورًا، وستستهدف خطوط الشحن التي استُهدفت خلال حملة الجماعة في البحر الأحمر وخليج عدن خلال المدة 2024-2025.
تحوّل جذري
يمثّل التوقيت تحولًا جذريًا، إذ أوقف الحوثيون هجماتهم البحرية واسعة النطاق في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2025، عقب خفض التصعيد الإقليمي المرتبط بوقف إطلاق النار في غزة.
ومنذ نحو 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 حتى أواخر فبراير/شباط 2026، لم تُسجّل أيّ هجمات صاروخية أو طائرات مسيّرة مؤكدة ومستمرة ضد السفن التجارية تُنسب إلى الجماعة.
وبذلك، تُشير بيانات نهاية هذا الأسبوع إلى نهاية نحو 3 أشهر ونصف من الهدوء النسبي.
من جانبه، حذّر المجلس البحري الدولي ومجلس بحر البلطيق "بيمكو" (BIMCO)، أكبر اتحاد شحن دولي في العالم، من أن السفن ذات الروابط التجارية مع المصالح الأميركية أو الإسرائيلية ستواجه على الأرجح مخاطر متزايدة في حال استئناف هجمات الحوثيين.
من ناحيته، حذّر رئيس قسم السلامة والأمن لدى المجلس البحري الدولي ومجلس بحر البلطيق، جاكوب لارسن، من أن التهديد يتجاوز الانتماءات المباشرة.
وقال لارسن: "السفن ذات الروابط التجارية مع المصالح الأميركية أو الإسرائيلية أكثر عرضة للاستهداف، لكن قد تُستهدف سفن أخرى عمدًا أو عن طريق الخطأ".
وفي هجمات سابقة، استُهدفت سفن لا تربطها صلات واضحة بإسرائيل أو الولايات المتحدة، إمّا عمدًا أو نتيجة خطأ في تحديد الهوية.

شركات شحن الحاويات الكبرى
يأتي التحذير في وقتٍ بدأت فيه شركات شحن الحاويات الكبرى بالتراجع عن عودتها التدريجية إلى البحر الأحمر.
ففي الأسبوع الماضي، وبعد أقل من شهر على استئناف رحلاتها المحدودة عبر البحر الأحمر، وقبل أيام من الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران، أعلنت شركة الشحن الدنماركية "ميرسك" (Maersk) أنها ستغيّر مسار بعض رحلاتها مرة أخرى حول رأس الرجاء الصالح.
وأشارت إلى "قيود غير متوقعة ناجمة عن بيئة العمل الأوسع في منطقة البحر الأحمر" بوصفها عوامل تُسبّب مخاطر التأخير.
ووفقًا لجداول السفن، ستسلك سفينتا "ميرسك هيوستن" و"أستريد ميرسك" المتجهتان غربًا طريقهما عبر رأس الرجاء الصالح عند مغادرتهما ميناء صلالة في 5 و12 مارس/آذار الجاري على التوالي، وفقًا لما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.
ويُمثّل هذا القرار انتكاسةً كبيرة لما بدا كأنه إعادة فتح حذرة، ولكنها واعدة.
وأعلنت شركة ميرسك وشريكتها هاباغ-لويد (Hapag-Lloyd) عن أول عودة هيكلية لخدمة "إم إي 11" ME11 التابعة لهما، المُشغّلة ضمن مشروع جيميني، إلى البحر الأحمر في أوائل فبراير/شباط الماضي.
استُؤنِفت الرحلات المتجهة غربًا في 4 فبراير/شباط الماضي، بينما بدأت الرحلات المتجهة شرقًا في 3 فبراير/شباط الماضي.
وما تزال المزايا التشغيلية مُغرية، إذ توفر رحلات "إم إي 11" المتجهة غربًا 19 يومًا عبر قناة السويس، بينما تُختصر الرحلات المتجهة شرقًا بـ7 أيام.
التغييرات المتكررة
تهدد هذه التغييرات المتكررة بشيء ربما يكون أكثر قيمة من الوقت: القدرة على التنبؤ.
وبحسب ما حذّر كبير المحللين لدى شركة زينيتا (Xeneta)، ديستين أوزويغور، عندما غيّرت شركة "سي إم إيه سي جي إم" (CMA CGM) مسار خدماتها فجأةً حول رأس الرجاء الصالح في أواخر يناير/كانون الثاني الماضي، فإن "عدم القدرة على التنبؤ يُلحق ضررًا بالغًا بسلاسل التوريد".
وسجّلت شركة ميرسك خسارة قدرها 153 مليون دولار في قسم الشحن البحري التابع لها للربع الرابع من عام 2025، مُسجلةً بذلك أول خسارة ربع سنوية لها منذ سنوات، في ظلّ سعيها للتأقلم مع المرحلة الانتقالية الصعبة بين تحويلات رأس الرجاء الصالح والعبور عبر قناة السويس.
وأصدرت الشركة توقعات واسعة النطاق لعام 2026، تتراوح بين خسارة قدرها 1.5 مليار دولار أميركي وربح قدره مليار دولار أميركي، ما يعكس حالة الضبابية الشديدة بشأن وتيرة إعادة فتح البحر الأحمر بشكل مستدام.
أقساط التأمين
من المتوقع أن تتبع ذلك تداعيات تأمينية سريعة، إذ أفاد المجلس البحري الدولي ومجلس بحر البلطيق بأن أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب من المرجّح أن ترتفع بشكل حادّ في حال استئناف الهجمات.
وخلال حملات الحوثيين السابقة، ارتفعت أقساط التأمين الإضافية ضد مخاطر الحرب لعبور البحر الأحمر بشكل ملحوظ، حيث أضافت في بعض الحالات مئات الآلاف من الدولارات إلى تكلفة الرحلات الفردية.
وقال رئيس قسم السلامة والأمن لدى المجلس البحري الدولي ومجلس بحر البلطيق، جاكوب لارسن: "نتوقع ارتفاع أسعار التأمين أضعافًا مضاعفة، ومن المرجّح ألّا تتمكن السفن ذات الصلات التجارية بالولايات المتحدة أو إسرائيل، التي تقترب من المنطقة، من الحصول على تأمين".
ويُعدّ البحر الأحمر ومضيق باب المندب شريانين حيويين للتجارة العالمية، إذ يربطان الأسواق الأوروبية والمتوسطية بآسيا عبر قناة السويس.
ويعبر هذا الممر ما يقارب 10-15% من التجارة البحرية العالمية في الظروف العادية.

التحول نحو جنوب أفريقيا
خلال حملة الحوثيين السابقة، غيّرت شركات شحن الحاويات الكبرى وشركات ناقلات النفط مسار سفنها حول جنوب أفريقيا، ما أضاف ما يقارب 10-14 يومًا إلى الرحلات، ورفع تكاليف وقود السفن والانبعاثات بشكل ملحوظ.
وبدأت أزمة البحر الأحمر في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، عندما استولت قوات الحوثيين على ناقلة الحاويات "غالاكسي ليدر" قبالة سواحل اليمن.
ومنذ ذلك الحين، استُهدفت أكثر من 100 سفينة تجارية، حيث غرقت 4 سفن، واستُولِيَ على واحدة، وقُتِل 8 بحارة على الأقل.
نشاط قناة السويس
قبل الهجمات، كانت قناة السويس تستقبل نحو 80 سفينة حاويات أسبوعيًا. بحلول منتصف يناير/كانون الثاني 2026، انخفض هذا الرقم إلى 26 فقط.
وحتى يوم الاثنين 2 مارس/آذار الجاري، لم يُتحقَّق بشكل مستقل من أيّ هجوم بحري جديد مؤكد مرتبط بتصريحات الحوثيين الأخيرة. في المقابل، رفعت شركات النقل البحري والتجاري في جميع أنحاء المنطقة مستويات التهديد وفعّلت مواثيق الطوارئ.
ويعتمد الوضع الراهن على ما إذا كان الحوثيون سينتقلون من الخطابات إلى العمليات العسكرية المستمرة. في حال استئناف الهجمات، سيواجه مالكو السفن قرارات جديدة بشأن مسارات السفن، وأداء عقود التأجير، وتغطية مخاطر الحرب، وسلامة الطاقم.
ومن المرجّح أن تتفاعل أسواق الشحن بسرعة في حال وقوع هجمات مؤكدة.
في الوقت الراهن، ما يزال الوضع متقلبًا، ولكنه يستند إلى تطورات قابلة للتحقق: عمل عسكري أميركي إسرائيلي مؤكد ضد إيران، وإشارات موثوقة من الحوثيين باستئناف الهجمات البحرية، وتحذيرات أمنية رسمية من منظمة النقل البحري البريطانية (UKMTO)، وتحذيرات بشأن أنماط الاستهداف وتصعيد التأمين.
ويعيد هذا المزيج البحر الأحمر ومنطقة الخليج إلى منطقة بحرية عالية المخاطر، مع تداعيات تتجاوز المياه الإقليمية.
موضوعات متعلقة..
- الطلب على وقود السفن بقناة السويس يتجه للتعافي في 2026.. و3 تحديات
- قناة السويس في 2025.. بداية تعافٍ تدريجي للإيرادات وتدفقات النفط
- الممر الشمالي بديل قناة السويس.. من الخاسر الأكبر؟ (تقرير)
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن تداعيات الحرب الإسرائيلية الإيرانية على قطاع الطاقة
- ملف خاص عن قطاع الهيدروجين في الدول العربية
- ملف خاص عن الطاقة الشمسية في الدول العربية
المصدر:





